العرب في بريطانيا | بيرنهام يُعيد جدل تعريب الأسماء إلى غرف الأخبار

بيرنهام يُعيد جدل تعريب الأسماء إلى غرف الأخبار

بيرنهام يُعيد جدل تعريب الأسماء إلى غرف الأخبار
خالد محمد أحمد يوليو 22, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

أثار اختلاف وسائل الإعلام العربية في كتابة اسم رئيس الوزراء البريطاني الجديد، أندي بيرنهام (Andy Burnham)، نقاشًا لغويًا بشأن الطريقة المُثلى لتعريب الأسماء الأجنبية. وقد ذهب بعض اللغويين إلى التشدُّد في محاكاة النطق البريطاني، فرأوا أن الصيغة الأدقَّ لكتابة الاسم هي “بِرْنَم”، ورفضوا الصيغ المتداولة مثل “بورنهام” و”بيرنهام”.

الواقع أن النطق البريطاني الشائع لاسم رئيس الوزراء الجديد يقوم على إسقاط صوت الهاء في المقطع الأخير، ونطق الحركة في المقطع نفسه نطقًا مختزلًا يُعرَف في علم الأصوات باسم (schwa)، ويُرمَز له في القواميس الإنجليزية بالرمز(ə)، وهو صوتٌ محايدٌ قصير لا مقابل دقيقًا له في العربية، كما في المقطع الأول من كلمة (ago).

ومع ذلك، فإن النطق الإنجليزي نفسه لا يخلو من اختلاف بين البيئات الناطقة بالإنجليزية؛ فالنطق الأمريكي يميل في كثيرٍ من الكلمات المنتهية بالمقطع (ham) إلى إظهار صوت الهاء بدرجةٍ أكبر من النطق البريطاني.

بيرنهام يُعيد جدل تعريب الأسماء إلى غرف الأخبار
آندي بيرنهام

وإذا كانت الإنجليزية نفسها تحتمل أكثر من صورةٍ لنطق الكلمة أو المقطع الواحد، فإن ذلك يدلُّ على أن نقل الأسماء إلى العربية لا يمكن أن يُبْنَى على قاعدةٍ صوتيةٍ صارمة واحدة، ولا أن يُنظر إلى أيِّ خروجٍ عن نُطق لهجةٍ بعينها باعتباره خطأً مطلقًا.

أتَّفق مع أصحاب الرأي موضوع النقاش من حيث المبدأ، لكنني أختلف معهم في التطبيق؛ فالقاعدة التي يدافعون عنها صحيحةٌ من الناحية الصوتية، إذْ إن تعريب الأسماء الأجنبية ينبغي أن ينطلق من نطقها في لغتها الأصلية مع شيءٍ من التحوير ليتواءم مع المنظومة الصوتية العربية. غير أن الكتابة تخضع، إلى جانب الاعتبارات الصوتية، للاصطلاح والاستعمال اللذين ترسَّخا عبر الزمن؛ فما يصلُح في درسٍ لعلم الأصوات قد لا يصلُح في الكتابة الصحفية الموجَّهة إلى ملايين القراء.

تكمن المشكلة في أن صيغة “بَرْنَم” تصطدم بمنظومةٍ كاملة من الأسماء البريطانية التي تنتهي بالمقطع (ham)، وقد استقرَّ رسمها في العربية منذ عشرات السنين، مثل باكنغهام (Buckingham)، وبرمنغهام (Birmingham)، ونوتنغهام (Nottingham)، وبيكهام (Beckham).

فإذا كُنَّا سنلتزم بالنطق الإنجليزي التزامًا كاملًا، فلماذا نبدأ باسمٍ جديد ونتوقَّف عند الأسماء القديمة؟

ولماذا تُصبح (Burnham) ” بِرْنَم”، بينما يبقى (Buckingham Palace) “قصر باكنغهام” لا “قصر بَكِنَم”، ويظلُّ (Beckham)”بيكهام” لا “بِكَم”؟

الإجابة العملية عن ذلك واضحة؛ فقد أصبحت كتابة هذه الأسماء في العربية اصطلاحًا راسخًا، ولم تعُد مجرَّد محاولةٍ حرفية لمحاكاة النطق الإنجليزي؛ بل إن القارئ العربي اعتاد هذا الرسم إلى درجة أنه لم يعُد يقرأه قراءةً حرفية؛ فكثيرٌ من المذيعين، على سبيل المثال، ينطقون اسم (Beckham) قريبًا من “بيكام”، مع أنهم يكتبونه “بيكهام”. ولم يَعُد وجود الهاء في الكتابة يُثير استغراب القارئ، لأنه يُدرك بحُكم الاعتياد أنها لا تُنطَق على الوجه الذي تُوحي به صورتها المكتوبة.

