أبناؤنا والأشهر الحرم.. هل نعلمهم تعظيم ما عظّم الله؟
حين كنت صغيراً كان الاستاذ يدخل الفصل بهدوء ووقار، ثم يتجه نحو اللوح الأخضر ليكتب في أعلاه يميناً التاريخ الهجري، وفي أعلاه يساراً التاريخ الميلادي، وكأنه بهذه الحركة البسيطة يعلمنا دون تكلف درساً في ارتباط الروح والإيمان بأوقاتنا وزماننا. وكان بعض الأساتذة – جزاهم الله خيراً- يقفون لحظة عند كتابة التاريخ الهجري، فيشرحون لنا شيئاً من أهميته، فإذا دخلنا شهراً حراماً كذي القعدة أو محرّم أو ذي الحجة أو رجب، علقوا عليه بكلمات وجيزة تُلقى في قلوب صغيرة متفتحة فتستقر فيها سنوات.
وكان خطباء المساجد يكملون هذا الدور يوم الجمعة، فيُذكرون الناس بحرمة الشهر وفضله، فينشأ الطفل وهو يشعر أن للزمن إيقاعاً إيمانياً، وأن السنة ليست أشهر متشابهة تمر بلا معنى. أما اليوم، فقد غاب التاريخ الهجري عن لوحات الفصول، وخفت صوت المربي في التذكير بمواسم الله، وأصبح أبناؤنا يعيشون في عالم يُحدَّد فيه الزمن بالميلادي وحده، فانقطعوا عن تقويمهم الروحي الذي كان يربطهم بتاريخهم وهويتهم. وهذا الغياب ليس تفصيلا هامشياً، بل هو أحد الأسباب الخفية التي تذيب هوية أبنائنا ببطء، وتجعلهم غرباء عن موروثهم الإيماني العريق الذي بناه الآباء والأجداد لبنةً لبنة.
فالطفل الذي لا يعرفه أنه يعيش في شهر حرام، لن يعيش بخصوصية هذا الشهر، ولن يعظّم ما عظّم الله، ولن ينشأ في قلبه ذلك الإحساس الرفيع بأن للوقت قيمة، وللزمن حرمة، قال الله تعالى: ” إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ” التوبة: 36 . وقال تعالى:”ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓائِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ” [الحج:32].
والتعظيم لا يولد في الطفل تلقائياً، بل يزرع بالتذكر المتكرر، والقدوة الحية، والبيئة الواعية. وقد أثبتت دراسة أجرتها جامعة هارفرد ضمن مشروع “Developing Virtues in Children 2020” أن الأطفال الذين ينشؤون في بيئة تبرز قيماً محددةً بصورة منتظمة بستبطنون هذه القيم بعمق أكبر بكثير من أولئك الّذين يتلقّونها عبر التلقين النظري المجرّد.
وقد أشار الباحث “Martin Seligman” في كتابه (Flourish” (2011″. إلى أن إحساس الطفل بانتمائه لشيء أكبر منه وأعمق من يومه يقوي صحته النفسية ويحميه من الضياع في مراحل المراهقه والشباب.
ومن هنا فإن المسؤولية اليوم لا تقع على المدرسة وحدها، ولا على المسجد وحده، بل الوالدان هما أول من يملك أن يعيد هذا الإيقاع الإيماني إلى البيت. فحين تقول لابنك صباح اليوم: “نحن في ذي القعدة، وهو شهر عظمه الله”، فأنت لا تلقي معلومة، بل تزرع بذرة هوية.
وحين تعلّق في بيتك تقويماً هجرياً مرئياً، وتضع على الأشهر الحرم علامة مميزة، فأنت تعيد بناء ما هدمه الغياب والإهمال.
وحين تجلس مع أسرتك في هذا الشهر وتتعاهدون على الكف عن كلمة قاسية أو سلوك مؤذٍ، مستحضرين قول الله تعالى” فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ ” فأنت تترجم الإيمان إلى سلوك يوميٍ معاش.
قال ابن القيم رحمه الله:” القلب إذا نشأ على تعظيم أوامر الله وتعظيم حرمته، انعكس ذلك على سلوكه في كل وقت وحال”. والتربية الإيمانية لا تحتاج دائما إلى دروس مطولة، أحيانا تكفي كلمة واحدة في الوقت المناسب، تلقى في قلب طفل متفتح، فتورق و ثمر وتبقى، وربما يحملها ذلك الطفل يوماً ما ليقولها بدوره لابنائه.
اللهم اجعلنا ممن يعظّمون شعائرك، ويورّثون أبناءهم تعظيمها، واجعل بيوتنا روضةً للإيمان والقيم. آمين.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