العرب في بريطانيا | تعهّدًا لسردية الحق الفلسطيني وتعزيزها

تعهّدًا لسردية الحق الفلسطيني وتعزيزها

تعهّدًا لسردية الحق الفلسطيني وتعزيزها
جلال الورغي يونيو 16, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

فرضت القضية الفلسطينية نفسها بوصفها قضية تحرر وطني، بكل أبعادها السياسية والدبلوماسية والحقوقية والإنسانية والأخلاقية، كعامل من العوامل المؤثرة في تشكيل مزاج الناخب البريطاني خصوصًا والناخب الأوروبي عمومًا، وإن بدرجات متفاوتة من بلد إلى آخر ومن لحظة إلى أخرى. وتعزّز هذا الأمر بوضوح بعد العدوان الإسرائيلي على غزة الذي استمر على مدى أكثر من عامين، ويتواصل بأشكال مختلفة، وارتكب فيه الاحتلال الإسرائيلي جرائم حرب وإبادة، يُلاحق بسببها اليوم قادة إسرائيل أمام المحاكم الدولية.

ويمثل هذا التأثير في المزاج الانتخابي الغربي عمومًا والبريطاني خصوصًا، أحد ملامح السردية الفلسطينية التي نجحت إلى حد كبير في فرض نفسها، وإنجاز معتبر في “كسب معركة القلوب والعقول” داخل قطاعات كبيرة من هذه المجتمعات الغربية. وهي معركة تخسرها إسرائيل بطريقة لافتة؛ لما تورّطت فيه من جرائم وما مارسته من انتهاكات للقوانين الدولية، وللمعاهدات والمواثيق الإنسانية.

بيد أن هذه السردية العادلة والمنصفة بشأن القضية الفلسطينية تواجه اليوم مجموعة من العقبات والمخططات لتقويضها، في سعي من اللوبي الصهيوني لاستعادة السردية القديمة في العلاقة بالقضية الفلسطينية، والقائمة في جوهرها على التعاطف المطلق مع إسرائيل، وتفهّم وتبرير كل ممارساتها، على أرضية المظلومية التاريخية التي تعرض لها اليهود خلال الحرب العالمية الثانية على يد النازية. وهي المظلمة التي لم يكن للشعب الفلسطيني أي ذنب فيها. ولذلك تبدو المسؤولية التاريخية كبيرة على كواهل مناصري القضية الفلسطينية، لتعهد السردية الحالية العادلة، وتعزيزها، والحيلولة دون مساعي تقويضها أو تسفيهها، بينما لا يزال الشعب الفلسطيني يواجه أخطر المخططات، إبادة وتهجيرًا، وتصفية لقضيته.

فالقضية الفلسطينية، بوصفها قضية تحرر وطني عادلة، وقضية شعب يتعرض لمظلمة تاريخية تستمر لأكثر من قرن، يجب أن تبقى سردية عادلة ومنصفة في قلب المشهد الغربي اليوم.

فبالمنطق التاريخي، هذا الغرب وعلى رأسه بريطانيا كما كان سببًا في هذه المظلمة التاريخية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني، بسبب وعد بلفور، وما تلاه من رعاية كاملة لقيام دولة إسرائيل، فإنه محمول اليوم على إنصاف الشعب الفلسطيني لنيل حقه كبقية شعوب العالم في التحرر والاستقلال ونيل حقوقه كاملة.

ويقتضي هذا من أنصار القضية الفلسطينية الإبقاء على هذا الملف حاضرًا بقوة في المشهد العام البريطاني، وعلى جميع المستويات. على مستوى الرأي العام من خلال الإعلام والتحركات السلمية المناصرة للحقوق الفلسطينية والرافضة للعدوان، وعلى المستوى الحزبي من خلال الانفتاح على جميع الأحزاب وإقناعهم بمسؤوليتهم الأخلاقية في تبني المظلمة الفلسطينية في سياساتهم الخارجية، وعلى المستوى الحكومي من خلال التواصل والضغط على البرلمانيين لتبني مواقف منصفة للحق الفلسطيني، يما ينعكس على السياسات الخارجية، بجميع مستوياتها الدبلوماسية والإنسانية والسياسية والاقتصادية.

كما أن الزخم الذي اكتسبته القضية الفلسطينية كقضية شعب مظلوم يقبع تحت الاحتلال ويقاوم من أجل التحرر والاستقلال، يجب أن يعبر عن نفسه سردية عامة في الجامعات، ومراكز البحث، والفن والمسرح والسينما، والرواية والكتابات الأكاديمية. فمعارك التحرر تنتزع شرعيتها الأساسية عبر مراكمة رأس مال رمزي، كقضية عادلة يجب أن تنصف، ومظلمة تاريخية يجب رد الحقوق فيها إلى أهلها، ومسؤولية أخلاقية وحقوقية تستوجب حماية الفلسطينيين من الانتهاكات ومحاسبة من ارتكب جرائم الحرب والإبادة في حقهم، ومسألة عدالة، يجب الحرص على إنفاذها، دون تردد أو حسابات سياسية ضيقة.

إذا عطفنا اليوم ما أحدثه العدوان على غزة والشعب الفلسطيني من تحول عميق في الرأي العام الدولي، لجهة النظر للقضية الفلسطينية تعاطفًا ومناصرة، أو لجهة الإدانة والعزلة التي تواجهها إسرائيل بقيادة نتنياهو والملاحقات القضائية الدولية، إذا عطفنا ذلك على التحولات الدولية والجيوسياسية في المنطقة والعالم، وما ينفتح عليه من فرص، فإننا أمام لحظة تاريخية مواتية لتعزيز القضية الفلسطينية وتثبيتها بوصفها إحدى القضايا الأساسية على الأجندة الدولية.

أمام مناصري القضية الفلسطينية في بريطانيا والغرب ملفات كبرى لتدشين موجة جديدة في نصرة القضية الفلسطينية، تبدأ بمواصلة الحراك الشعبي لوقف العدوان ورفع الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة وإعادة إعمارها، ووقف العدوان في الضفة، وتشمل المطالبة بالمضي في ملاحقة مجرمي الحرب الذين تورطوا في العدوان على غزة والتأكد من عدم إفلاتهم من العقاب، وفتح ملف الأسرى، لتحرير نحو عشرة آلاف فلسطيني محتجزين في السجون الإسرائيلية ويواجهون أبشع أنواع التعذيب والانتهاكات.


 

اترك تعليقا