خذلان بريطاني لأهل غزة: مسار آمن للاجئين لا يصل إلى المحاصرين في القطاع
بينما تتحدث الحكومة البريطانية عن حماية الفئات الأكثر ضعفًا، يبقى الفلسطينيون الذين يواجهون القصف والحصار داخل غزة خارج المسار الآمن الذي يُفترض أن يمنحهم فرصة للنجاة. فأي معنى للحماية إذا كانت مشروطة بالقدرة على الفرار أولًا؟
ليست المأساة في غزة مقتصرة على القصف والدمار، ولا على آلاف العائلات التي فقدت منازلها وأحبتها، ولا على الأطفال الذين انتُزعت منهم أبسط مقومات الحياة، بل تمتد أيضًا إلى الأبواب التي تُغلق في وجه من يبحثون عن ملاذ آمن، وإلى الوعود الإنسانية التي تبدو واسعة في تصريحات السياسيين، لكنها تضيق حين تصل إلى أولئك الذين يحتاجون إليها فعلًا. وفي مقدمة هذه المفارقات يبرز موقف الحكومة البريطانية من الفلسطينيين في غزة، وما يثيره مسار اللجوء الآمن الذي أُعلن عنه من تساؤلات بشأن نطاقه الفعلي، والفئات التي يستطيع الوصول إليها، وتلك التي تُترك لمواجهة مصيرها داخل القطاع المحاصر.
لقد أثارت التصريحات المتعلقة بإتاحة مسار آمن لبعض الفلسطينيين من غزة إلى بريطانيا آمالًا لدى عائلات فلسطينية، وأفراد يقيمون في بريطانيا ولديهم أقارب يواجهون ظروفًا إنسانية بالغة القسوة. وكان من الطبيعي أن يفهم كثيرون من هذه التصريحات أن الحكومة البريطانية تسعى إلى فتح نافذة للنجاة أمام من تهدد حياتهم الحرب، وأن هذه النافذة ستكون متاحة، وفق ضوابط واضحة، لمن هم في أمسّ الحاجة إليها.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا تعني إتاحة مسار آمن إذا كان الوصول إليه يتطلب من الفلسطيني أن يكون قد خرج من غزة أصلًا؟ وكيف يمكن مطالبة إنسان محاصر، لا يملك حرية الحركة ولا يستطيع ضمان سلامته أثناء التنقل، بأن يعبر أولًا إلى خارج منطقة الخطر حتى يصبح مؤهلًا للاستفادة من طريق النجاة؟
هنا تحديدًا تتجلى المفارقة المؤلمة؛ فبدلًا من أن يصل المسار الإنساني إلى الأشخاص الأكثر تعرضًا للخطر، يجد بعض هؤلاء أنفسهم أمام شرط عملي يسبق الاستفادة منه، وهو الخروج من القطاع، وهي الخطوة التي قد تكون بالنسبة إلى كثيرين أشد صعوبة من أي إجراء آخر يتعلق بطلب اللجوء نفسه.
حين يصبح الخروج من غزة شرطًا للحصول على فرصة النجاة
كشفت التوضيحات التي أعقبت الإعلان عن المسار الجديد، وفقًا لما أوردته صحيفة «الغارديان» البريطانية في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أن المسار لا يتيح ببساطة لسكان غزة الموجودين داخل القطاع التقدم من هناك للحصول على الحماية في بريطانيا، بل يقتصر على عدد محدود من الحالات الإنسانية العاجلة التي تُعالج عبر الأردن ولبنان، مع استبعاد الموجودين داخل غزة. وقد أثار هذا التقييد انتقادات بشأن الآمال التي أثارها الإعلان الأولي، ومدى وضوح الشروط التي تحكم الاستفادة منه.
وهنا لا بد من التوقف أمام حقيقة جوهرية: إن أكثر الأشخاص احتياجًا إلى الحماية قد يكونون هم الأقل قدرة على الوصول إليها.
فالفلسطيني الذي تمكن من مغادرة غزة والوصول إلى دولة أخرى، رغم ما قد يواجهه من مخاطر وعقبات، أصبح على الأقل خارج حدود الكارثة المباشرة، وإن لم تنتهِ معاناته. أما من لا يزال داخل القطاع، فقد يكون محاصرًا بين القصف وانعدام الأمن وشح الغذاء والدواء، ولا يملك وسيلة مضمونة للوصول إلى معبر حدودي، فضلًا عن استكمال إجراءات السفر والتأشيرات.
