طموح يتعدى الحياة
الشمس تميل نحو المغيب فوق بطحاء مكة، والغبار يتصاعد من بين الحجارة التي يرفعها شيخ جاوز الثمانين، بيديه المتجعدتين، حجرًا حجرًا، وابنه الشاب يناوله الحجارة بصمتِ من يعرف أن هذا البناء ليس كأي بناء.
إبراهيم عليه السلام يبني، وإسماعيل يعين. لا صوت إلا صوت الحجر يستقر فوق الحجر، وصوت قلبين معلَّقين بالسماء أكثر مما هما معلَّقان بالأرض. جدارٌ يرتفع، ثم جدارٌ، ثم يكتمل البيت العتيق. وفي لحظة الانتهاء، لا يجلس الخليل ليستريح، ولا يبتسم ابتسامة من أنجز عملَ عمره؛ بل يرفع يديه، هو وابنه معًا، ويهتف بدعاء لم يكن يخص نفسه ولا زمانه:
“رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ”
قف هنا قليلًا معي. رجلٌ بنى بيت الله بيديه، وأتم أعظم مهمة أُنيطت به، وكان بإمكانه أن يدعو لنفسه بالثبات، أو لذريته القريبة بالهداية، أو أن يختم عمله بحمدٍ يليق بجلال اللحظة. لكنه بدلًا من ذلك، ينظر إلى أبعد من عمره، أبعد من إسماعيل، أبعد من كل من سيراه أو يعرفه. ينظر إلى قرونٍ لم تولد بعد، وينحت لها في دعائه صفات دقيقة: رسولٌ منهم، يتلو عليهم الآيات، يعلمهم الكتاب والحكمة، يزكيهم. أربع صفات، لم يكتفِ بواحدة. كأنه يرسم صورةً لا يريد أن تُخطئها الأيام.
لماذا هذا الحرص؟ لماذا يشغل نبيٌّ آخر لحظاته الكبرى بأناسٍ لن يلقاهم؟
لأن الأنبياء لا يقيسون النجاح بعمر الإنسان، بل بامتداد الأثر. إبراهيم عليه السلام كان يعلم أن البيت حجارة، وأن الحجارة مهما علت ستبقى صامتة إن لم يسكنها نورٌ يتجدد جيلًا بعد جيل. فطموحه لم يكن أن يُذكر اسمه، بل أن يستمر الهدى. لم يدعُ لنفسه بالخلود، بل دعا لأمةٍ لم توجد بعدُ أن تُخلَّد بالهداية.
ومرت قرون. تراكم الغبار على أثر الدعوة، وانحرفت ذرية إسماعيل شيئًا فشيئًا، حتى صار البيت الذي بُني للتوحيد محفوفًا بالأصنام. وكان يبدو أن ذلك الدعاء طُوي مع الزمن كما تُطوى الأدعية القديمة. لكن الله عز وجل لا ينسى دعوة خليله؛ فبعد أكثر من ألفي عام، في نفس تلك البطحاء، وُلد رجل، يتيمٌ، أميٌّ، لم يقرأ كتابًا قط، ثم نزل عليه الوحي فإذا هو *الرسول منهم، وإذا القرآن **يُتلى عليهم، وإذا هو **يعلمهم الكتاب والحكمة، وإذا أصحابه **يتزكَّون* حتى صاروا خير قرون هذه الأمة. تحقق الدعاء حرفًا حرفًا، وصفةً صفة، وخرجت من رحم تلك الاستجابة أعظم أمة عرفها التاريخ، غيّرت مجرى الحضارة الإنسانية من أقصى الأرض إلى أقصاها.
طموح إبراهيم عليه السلام لم يمت بموته، بل وُلد من جديد في محمد صلى الله عليه وسلم.
وهنا تتكرر المشهدية ذاتها، لكن في زمنٍ آخر، وبطلٍ آخر يحمل الأمانة نفسها. تخيل المدينة، والصحابة يحفرون الخندق، الأيدي متشققة، الجوع يعصر البطون، والبرد يلسع الأجساد، ومحمد صلى الله عليه وسلم بينهم يحفر كما يحفرون، يبني حضارة جديدة بحجارةٍ من إيمان لا من طين. أمة تُصنع من العدم أمام أعين التاريخ.
