العرب في بريطانيا | صعود اليمين المتطرف في أوروبا.. ألمانيا وفرنسا ...

أوروبا في عين العاصفة

أوروبا في عين العاصفة

أوروبا في عين العاصفة

جلال الورغي سبتمبر 24, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

تواجه ألمانيا وفرنسا، وهما ركيزتا الاتحاد الأوروبي ورافعتاه السياسيتان، حالة متزايدة من الهشاشة السياسية. ويعاني المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تراجعًا كبيرًا في شعبيتهما، يلقي بظلاله على استقرار الحكم في البلدين، في وقت تواجه فيه القارة تحديات معقدة قد تكون من أخطر ما شهدته منذ الحرب العالمية الثانية.

وزاد المشهد تعقيدًا الصعود المتزامن لليمين المتطرف في البلدين؛ إذ تتقدم مارين لوبان استطلاعات الرأي المتعلقة بالانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة، بينما يحقق حزب البديل من أجل ألمانيا نتائج صادمة وغير مسبوقة في الانتخابات المحلية الألمانية.

هزيمة تاريخية لحزب ميرتس

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس تمسكه بالسلطة، بعد ساعات من تكبد الاتحاد الديمقراطي المسيحي أسوأ هزيمة انتخابية محلية له في ألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وسط تباينات بين أطراف الائتلاف الحاكم بشأن برنامجه الإصلاحي.

ووصف ميرتس هزيمة حزبه في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن، شمال شرقي البلاد، بأنها «كارثة»، بعدما حصل الحزب على 4.9 في المئة من الأصوات، وفشل في تجاوز العتبة الانتخابية البالغة 5 في المئة، ما حرمه دخول البرلمان المحلي للمرة الأولى.

وما عمّق وقع الهزيمة تصدّر حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرف، نتائج الانتخابات في الولاية. وفي برلين، تصدر حزب اليسار النتائج، وحل الاتحاد الديمقراطي المسيحي ثانيًا، فيما حقق حزب البديل أفضل نتيجة له في العاصمة.

وأثار تراجع شعبية ميرتس وحزبه، في مقابل صعود اليمين المتطرف، تساؤلات بشأن مستقبل المستشار الألماني، ليس داخل ألمانيا فحسب، وإنما على الصعيد الأوروبي أيضًا.

صعود اليمين واختبار الاتحاد الأوروبي

يواجه الاتحاد الأوروبي تحديات كبرى، من بينها تباطؤ الاقتصاد، وتصاعد الأخطار التي تهدد الأمن الأوروبي، فضلًا عن اضطراب العلاقة مع الحليف التاريخي، الولايات المتحدة.

وفي هذا السياق، يثير صعود اليمين المتطرف في ألمانيا مخاوف من إرباك الاتحاد الأوروبي وإضعاف تماسكه، ولا سيما أن هذا الصعود يتزامن مع تقدم قوى يمينية متطرفة في دول أوروبية أخرى، وفي مقدمتها فرنسا.

وتبدو مواجهة هذا التيار، الذي يعمل بصورة متزايدة عبر الحدود ويحظى بدعم سياسي وإعلامي من دوائر داخل الإدارة الأميركية، مهمة غير يسيرة. وهي تحتاج إلى مقاربة شاملة على مستوى القارة، تشارك فيها الحكومات والقوى الوسطية، إذا أرادت أوروبا احتواء هذا الخطر المتصاعد.

وتزداد الحاجة إلى هذا التنسيق لأن بعض القوى اليمينية الأوروبية تتبنى فكرة انسحاب بلدانها من الاتحاد، أو تسعى، في الحد الأدنى، إلى إضعاف مؤسساته والتشكيك في جدوى وجوده.

بريطانيا والعودة المحتملة إلى أوروبا

في خضم هذا الامتحان الذي تواجهه ألمانيا وفرنسا، يمثل تجدد النقاش في بريطانيا بشأن العودة إلى الاتحاد الأوروبي فرصة محتملة لتعزيز الاتحاد بدولة ذات وزن دولي، فهي عضو دائم في مجلس الأمن وقوة نووية.

وإذا تحول هذا النقاش إلى مسار سياسي رسمي، فقد تتيح عودة بريطانيا استعادة شيء من ألق الفكرة الأوروبية وحيويتها، ولا سيما في ظل التحولات الدولية العاصفة والمخاطر الأمنية والاستراتيجية المتفاقمة.

وقد يمثل هذا المسار مصلحة أوروبية واضحة، لما يمكن أن يضيفه إلى قدرات الاتحاد السياسية والأمنية والدفاعية، وأن يعزز موقفه في مواجهة القوى المشككة في مؤسساته.

وفي المقابل، قد يتيح توثيق علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي فرصة للندن لإعادة بناء الثقة مع اسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، حيث تحظى فكرة إقامة علاقات أوثق مع أوروبا بدرجات متفاوتة من التأييد. وقد يسهم ذلك في تخفيف بعض التوترات الدستورية التي عمّقها بريكست، مع إدراك أن المواقف السياسية في هذه المناطق ليست متماثلة، وأن لكل منها سياقها الدستوري والسياسي الخاص.

خطر يتجاوز الحدود الوطنية

إن تزامن صعود اليمين المتطرف في ألمانيا وفرنسا مع ضعف القيادتين السياسيتين في البلدين يستدعي دق ناقوس الخطر على المستوى الأوروبي.

فأي سيناريو يصل فيه اليمين المتطرف إلى سدة الحكم في إحدى القوتين الرئيسيتين داخل الاتحاد قد يخلط الأوراق في الفضاء الأوروبي، ويفتح القارة على مستقبل مجهول، ليس وطنيًا وقاريًا فحسب، بل دوليًا أيضًا.

لم تعد المسألة مرتبطة بنتائج انتخابية محلية أو بتراجع شعبية زعيم سياسي؛ بل أصبحت متصلة بمستقبل المشروع الأوروبي نفسه، وقدرته على الصمود أمام التحولات الداخلية والضغوط الخارجية التي تضع أوروبا اليوم في عين العاصفة.

اترك تعليقا

↑