كيف يمكن إذن أن نتحدث عن مسار إنساني لا يستطيع الوصول إليه من هم في قلب المأساة؟
إن المسألة ليست مجرد خلاف على إجراءات إدارية، ولا اعتراضًا على حق الحكومة البريطانية في تنظيم نظام الهجرة واللجوء، بل تتعلق بمدى قدرة السياسة الإنسانية على الاستجابة للواقع الذي يفترض أنها وُجدت من أجله. فالإجراءات التي تبدو منطقية على الورق قد تتحول، عندما تُطبق دون مراعاة استثنائية للظروف، إلى حواجز إضافية أمام أشخاص لا يملكون أصلًا حرية الحركة أو القدرة على حماية أنفسهم.
وإذا كانت الحكومة البريطانية ترى أن إخراج الأشخاص من غزة وإيصالهم إلى نقطة يمكن فيها معالجة طلباتهم أمر معقد، فإن هذا التعقيد ينبغي أن يكون دافعًا إلى البحث عن حلول عملية، لا مبررًا لاستبعادهم من المسار منذ البداية.
لا ندعو إلى تهجير الفلسطينيين.. بل إلى منحهم حق الاختيار
من الضروري هنا التأكيد على موقف لا ينبغي أن يختلط فيه الإنساني بالسياسي: نحن لا ندعم تهجير أهل غزة، ولا نؤيد أي مخطط يرمي إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم أو تحويل نزوحهم القسري إلى واقع دائم.
إن حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم، والعيش بحرية وكرامة وأمان، حق أصيل لا يجوز الانتقاص منه. كما أن أي سياسة تؤدي إلى تفريغ غزة من سكانها، أو تجعل مغادرتها حلًا مفروضًا على أهلها بدلًا من وقف الحرب وإعادة الحياة إلى القطاع، تستحق الرفض والمواجهة.
لكن رفض التهجير لا يعني حرمان الفلسطيني الذي يريد المغادرة مؤقتًا أو الانتقال إلى مكان آمن من هذه الإمكانية. فهناك فرق أخلاقي وقانوني واضح بين إجبار الناس على الرحيل، وبين منحهم حرية الاختيار عندما يصبح بقاؤهم محفوفًا بالمخاطر التي تهدد حياتهم وحياة أطفالهم.
لا يجوز أن يتحول الدفاع عن حق الفلسطينيين في البقاء في وطنهم إلى ذريعة لإغلاق أبواب النجاة أمام من لم يعد قادرًا على الاحتمال، أو أمام أسرة فقدت منزلها وأفرادًا من عائلتها، أو طفل يحتاج إلى علاج لا يستطيع الحصول عليه داخل القطاع.
فمن حق الفلسطيني أن يبقى في غزة، ومن حقه أيضًا أن يطلب الحماية خارجها عندما تتعرض حياته للخطر، على أن يكون قراره حرًا، بعيدًا عن الإكراه والضغوط التي قد تدفعه إلى مغادرة وطنه دون رغبة منه.
والأهم أن توفير مسار آمن إلى بريطانيا لا ينبغي أن يعني التخلي عن المسؤولية الدولية تجاه بقاء الفلسطينيين في أرضهم. بل يمكن أن يكون جزءًا من استجابة إنسانية متكاملة، تشمل العمل على وقف الحرب، وحماية المدنيين، وضمان دخول المساعدات، وإعادة بناء ما دمرته الحرب، مع إتاحة الحماية المؤقتة أو إعادة التوطين لمن يحتاجون إليها وتتوفر لديهم أسبابها.
إننا لا نطالب بريطانيا بأن تشجع الفلسطينيين على الرحيل، بل نطالبها بألا تجعل الحدود والإجراءات عائقًا إضافيًا أمام من يريدون النجاة من الخطر.
بريطانيا تعرف معنى المسارات الإنسانية.. فلماذا يُستثنى أهل غزة؟
ليس من الدقة القول إن بريطانيا تفتقر إلى القدرة على تصميم مسارات إنسانية استثنائية. فقد أظهرت تجاربها السابقة، بما فيها برامج الحماية وإعادة التوطين المرتبطة بأزمات دولية مختلفة، أن الحكومة تستطيع وضع ترتيبات خاصة عندما تتوافر الإرادة السياسية والآليات اللازمة.
وقد أكدت الحكومة البريطانية، في بيان لوزارة الداخلية صدر في 30 يونيو/حزيران 2026، أنها تعتزم تطوير مسارات قانونية وآمنة جديدة للاجئين، من بينها برنامج للكفالة المجتمعية ومسار يتيح للجامعات المعتمدة رعاية لاجئين للدراسة، إلى جانب مسار للعمل.
وهذه المبادرات، على أهميتها، تثير سؤالًا مشروعًا: لماذا لا تُترجم المبادئ نفسها إلى استجابة تتناسب مع خصوصية الوضع الإنساني في غزة؟
نحن ندرك أن لكل برنامج شروطه، وأن إجلاء أشخاص من منطقة حرب يحتاج إلى ترتيبات أمنية ولوجستية وتنسيق مع الأطراف المعنية. كما أن مسألة الدخول إلى بريطانيا تخضع لقوانين وإجراءات لا يمكن تجاهلها. لكن الاعتراف بهذه الصعوبات لا يعني التسليم باستحالة تجاوزها، ولا يعفي الحكومة من واجب دراسة البدائل الممكنة.
كان بإمكان الحكومة، على سبيل المثال، بحث آلية استثنائية محدودة وواضحة المعايير، تسمح بإحالة الحالات الأكثر إلحاحًا، كالأطفال الذين يحتاجون إلى علاج متخصص، والأشخاص الذين يواجهون تهديدات مباشرة، والعائلات التي تتوافر لديها أسباب إنسانية استثنائية تستوجب النظر في نقلها إلى مكان آمن.
وكان بإمكانها كذلك العمل مع دول الجوار والمنظمات الإنسانية والجهات الدولية المعنية لتحديد آلية للتحقق من الهوية، وتقييم الاحتياجات، وتأمين الانتقال متى أمكن ذلك، بدلًا من أن تظل إمكانية الاستفادة من المسار مرتبطة بقدرة الشخص على الخروج من غزة بصورة مستقلة.
ولا يعني ذلك أن كل طلب يجب أن يُقبل تلقائيًا، أو أن بريطانيا ملزمة بمنح اللجوء لكل شخص يتقدم بطلب. المطلوب هو أن تكون هناك إمكانية حقيقية للتقدم بطلب الحماية، وأن تُدرس الحالات وفق معايير عادلة وشفافة، مع إعطاء الأولوية لمن يواجهون أخطارًا أشد ولا يملكون بدائل آمنة.
فالفارق كبير بين أن تضع الدولة شروطًا موضوعية لتقييم طلبات الحماية، وبين أن تجعل الوصول إلى نقطة تقديم الطلب عقبة يستحيل على بعض الفئات تجاوزها.
هل تتحول القيود الإدارية إلى تخلي عن المسؤولية الإنسانية؟
إن الموقف البريطاني يكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي تستطيع بريطانيا القيام به سياسيًا ودبلوماسيًا وإنسانيًا. فبريطانيا ليست مجرد دولة بعيدة عن النزاع تستقبل طلبات الهجرة، بل دولة لها تأثير دولي، وقد أعلنت مرارًا التزامها بحماية المدنيين ودعم القانون الدولي والاستجابة للأزمات الإنسانية.
ومن هذا المنطلق، فإن مسؤوليتها لا ينبغي أن تُختزل في تقديم المساعدات الإنسانية أو إصدار التصريحات الداعية إلى حماية المدنيين، بل يجب أن تمتد إلى مراجعة سياساتها حين يتضح أن بعض ترتيباتها لا تصل إلى الأشخاص الأكثر حاجة.
وقد سبق للحكومة البريطانية أن أوضحت، في رد برلماني صدر في أبريل/نيسان 2025 بشأن إنشاء مسار لإعادة توطين الفلسطينيين المغادرين غزة، أن الفلسطينيين الراغبين في الاستقرار في بريطانيا يمكنهم الاستفادة من مسارات الهجرة القائمة، وأن أي برنامج خاص يتطلب النظر في اعتبارات متعددة. كما أشارت إلى العمل مع السلطات الإسرائيلية والأردنية والمصرية لتحديد طرق آمنة لخروج البريطانيين وغيرهم من الأشخاص المؤهلين من غزة.
