العرب في بريطانيا | لماذا يشتري البريطانيون المستعمل بكثرة؟.. القصة...

لماذا يشتري البريطانيون المستعمل بكثرة؟.. القصة أكبر من مجرد توفير

لماذا يشتري البريطانيون المستعمل بكثرة؟.. القصة أكبر من مجرد توفير
دانية عبد الفتاح أغسطس 28, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

قد يبدو غريبًا للقادمين الجدد إلى بريطانيا أن يجدوا أسواقًا ومنصات كاملة مخصصة للسلع المستعملة، وأن يكون من الطبيعي أن يشتري شخص سيارة أو قطعة أثاث أو جهازًا إلكترونيًا سبق أن استخدمه شخص آخر.

لكن شراء المستعمل في بريطانيا لم يعد مجرد خيار تلجأ إليه الأسر عندما تريد تقليل نفقاتها، بل تحول إلى جزء واضح من سلوك المستهلكين، ولا سيما مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتوسع المنصات الرقمية التي جعلت بيع وشراء الأشياء المستعملة أسهل بكثير.

وتكشف أرقام حديثة حجم هذا التحول؛ فقد قالت دراسة بتكليف من Amazon إن قيمة سوق السلع المستعملة عبر الإنترنت في بريطانيا بلغت نحو 4.3 مليار باوند، وإن المستهلكين البريطانيين وفروا نحو 5.6 مليار باوند خلال 2024 من خلال شراء المنتجات المستعملة. كما أظهرت الدراسة أن نحو ثلثي البريطانيين اشتروا سلعًا مستعملة عبر الإنترنت خلال ذلك العام.

إذن، لماذا أصبح المستعمل خيارًا طبيعيًا لدى شريحة واسعة من البريطانيين؟

السيارة الجديدة تخسر قيمتها قبل أن تستمتع بها

السيارات واحدة من أوضح الأمثلة على فكرة “القيمة مقابل المال”.

فعند شراء سيارة جديدة، يبدأ انخفاض قيمتها بمجرد خروجها من الوكالة، ويكون الاستهلاك من أكبر التكاليف المرتبطة بامتلاك السيارة.

وبحسب بيانات سوق السيارات البريطانية الحديثة، تحتفظ السيارة المتوسطة بنحو 60% من قيمتها الأصلية بعد ثلاث سنوات، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من قيمتها قد اختفى خلال مدة قصيرة نسبيًا.

ولهذا قد يفضل بعض المشترين البحث عن سيارة عمرها سنتان أو ثلاث سنوات، بدلًا من دفع السعر الكامل لسيارة جديدة.

الفكرة هنا ليست أن السيارة القديمة أفضل بالضرورة، وإنما أن المشتري يتجنب دفع جزء من السعر المرتبط بكون السيارة “جديدة”، ويحصل على سيارة لا تزال حديثة نسبيًا.

الأثاث.. سوق كامل داخل البيوت البريطانية

الأثاث مثال آخر على انتشار ثقافة إعادة الاستخدام.

أريكة أو طاولة أو خزانة قد تكون بحالة ممتازة، لكنها تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها بمجرد استخدامها أو بمجرد أن يقرر صاحبها تغيير ديكور منزله.

وهذا ما يجعل مواقع وأسواق بيع الأثاث المستعمل نشطة جدًا، ولا سيما في المدن التي ينتقل فيها الناس باستمرار بين المنازل.

والأرقام تعكس ذلك أيضًا؛ فقد وجدت دراسة لجمعية British Heart Foundation أن الأثاث والأدوات المنزلية كانت من أكثر فئات المنتجات التي يبحث عنها المشترون في سوق المستعمل، وأن 47% من المتسوقين في سوق المستعمل وضعوا الأثاث والأدوات المنزلية ضمن أهم مشترياتهم. كما قال 45% من المشاركين إنهم اضطروا إلى تأجيل شراء أثاث يحتاجونه بسبب عدم قدرتهم على تحمّل تكلفته.

وهنا يصبح المستعمل حلًا عمليًا، وليس مجرد بديل أرخص.

من الهاتف إلى ألعاب الأطفال

ثقافة إعادة البيع لا تتوقف عند السيارات والأثاث.

الهواتف وأجهزة الحاسوب المحمولة والألعاب والملابس والكتب والأجهزة المنزلية أصبحت جميعها جزءًا من سوق المستعمل.

ووفق بيانات British Retail Consortium، ارتفعت نسبة الأشخاص الذين يشترون أو يبيعون منتجات مستعملة في عدد من الفئات، وكانت فئة الأثاث من أكثر الفئات نموًا، في حين وصلت نسبة من اشتروا أو باعوا ملابس للبالغين مستعملة إلى 43% في المسح المشار إليه.

وهذا يوضح أن المستعمل لم يعد مرتبطًا بمنتجات معينة، بل أصبح نموذجًا استهلاكيًا متكاملًا.

الموضوع ليس الفقر.. بل تغير مفهوم القيمة

قد يكون ارتفاع تكاليف المعيشة أحد أسباب انتشار شراء المستعمل، لكنه ليس السبب الوحيد.

هناك تغير ثقافي واضح في الطريقة التي ينظر بها المستهلك إلى الأشياء.

