العرب في بريطانيا | سمفونية الأنغام والالتزام: صدى فلسطين في ضمير ا...

سمفونية الأنغام والالتزام: صدى فلسطين في ضمير الموسيقى البريطانية

بين صدق التضامن وتسليع المآسي

سمفونية الأنغام والالتزام: صدى فلسطين في ضمير الموسيقى البريطانية
محمد لعتابي أكتوبر 6, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لا تقتصر الموسيقى على كونها مجرد ذبذبات صوتية تلامس الآذان، بل تتحول في لحظات مفصلية إلى مشرط يشق ضمير المجتمع ويسائل صمته، فبين الأنغام والالزام في أروقة المسارح البريطانية، حيث تتداخل أضواء الشهرة مع هتافات الجماهير، تجلى هذا الصراع “الأخلاقي” بوضوح في الموقف الأخير للمغنية البريطانية “بالوما فيث” (Paloma Faith)، حين وجهت سهام نقدها اللاذع لزميلها “إد شيران” (Ed Sheeran) لامتناعه عن إدانة الحرب على غزة تحت ذريعة “إبعاد السياسة عن الفن لحماية الأطفال”. فيث، التي تهمس لأطفالها كل ليلة بعبارة “فلسطين حرة”، لم تكتفِ بالغناء، بل حولت أمومتها وفنها إلى موقف، خاصة بعد انسحاب فنانين من جولة شيران تضامنًا مع مغني الراب “ماكلمور” (Macklemore) المستبعد لدعمه فلسطين.

انتبهت لهذه الحادثة التي نشرتها منصة العرب في بريطانيا AUK، وفتحت في وجداني بابًا واسعًا لتشريح مشهد فني بريطاني تتنازعه قوى الالتزام الإنساني العميق من جهة، ومزالق الاستغلال التجاري للقضايا الكبرى من جهة أخرى.

سنستدعي نماذج لفنانين وفرق فنية مشهورة لنحاول تقريب إشكالية الأنغام الموسيقية وعلاقتها بالالتزام الجذري بقضايا الانسان العادلة، ومن أبرزها القضية الفلسطينية.

حناجر لا تساوم: فلسطين في صلب المشهد البريطاني

لم تكن الموسيقى البريطانية يومًا منفصلة عن جراح العالم. منذ عقود، فقد رسخ فنانون بريطانيون أسماءهم كحراس للضمير الإنساني. من بينهم يقف الأيقونة “روجر ووترز” (Roger Waters)، العضو المؤسس لفرقة “بينك فلويد” (Pink Floyd)، كأحد أشرس المدافعين عن الحقوق الفلسطينية، موظفاً جولاته العالمية وموسيقاه لكسر جدار الصمت، لدرجة أن مواقفه كلفته الكثير من الهجوم في الإعلام الغربي.

إلى جانبه، تبرز فرقة “ماسيف أتاك” (Massive Attack) التي طالما حولت شاشات حفلاتها إلى لافتات تندد بالاحتلال وتدعم غزة. وفي ساحة “الهيب هوب” والـ “أندرغراوند”، صدح المغني البريطاني-العراقي “لوكي” (Lowkey) بأغنيته الشهيرة “عاشت فلسطين” (Long Live Palestine)، والتي تحولت إلى أيقونة موسيقية تردد في التظاهرات وتوثق التزامًا لا يلين بالحق الإنساني، بعيدًا عن حسابات شركات الإنتاج الكبرى.

من التمرد الكوني إلى اليقين الروحي: حدود الالتزام بين البيتلز ويوسف إسلام

عند تقليب صفحات التاريخ المعاصر للموسيقى البريطانية، تبرز فرقة “البيتلز” (The Beatles) كظاهرة فنية متمردة أعادت تشكيل الذائقة العالمية، وكسرت القوالب الموسيقية الكلاسيكية لتؤسس لثقافة شبابية ترفض الحروب وتنشد السلام العالمي.

ورغم أن الذاكرة الجماهيرية قد تخلط أحيانًا بين الأثر الإنساني الشامل للفرقة وبين تبنيها لقضايا محددة؛ فمن المهم التوضيح، ومن باب الأمانة التاريخية، أن المظلة الفنية للبيتلز كفرقة (والتي تفككت عام 1970) ركزت بشكل أساسي على المفاهيم الكونية للحب والسلام والإخاء الإنساني (كما تجلى لاحقًا في أيقونة جون لينون “Imagine”)، ولم يسجل تاريخها الفني المشترك تبنيًا صريحًا أو تغنيًا مباشرًا بالقضية الفلسطينية في أعمالها. غير أن هذا التمرد الكوني الذي أسسته الفرقة هو ما عبّد الطريق للأجيال اللاحقة من الفنانين البريطانيين لتحويل حناجرهم إلى أسلحة سياسية. تجربة البيتلز تظل بعيدة كل البعد عن “تسليع القضايا”؛ لأنها انطلقت من فلسفة إنسانية حالمة ومجردة، لم تسعَ لركوب موجة سياسية، بل حاولت الارتقاء بالفن ليكون لغة عالمية عابرة للحدود.

في المقابل، يقف الفنان البريطاني “كات ستيفنز” (Cat Stevens) كنموذج حي للصدق الفني الذي يرفض المساومة أو الانتهازية. ففي ذروة مجده العالمي، لم يكتفِ ستيفنز بالتغني السطحي بالسلام، بل خاض رحلة بحث روحي عميقة قادته إلى اعتناق الإسلام أواخر السبعينيات، وتغيير اسمه إلى “يوسف إسلام”، متخليًا عن بريق النجومية لسنوات طويلة تفرغ فيها للعمل الخيري والتعليمي.

وعندما عاد يوسف إسلام إلى الموسيقى لاحقًا، حاملًا معه تجارب إنسانية من مناطق النزاع واللجوء وتضامنه المستمر مع أطفال فلسطين والمستضعفين في الأرض، لم تكن عودته محاولة بائسة لترويج ألبوماته عبر استغلال مآسي الآخرين، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لإيمان راسخ دفع ثمنه من مسيرته التجارية.

إن مسار يوسف إسلام يثبت بشكل قاطع أن الالتزام الحقيقي لا يقاس بحجم الهتاف على المسرح، بل بمدى تطابق حياة الفنان مع مبادئه؛ فغناؤه للقضايا العادلة هو ترجمة لعقيدة حية، وليس مجرد استراتيجية تسويقية في سوق الأزمات.

بريق الزيف: بين الإيمان العميق وتسويق الأزمات

ومع تصدر القضية الفلسطينية للمشهد العالمي، برزت إشكالية شائكة تتمثل في ظاهرة “التضامن الاستعراضي” (Performative Activism). ففي حين يدفع فنانون مثل “بالوما فيث” و”روجر ووترز” أثمانًا باهظة لمواقفهم، يمتطي آخرون موجة التعاطف العالمي لتحقيق مكاسب ترويجية. يصبح الكوفية الفلسطينية في بعض الأحيان مجرد “إكسسوار” عابر في مقطع فيديو كليب، أو تغريدة محسوبة ومبهمة تُنشر في أوقات الذروة لزيادة التفاعل دون اتخاذ موقف حقيقي يدين الجاني أو يدعم الضحية بوضوح.

هذا التوظيف الانتهازي للقضية يحول المأساة إلى سلعة في سوق الفن، حيث يُستغل الدم الفلسطيني لتلميع صورة الفنان كشخص “مكترث”، في غياب تام للإيمان العميق بتفاصيل القضية أو الاستعداد لتحمل تبعات دعمها أمام اللوبيات الضاغطة أو الرعاة الرسميين.

شعرة معاوية: بوصلة الفنان بين الإنسانية والأجندة السياسية

كيف ينجو الفنان البريطاني الملتزم من فخ تحويل فنه إلى مجرد منشور سياسي يفقد بريقه الإبداعي؟ تكمن الإجابة في القدرة على تغليب “الإنساني” على “الأيديولوجي”.

الفن العظيم هو الذي ينطلق من وجع الإنسان المحاصر في غزة، وصوت الأم الثكلى، وحقوق الطفل المهدورة، متجاوزًا لغة البيانات السياسية الجافة والمصطلحات الحزبية.

الفنان الحقيقي، كأولئك المنسحبين دعمًا لـ “ماكلمور”، يدرك أن فنه ليس أداة لتسويق أجندة، بل هو مرآة تعكس الحقيقة.

التحدي يكمن في إبقاء القضية الفلسطينية في جوهرها كقضية تحرر وطني وعدالة إنسانية، دون الانزلاق إلى مستنقع الاستقطاب السياسي الذي قد يطغى على القيمة الفنية للعمل ويحوله إلى مجرد أداة دعائية مؤقتة.

الموسيقى، في أصدق تجلياتها، هي لغة المقهورين حين تخرس السياسة. وما دام هناك فنانون يهمسون في آذان أطفالهم بحرية الشعوب، ويقاطعون المسارح التي تفرض عليهم الصمت المذل، فإن المشهد الفني سيبقى حصنًا أخيرًا للضمير، حيث لا تُباع المواقف في شباك التذاكر، وحيث تبقى أغاني الحرية تعزف إيقاعها حتى وإن انكسرت بعض الأوتار.


 

اترك تعليقا

↑