لكن ما يثير القلق هو أن استمرار الاعتماد على المسارات القائمة، أو اشتراط وجود الشخص خارج القطاع، قد يترك فئات من المدنيين دون فرصة عملية للوصول إلى الحماية البريطانية، مهما كانت حاجتهم إليها.
وهنا يجب أن نكون واضحين في التعبير عن الموقف: إن استبعاد سكان غزة الموجودين داخل القطاع من مسار إنساني معلن لا يعني بالضرورة أن بريطانيا تخلت قانونيًا عن كل التزاماتها تجاه الفلسطينيين، لكنه يمثل إخفاقًا إنسانيًا وسياسيًا يستحق المساءلة، إذا كانت النتيجة الفعلية هي ترك الأكثر تعرضًا للخطر دون سبيل واقعي للاستفادة من الحماية التي يُعلن عنها.
فالسياسة الإنسانية لا تُقاس بعدد المسارات التي تُعلن عنها الحكومات، ولا بجمال العبارات المستخدمة في وصفها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى من يحتاجون إليها.
وإذا كان الشخص الأكثر أمانًا نسبيًا يستطيع الوصول إلى آلية الحماية، بينما يبقى الشخص الذي يتعرض للخطر المباشر عاجزًا عن ذلك، فإن على الحكومة أن تسأل نفسها ما إذا كانت آلياتها تحقق الغرض الإنساني المعلن منها.
إن المسؤولية الأخلاقية لا تعني أن بريطانيا قادرة على إنقاذ كل شخص، لكنها تعني ألا تتعامل مع العوائق التي تمنع إنقاذ بعض الأشخاص باعتبارها أمرًا لا يمكن تغييره.
العائلة الفلسطينية في بريطانيا أمام مأساة مضاعفة
لا تتوقف آثار هذا المسار عند سكان غزة وحدهم، بل تمتد إلى الفلسطينيين المقيمين في بريطانيا، الذين يعيش بعضهم قلقًا يوميًا على آبائهم وأمهاتهم وأبنائهم وإخوتهم وأقاربهم داخل القطاع.
تخيل أن يعيش شخص في لندن، قادرًا على الوصول إلى الخدمات الأساسية وممارسة حياته اليومية، بينما يتلقى أخبارًا متقطعة عن عائلته المحاصرة، ولا يعرف إن كان أقاربه سيجدون الطعام أو الدواء، أو إن كان منزلهم سيبقى قائمًا حتى اليوم التالي.
ثم يسمع إعلانًا عن مسار آمن يمكن أن يتيح لبعض الفلسطينيين الوصول إلى بريطانيا، فيتمسك بالأمل، ويبدأ في البحث عن الشروط والإجراءات، قبل أن يكتشف أن أقاربه الموجودين داخل غزة لا يستطيعون الاستفادة منه.
إنها مأساة نفسية وإنسانية مضاعفة؛ فالعائلة لا تواجه فقط الخوف من الحرب، بل تواجه أيضًا الشعور بالعجز أمام إجراءات لا تملك التحكم فيها.
وبالنسبة إلى الأطفال خصوصًا، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا. فالطفل الذي فقد أحد والديه، أو يحتاج إلى علاج غير متوافر، أو يعيش في ظروف تهدد سلامته، لا يستطيع اتخاذ خطوات الخروج بنفسه. وهو يحتاج إلى منظومة حماية تتعامل مع احتياجاته بوصفها أولوية، لا أن تترك مصيره معلقًا بقدرة عائلته على اجتياز الحصار والحدود والإجراءات المعقدة.
ولا يعني ذلك أن الروابط العائلية وحدها تمنح حقًا تلقائيًا في الدخول إلى بريطانيا؛ فهناك قواعد قانونية وشروط للتأشيرات ولمّ الشمل. لكن وجود أسباب إنسانية بالغة الخطورة ينبغي أن يكون دافعًا إلى دراسة الاستثناءات الممكنة، وتوفير إرشادات واضحة، وتسريع معالجة الحالات التي تستدعي تدخلًا عاجلًا.
إن بريطانيا التي تتحدث عن حماية الأسرة والطفولة لا ينبغي أن تغفل أن الإجراءات التي تصممها في مكاتبها قد تحدد، في حالات كهذه، ما إذا كانت عائلة ستتمكن من الاجتماع مجددًا أم ستظل تفترقها المسافات والخوف والانتظار.
لا يكفي القول إن القانون لا يسمح.. فالقوانين والسياسات قابلة للمراجعة
قد تدافع الحكومة البريطانية عن موقفها بالاستناد إلى القواعد المنظمة للجوء، التي تتطلب في الأصل وجود طالب الحماية خارج بلده حتى تنطبق عليه صفة اللاجئ وفق اتفاقية اللاجئين، وبالقول إن طلب اللجوء لا يُقدَّم عمومًا من خارج بريطانيا بالطريقة التي يتصورها البعض.
وتوضح الإرشادات الحكومية المتعلقة بالمسارات الآمنة والقانونية أن هذه المسارات تختلف عن تقديم طلب اللجوء من الخارج، وأن نظام اللجوء البريطاني لا يوفر آلية عامة تتيح لأي شخص في أي مكان من العالم التقدم بطلب لجوء بريطاني من خارج البلاد.
لكن هذا التفسير لا ينهي النقاش، بل يحدد النقطة التي ينبغي أن يبدأ منها.
فإذا كان النظام العام لا يتيح تقديم طلبات اللجوء من الخارج، فهذا لا يمنع الحكومة من بحث برامج إنسانية خاصة، أو ترتيبات لإعادة التوطين، أو مسارات دخول قانونية محددة تستهدف حالات تستدعي الحماية العاجلة، وفق الأساس القانوني المناسب لكل برنامج.
وهنا يجب التمييز بين مطالبة الحكومة بفتح باب اللجوء العام من خارج بريطانيا، وبين مطالبتها بتصميم مسار إنساني استثنائي للفلسطينيين الموجودين في غزة. فهما ليسا بالضرورة الشيء نفسه.
إننا لا نطالب بإلغاء القوانين، بل باستخدام الأدوات القانونية المتاحة، ومراجعة السياسات حين لا تستجيب بصورة كافية لواقع استثنائي. ولا نطالب بقبول كل الطلبات دون تدقيق، بل بإتاحة فرصة عادلة للوصول إلى إجراءات الحماية، وتقييم الحالات وفق معايير واضحة تراعي خطورة الوضع الإنساني.
كما أن وجود مسار آمن لا ينبغي أن يكون بديلًا عن جهود وقف الحرب وحماية المدنيين، ولا أن يتحول إلى وسيلة لتشجيع إخراج الفلسطينيين من أرضهم. المطلوب هو توفير خيار لمن يحتاج إليه، مع الحفاظ على حق من يريد البقاء في وطنه، والعمل على إنهاء الظروف التي تجبر الناس على الاختيار بين النزوح والخطر.
ما الذي نطالب به من الحكومة البريطانية؟
إن الانتقاد وحده لا يكفي؛ فالمطلوب من الحكومة البريطانية خطوات عملية تعالج الثغرات التي كشفها الجدل حول المسار الجديد.
أولًا، توضيح الشروط بصورة صريحة وشفافة، بحيث يعرف الفلسطينيون داخل غزة، وعائلاتهم في بريطانيا، والجهات الإنسانية التي تساعدهم، من المؤهل للاستفادة من المسار، وما الإجراءات المتاحة للحالات الموجودة داخل القطاع.
ثانيًا، فتح مراجعة جدية لإمكانية إدراج سكان غزة الموجودين داخل القطاع ضمن ترتيبات إنسانية استثنائية، بدلًا من استبعادهم لمجرد أنهم لم يتمكنوا من المغادرة. وينبغي أن تشمل المراجعة آليات عملية للتعامل مع الأطفال والمرضى والحالات التي تواجه خطرًا مباشرًا.
ثالثًا، العمل مع الجهات الدولية ودول الجوار لتحديد وسائل آمنة وقانونية لنقل الحالات التي تُقبل طلباتها، متى سمحت الظروف بذلك. فلا يمكن مطالبة المحاصرين بتنفيذ مهمة الخروج بأنفسهم ثم استخدام عجزهم عن ذلك سببًا لاستبعادهم.
رابعًا، إعطاء الأولوية للحالات الأشد احتياجًا، ووضع إجراءات واضحة للتعامل مع الطلبات الإنسانية العاجلة، مع توفير المعلومات اللازمة لتجنب تضليل العائلات أو تركها رهينة توقعات غير مؤكدة.
خامسًا، تأكيد أن أي مسار إنساني لا ينتقص من حق الفلسطينيين في العودة إلى وطنهم، ولا يُستخدم لتبرير التهجير القسري أو تغيير الواقع السكاني في غزة. فالهدف يجب أن يكون حماية الإنسان، لا تسهيل اقتلاعه من أرضه.