في الماضي، كان شراء منتج جديد يحمل قيمة اجتماعية أكبر لدى كثير من الناس. أما اليوم، فأصبح السؤال أكثر عملية: لماذا أدفع 1,000 باوند مقابل منتج جديد إذا كان بإمكاني الحصول على منتج مستعمل بحالة ممتازة مقابل 400 أو 500 باوند؟

وهنا يتحول مفهوم “التوفير” من محاولة لتقليل المصاريف إلى محاولة للحصول على أفضل قيمة مقابل المال.

وهذا يفسر أيضًا لماذا يمكن أن تجد شخصًا ذا دخل جيد يبحث عن سيارة مستعملة أو يشتري أثاثًا مستعملًا، من دون أن يرى في ذلك أي انتقاص من مستواه المعيشي.

المنصات الرقمية غيّرت قواعد اللعبة

لو كان شراء المستعمل يتطلب زيارة عشرات المحلات والبحث لساعات، ربما لم يكن لينتشر بهذه الطريقة.

لكن التكنولوجيا غيرت المعادلة.

أصبح بإمكان شخص يريد بيع أريكة أو هاتف أو قطعة أثاث أن يعرضها أمام عدد كبير من المشترين، أما المشتري فيستطيع مقارنة عشرات الخيارات والأسعار خلال دقائق.

والحكومة البريطانية نفسها أشارت في إرشاداتها الحديثة إلى أن نمو المنصات الإلكترونية جعل البحث عن المنتجات المستعملة وشراءها أسهل من أي وقت مضى.

وهذا أوجد اقتصادًا دائريًا: ما يعتبره شخص آخر “شيئًا لم يعد يحتاج إليه”، قد يكون بالنسبة إلى شخص آخر صفقة ممتازة.

لكن المستعمل لا يعني دائمًا صفقة جيدة

هنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة.

ليس كل شيء مستعمل يستحق الشراء، والسعر المنخفض لا يعني بالضرورة أنك حصلت على صفقة جيدة.

فالمنتجات الإلكترونية قد تكون قديمة أو تحتوي على أعطال، والأثاث قد يحتاج إلى إصلاح، وبعض المنتجات قد تكون لها مخاطر تتعلق بالسلامة.

وتحذر الحكومة البريطانية تحديدًا من شراء بعض المنتجات المستعملة التي قد تتأثر سلامتها بالاستخدام السابق، وتنصح بفحص المنتج والتأكد من عدم وجود استدعاء للمنتج بسبب عيوب أو مخاطر. كما توصي بالحذر الشديد عند شراء بعض منتجات الأطفال المستعملة.

ولهذا فإن الذكاء المالي لا يعني أن تشتري “الأرخص”، وإنما أن تعرف ما الذي يستحق أن تدفع عليه، وما الذي لا يستحق.

ثقافة المستعمل أصبحت جزءًا من الاقتصاد البريطاني

المثير في التجربة البريطانية أن شراء المستعمل لم يعد مجرد سلوك فردي، بل أصبح سوقًا اقتصاديًا له حجم واضح.

ففي عام 2025، ارتفعت مبيعات متاجر السلع المستعملة في بريطانيا بنحو 7.2% وفق مؤشر مبيعات التجزئة الخاص بمكتب الإحصاءات الوطنية، بعد زيادة بلغت 4.5% في 2024.

وهذا يعني أن السوق لا يتحرك فقط بسبب الأسر التي تريد خفض نفقاتها، وإنما هناك طلب تجاري متزايد على إعادة بيع المنتجات وإعادة استخدامها.

كما أن العامل البيئي له دور أيضًا؛ فشراء منتج مستعمل يعني في كثير من الحالات إطالة عمره وتقليل الحاجة إلى إنتاج منتج جديد، وهو ما ينسجم مع الاهتمام المتزايد بالاستدامة وتقليل النفايات.

المستعمل ليس عيبًا.. لكن يحتاج إلى حساب

ربما يكون أهم درس اقتصادي من هذه الظاهرة أن السعر وحده لا يجب أن يكون معيار الشراء.

إذا كنت ستدفع 500 باوند في منتج مستعمل، لكنه سيحتاج إلى 300 باوند إضافية للإصلاح خلال أشهر، فقد لا تكون وفّرت شيئًا فعليًا.

أما إذا وجدت منتجًا بحالة جيدة، وعرفت تاريخه، وفحصته جيدًا، وكان سعره أقل بكثير من الجديد، فقد تكون أمام قرار مالي ذكي.

في النهاية، ثقافة شراء المستعمل في بريطانيا تعكس تحولًا أكبر في سلوك المستهلك: لم يعد الهدف امتلاك الشيء الجديد دائمًا، بل الحصول على أكبر قيمة ممكنة مقابل المال.

ولهذا، قد يكون السؤال الأهم قبل أي عملية شراء ليس: “هل أقدر أن أشتري الجديد؟”، بل: “هل دفع سعر الجديد يستحق فعلًا الفرق الذي سأحصل عليه؟”

وهذه ربما تكون النصيحة العملية الأهم: قبل شراء أي منتج غالٍ، قارن بين سعره الجديد وسعره المستعمل، واحسب تكلفة استخدامه لعدة سنوات، ولا تنسَ فحص حالته وتاريخه قبل الدفع. أحيانًا، أفضل قرار مالي ليس أن تشتري الأرخص، بل أن تشتري الشيء الذي يعطيك أكبر قيمة مقابل كل باوند تدفعه.

 


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا