العرب في بريطانيا | قطار لندن ودرس الإنسانية: حين تتفوق الفطرة على ...

قطار لندن ودرس الإنسانية: حين تتفوق الفطرة على استقطاب الساسة

قطار لندن ودرس الإنسانية: حين تتفوق الفطرة على استقطاب الساسة
محمد لعتابي سبتمبر 29, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في جوف العاصمة البريطانية، حيث تتقاطع خطوط “مترو أنفاق لندن” وتتداخل معها هويات العالم وأعراقه، وثّقت عدسات الهواتف المحمولة مشهداً درامياً تجاوز صداه جدران العربات المكتظة، ليصل إلى منصات التواصل الاجتماعي، وسلطت عليه الضوء صفحة “العرب في بريطانيا” (AUK).

لم يكن المشهد لخطاب سياسي منمق، بل لواقعة تنمر فجة؛ رجل يوجه سهام كراهيته نحو أب تشير ملامحه وقبعة رأسه إلى انتمائه للديانة اليهودية، وهو يجلس آمناً بصحبة أطفاله الصغار.

وفي لحظة تسمّر فيها الركاب، وبرزت فيها أنياب التعصب، وانشقت الصفوف عن سيدة مسلمة كسرت بصوتها وهدوئها ذلك الجليد الموحش. لم تقف السيدة موقف المتفرج، بل تدخلت ببعد إنساني راقٍ متجاوزة كل الحواجز الدينية والصراعات الأيديولوجية، لتنبه المعتدي إلى براءة هؤلاء الأطفال الذين لا يفهمون لغة الإدانة ولا يستوعبون قسوة هذه المفردات.

مرافعة إنسانية ضد التنميط

لقد جسدت هذه السيدة بوقفتها تساؤلات جوهرية تضرب في صميم الوعي الإنساني: هل مجرد الانتماء لدين معين، كأن تكون يهودياً، يجعلك بالضرورة مجرماً في حق الآخرين؟ وهل يتحمل هؤلاء الأطفال الصغار المسؤولية المعنوية والنفسية لجرائم سياسية أو عسكرية يرتكبها آخرون يشاركونهم الهوية في بقع أخرى من العالم؟

كان تدخلها صرخة عملية ضد الاستدعاء العشوائي للسياسة في مساحات الحياة اليومية المشتركة. لقد رأت في الرجل أباً، وفي الصغار أطفالاً يحتاجون إلى الحماية، متجردة من أي أحكام مسبقة قد تفرضها الانتماءات، لتقدم درساً بليغاً مفاده أن الإنسانية تسبق الهوية، وأن النبل لا دين له.

من عربة المترو إلى قاعات السياسة: صناعة الكراهية

انتهت الواقعة ميدانياً بإلقاء القبض على المعتدي في مدينة برمنغهام، ووُجهت له تهمة الإخلال بالنظام العام وانتهاك الآداب داخل القطار بدوافع عنصرية. تطبيق القانون هنا كان حاسماً، لكن هذا المشهد يفتح الباب على مصراعيه أمام تشريح أعمق لمفهوم العنصرية في المجتمعات الغربية عموماً، وفي بريطانيا على وجه الخصوص.

هنا يبرز التساؤل الملح: ألا يُعد الشارع في كثير من الأحيان مرآة عاكسة لخطاب النخب؟ وهل يمكن للعنصرية أن تتنكر في ثوب “خطاب سياسي” لإدانة التمثيليات الدينية؟

إذا أمعنا النظر في الخطاب السياسي العام لبعض الفاعلين في بريطانيا، سنجد أن هناك من يتجاوز الحدود بوضوح. إن التصريحات الشعبوية النارية، واللعب على أوتار الهوية، واستغلال الأحداث الجيوسياسية لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة، هي بمثابة الوقود الذي يغذي احتقان الشوارع. عندما يعتاد السياسي شيطنة “الآخر” أو التعميم المطلق في خطاباته، فإنه يمنح، بوعي أو بدونه، ضوءاً أخضر وشرعية زائفة للمتطرفين لممارسة تنمرهم في الأماكن العامة، معتقدين أنهم ينفذون إرادة وطنية أو ينتصرون لقضية.

مسؤولية الكلمة قبل سلطة القانون

إن ما حدث في قطار لندن ليس مجرد حادثة فردية معزولة، بل هو جرس إنذار يشير إلى خطورة تسليط الخلافات السياسية على رقاب المواطنين العاديين. العنصرية لا تولد في فراغ، بل تُزرع في الخطابات، وتُروى بالتصريحات المنفلتة، لتُحصد في النهاية كراهيةً في عربات المترو والساحات العامة.

وفي الختام، إن السيدة المسلمة التي دافعت عن الأسرة اليهودية لم تنقذهم من مضايقات لفظية فحسب، بل أنقذت ما تبقى من مساحة للتعايش المشترك. وهي رسالة يجب أن تلتقطها الرادارات السياسية في أروقة “وستمنستر”؛ فالكلمات التي تُطلق بخفة في قبة البرلمان أو على منصات الإعلام قد تتحول إلى سياط تلهب ظهور الأبرياء في الشوارع. فالمسؤولية السياسية الحقيقية لا تكمن في ركوب موجات الغضب الجماهيري، بل في ترويضها وصناعة بيئة تتسع للجميع، تحميها صرامة القانون، وتظلها قيم الإنسانية التي لا تساوم.


 

اترك تعليقا

↑