وأخيرًا، يتعين على الحكومة أن تُخضع سياساتها للمساءلة البرلمانية والمجتمعية، وأن تشرح بوضوح ما إذا كانت القيود المفروضة ضرورية فعلًا، وما البدائل التي درستها، ولماذا لم تُعتمد حلول تتيح الوصول إلى الأشخاص الموجودين داخل القطاع.
إن هذه المطالب ليست دعوة إلى فتح الحدود بلا ضوابط، ولا تجاهلًا للتحديات الأمنية والقانونية، بل مطالبة بأن تكون الضوابط متناسبة مع الغرض الإنساني، وأن تظل حياة المدنيين وكرامتهم في صلب عملية اتخاذ القرار.
بريطانيا أمام اختبار أخلاقي لا تحسمه التصريحات
في نهاية المطاف، ليست القضية ما إذا كانت الحكومة البريطانية قد استخدمت عبارة «مسار آمن» في إعلانها، ولا ما إذا كانت قد أدرجت بعض الفئات ضمن برنامج جديد، بل ما إذا كانت مستعدة للنظر في أوضاع أولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى هذا المسار رغم حاجتهم الماسة إليه.
فالمسار الإنساني الذي لا يتيح للمحاصرين فرصة واقعية للاستفادة منه يظل محدود الأثر بالنسبة إلى من يعيشون في قلب الكارثة. والوعود التي لا تصحبها إجراءات قابلة للتطبيق قد ترفع سقف الأمل لدى العائلات، ثم تتركها أمام خيبة أشد قسوة عندما تكتشف أن الباب الذي ظنت أنه فُتح أمامها لا يشملها.
ولا ينبغي أن نغفل أن بريطانيا ليست وحدها المسؤولة عن إنهاء الحرب أو تأمين خروج المدنيين من غزة؛ فذلك يتطلب تعاونًا دوليًا وضغوطًا سياسية وترتيبات أمنية معقدة. لكن عدم امتلاك القدرة على حل الأزمة كاملة لا يعني العجز عن اتخاذ خطوات محددة لتخفيف معاناة بعض ضحاياها.
وهنا يكمن جوهر الاعتراض على الموقف الحكومي: ليس من العدل أن يُترك الفلسطيني الذي لم يستطع مغادرة غزة خارج حسابات الحماية، بينما يُقال له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إن عليه الوصول إلى مكان آخر أولًا حتى يصبح بالإمكان النظر في طلبه.
فكيف يُطلب من المحاصر أن ينجو من الحصار كي يصبح مؤهلًا للحصول على النجاة؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحكومة البريطانية، وأن يُطرح على وزيرة الداخلية شبانة محمود، وعلى أعضاء البرلمان، وعلى كل من يرى أن حماية اللاجئين يجب أن تكون أكثر من مجرد عنوان في بيان رسمي.
إننا لا نطالب بريطانيا بأن تشجع تهجير الفلسطينيين، بل نطالبها بألا تجعل رفض التهجير سببًا لحرمان من يريدون النجاة من حقهم في طلب الحماية. ولا نطالبها بالتخلي عن قوانينها، بل بمراجعة ما يمكن مراجعته منها، واستخدام الأدوات القانونية المتاحة لإيجاد حلول إنسانية تتناسب مع حجم المأساة.
إن حق الفلسطينيين في البقاء في غزة يجب أن يترافق مع حقهم في الحياة والأمان، ومن يختار منهم طلب الحماية خارج القطاع لا ينبغي أن يُترك وحيدًا أمام الأخطار لمجرد أنه لم يتمكن من اجتياز الحدود.
وإذا كانت الحكومة البريطانية جادة في التزامها حماية الفئات الأكثر ضعفًا، فعليها أن تثبت ذلك بإتاحة الفرصة أمام المحتاجين إلى الحماية، لا بالاكتفاء بمسارات لا يستطيع بعض أشد المحتاجين الوصول إليها.
فالمأساة الحقيقية ليست فقط أن يجد الفلسطيني أبوابًا مغلقة في وجهه، بل أن يسمع أن بابًا آمنًا قد فُتح له، ثم يكتشف أن عليه أولًا أن ينجو من الخطر وحده حتى يُسمح له بالاقتراب منه.
الرابط المختصر هنا ⬇