وفي لحظة من تلك اللحظات المضنية، يقف صلى الله عليه وسلم عند بقيع الغرقد، فيلتفت إلى من حوله من أصحابه، ويقول كلمات لم تكن تخصهم وحدهم:
“وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا”. فقال أصحابه: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: “أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإِخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ”.
انظر إلى المشهد: رجلٌ يقف وسط خيرة البشر، أصحابه الذين باعوا أرواحهم من أجله، ومع ذلك، شوقه لا يكتمل إلا لمن لم يُخلق بعد. لم يقل “إخوتي” لمن يشاركونه الخندق والجوع والسيف، بل ادخر هذه الكلمة لأمةٍ ستأتي من بعده، تؤمن به ولم تره، تتبع سنته ولم تعاصره. وهو، صلى الله عليه وسلم، يعدهم بأنه سيسبقهم إلى الحوض، كأنه يقول: طموحي فيكم لا ينتهي بموتي، بل يمتد إلى يوم ألقاكم عنده.
هذا هو نفسه طموح إبراهيم، يتجدد في قلب محمد صلى الله عليه وسلم: أمة تخرج من بعده، تحمل النور، وتنشر العدل، وتحرر الإنسان من عبودية الإنسان إلى عبودية رب الإنسان.
وهنا وقفة لا ينبغي أن تمر مرور الكرام. لاحظ من كان حاضرًا في كلا المشهدين. إبراهيم عليه السلام لم يدعُ بهذا الدعاء وهو منفردٌ في خلوته، ولم يهمس به سرًّا بينه وبين ربه؛ بل رفع يديه به وإسماعيل إلى جواره، يسمع كل كلمة، ويشهد كل حرف. ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يُخبر بشوقه لإخوانه الذين لم يأتوا وهو وحيد، بل قالها أمام أصحابه، في لحظة تجمعهم، ليست غفلة منه ولا حديث نفسٍ عابر، بل كانت تربية مقصودة. كان الأب يزرع في ابنه، والمعلّم يزرع في تلاميذه، أن الطموح الحقيقي لا يقف عند حدود العمر الواحد، وأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يجنيه لنفسه، بل بما يُورثه لمن بعده.
فإسماعيل الذي وقف يناول أباه الحجارة، سمع بأذنيه أن غاية هذا البناء ليست بيتًا من طين، بل نورٌ يُنتظر لأجيال لم تُخلق بعد. وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين حفروا الخندق بأيديهم، سمعوا بآذانهم أن حبيبهم الذي بذلوا له كل شيء، يشتاق إلى قومٍ لم يروهم، ويريدهم أن يكونوا جسرًا يصل الأمة بهم. هذه هي التربية التي تصنع الأجيال العظيمة: أن يكبر الابن وهو يرى أباه يفكر فيمن بعده، لا فيمن حوله فقط، وأن يشب الصحابي وهو يسمع نبيه يعلّمه أن أثره لا ينتهي بموته.
وكم يغفل كثيرٌ من الآباء المسلمين اليوم عن هذا الدرس العظيم! فتراهم يحصرون طموح أبنائهم في شهادةٍ جامعية تُعلَّق على جدار، أو وظيفةٍ تُدرّ رزقًا، أو منصبٍ يرفع اسمًا في دنيا زائلة، دون أن يزرعوا فيهم يومًا سؤالًا أعمق: ماذا سيبقى منك بعد أن تذهب؟ من سيهتدي على يديك؟ أي نورٍ ستوقده في قلبٍ لم يولد بعد؟ فيكبر الابن وقد تعلّم أن يطمح لنفسه، ولم يتعلّم أن يطمح لأمته. يتعلّم كيف يرفع مكانته، ولا يتعلّم كيف يرفع أثره. وهذا فارقٌ عظيم بين تربية تصنع موظفًا ناجحًا، وتربية تصنع خليلًا يبني بيتًا لألف سنة قادمة، أو نبيًّا يشتاق إلى إخوانه قبل أن يولدوا.
فليت كل أبٍ وأم، وكل معلّم ومربٍّ، يستحضر هذا المشهد وهو يربي من بين يديه؛ أن يزرع فيه، إلى جانب سؤال “ماذا ستكون؟”، سؤالًا أبعد أثرًا: “بمن سيهتدي الناس على يديك؟”. فتلك هي التربية التي ورثها إبراهيم لإسماعيل، وورثها محمد صلى الله عليه وسلم لأصحابه، فورثوها بدورهم لأمةٍ غيّرت وجه التاريخ.
الطموح إذن صفة من صفات العظماء، ولذلك أخبرنا الله تبارك وتعالى عنها في كتابه، وحفظها لنا في سيرة أنبيائه، لتكون لنا منارة. فالإنسان العادي يقيس نجاحه بما يحصّله في عمره، أما صاحب الطموح الحقيقي فيقيس نجاحه بما يزرعه لِما بعد عمره.
وهذا الطموح على وجهين: طموحٌ فيما سيأتي بعدنا، وطموحٌ في آخرتنا. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في دعوةٍ واحدة حين قال: “إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ… ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ”.
“وأرجو أن أكون أنا هو”. تأمل هذا الرجاء من سيد الخلق. لم يقل “أنا هو” جزمًا رغم يقينه بمكانته عند ربه، بل قالها بلسان الرجاء والتواضع، ليعلّمنا كيف يكون الطموح إلى أعلى الفردوس، وكيف يبقى القلب معلقًا بالخوف والرجاء مهما بلغ العبد من قرب. فالطموح إلى الفردوس الأعلى ليس انفصالًا عن طموحنا فيما بعدنا، بل هو امتداد له؛ فالجنة تُبنى بما يبقى بعدنا من أثر، كما أخبر صلى الله عليه وسلم: “إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ”.
ثلاث نوافذ تبقى مفتوحة بعد إغلاق باب الحياة. لكن، ماذا لو كان الأثر أعظم من صدقة تجري، أو علمٍ يُروى، أو ولدٍ يدعو؟ ماذا لو كان الأثر أن يهدي الله بك بشرًا بعد بشر، فيمتد نورٌ أوقدته أنت في قلبٍ، إلى قلبٍ آخر، إلى قلوبٍ لا تُحصى، جيلًا بعد جيل؟ هذا ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لعليٍّ رضي الله عنه: “فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ”. فكيف إن كان الرجل الواحد بدايةَ سلسلةٍ من الهداية لا تنقطع؟
وقد فطن لهذا بعض الصالحين، فكان أحدهم يقول -على معنى الحديث النبوي-: “إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ”، فطوبى لمن جعله الله مفتاحًا يفتح به قلوبًا، لا مجرد عابرٍ يمر بالحياة دون أن يترك بابًا مفتوحًا خلفه.
هذا هو طموح هذه الأمة الحقيقي؛ ليس أن تحيا فقط، بل أن تُبقي النور مشتعلًا. طموح كل عبدٍ أحب نور الله في قلبه، أن يمتد هذا النور إلى قلبٍ آخر لم يعرفه بعد. فالداعية الذي يعلّم طفلًا آية، والأم التي تغرس في ابنها حب القرآن، والكاتب الذي تصل كلماته إلى قلبٍ تائه فتهديه، والمتصدق الذي يبني بئرًا يشرب منها من لم يُخلق بعد، كل هؤلاء ورثة ذلك الدعاء الذي رفعه إبراهيم عليه السلام عند البيت، وذلك الشوق الذي عبّر عنه محمد صلى الله عليه وسلم عند البقيع.
فتخيل معي، لو أن هذا الطموح استيقظ في قلب كل مؤمن، فلم يقعد أحدهم عن العطاء ظنًّا منه أن أثره صغير، ولم يتوقف أحدهم عن الزرع لأنه لن يرى الحصاد. تخيل لو انطلق كل واحد بما يملك، لا بما يتمناه غيره: هذا بعلمه، وهذا بماله، وهذا بدعوته، وهذا بصبره على أذى في سبيل الحق، وهذا بكلمة طيبة يزرعها في نفس يائسة. لن تسأل الأمة حينها: ماذا سيبقى بعدنا؟ بل ستكون هي نفسها الجواب الحي، كما كانت يوم استجاب الله دعوة خليله، ويوم تحقق شوق حبيبه صلى الله عليه وسلم.
فالطموح الحق ليس أن تكون الأعظم في زمانك، بل أن تكون سببًا في نور يُضيء لِمن بعد زمانك. وحسبك من الخلود أن يبقى أثرك حين يُنسى اسمك، وأن يهتدي بك من لن يعرف يومًا أنك كنت السبب.
اللهم اجعلنا ممن امتد أثره بعد عمره، واجعل طموحنا فيك أعلى من أن يحده عمرٌ، أو يقيده زمن.
الرابط المختصر هنا ⬇