بيرنهام يُعيد جدل تعريب الأسماء إلى غرف الأخبار
آندي بيرنهام

ولو كتبنا “بِكَم” بدلًا من “بيكهام”، أو”بَكِنَم” بدلًا من “باكنغهام”، فقد يشعر كثيرٌ من القراء أنهم أمام أسماءٍ جديدة على الرغم من أن هذه الصيغ قد تكون أقرب إلى النطق الإنجليزي. ولذلك، فإن الاستقرار الاصطلاحي في الكتابة يُصبح أرجح من السعي إلى محاكاة النطق محاكاةً حرفية؛ فمن الصعب القبول بإحداث قطيعةٍ مع هذا التقليد الإملائي الراسخ من أجل اسمٍ واحد مع الإبقاء على عشرات الأسماء الأخرى التي تنتهي بالمقطع نفسه على تهجئتها المألوفة.

هذا التباين في تهجئة الأسماء الأجنبية جزءٌ من تقاليدَ تحريريةٍ استقرَّت في الإعلام العربي على مدى عقود؛ فلكلِّ مؤسسةٍ إعلامية دليلها التحريري (Style Guide)، الذي يضع القواعد المنظِّمة لكتابة الأسماء الأجنبية، وأسماء الدول والمنظَّمات، والمصطلحات السياسية والجغرافية وغيرها.

ولا يقتصر التباين في المسارد التحريرية (Glossaries) على رسم الأسماء، فقد تختلف المؤسسات الإعلامية في توصيف الشخصيات السياسية، فتستخدم أوصافًا مثل “الرئيس السابق”، أو “الرئيس المعزول”، أو “الرئيس المخلوع”، وفقًا لخطِّها التحريري. ويمتدُّ هذا التباين إلى تهجئة كثيرٍ من الأسماء والمصطلحات، فتكتب إحداها “ترمب”، بينما تُفضِّل أخرى “ترامب”، أو تعتمد “النيتو” بدلًا من “الناتو”، أو “آرسنال” عوضًا عن “أرسنال” من غير أن يُعَدَّ أيٌّ من هذه الخيارات خروجًا على أصول العمل الصحفي.

ولذلك، ينبغي النظر إلى الخلاف بشأن تهجئة اسم رئيس الوزراء البريطاني الجديد على أنه مسألةٌ تحريرية تتداخل فيها دقَّة النقل الصوتي مع الاصطلاح المستقرِّ في العربية، وصور الكتابة المألوفة لدى القارئ بعيدًا عن ثنائية الصواب والخطأ المطلقين.

بيرنهام يُعيد جدل تعريب الأسماء إلى غرف الأخبار
آندي بيرنام (تصوير: جاستن نغ / ألامي)

كما أن الحلَّ، في تقديري، ليس في مطاردة كلِّ تفصيلٍ صوتي في الإنجليزية؛ فالعربية لا تملك أصواتًا مقابلةً لبعض الأصوات الإنجليزية، وهو ما يجعل النقل الحرفي للنطق غير ممكنٍ دائمًا.

وقد كان الرسم الذي تبنَّاه موقع سكاي نيوز عربي أقرب إلى الاتجاه الذي يُعطي الأولوية للنطق البريطاني المباشر؛ إذْ استعمل الصيغة “برنام”، فحذف الياء والهاء، وأبقى الألف في المقطع الأخير. وبذلك اقترب من تمثيل النطق البريطاني للمقطعين، لكنه ابتعد عن الصورة المألوفة لكتابة مثل هذه الأسماء.

ومع تقديري للحجج الصوتية التي يستند إليها أصحاب هذا الرأي، فإنني أميل إلى الاحتفاظ بالنهج الذي استقرَّت عليه العربية في كتابة الأسماء البريطانية المنتهية بالمقطع (ham)؛ فهو أكثر اتساقًا مع تقاليد الكتابة الصحفية العربية، وأيسر على القارئ، وأقرب إلى الاستقرار الاصطلاحي من استحداث تهجئةٍ جديدة قد تكون أقرب إلى الأذن، لكنها ستبدو غريبةً على العين. كما أن الالتزام الصارم بهذا المنهج الصوتي سيقودنا إلى إعادة النظر في مئات الأسماء الأجنبية التي استقرَّ رسمها في العربية منذ عقودٍ، وهو مسلكٌ لا يبدو عمليًا ولا مرغوبًا فيه.

وعلى هذا الأساس، فإنني أفضِّل كتابة اسم رئيس الوزراء البريطاني الجديد بصيغة “بيرنهام”؛ لأنه حتى لو كانت “بِرْنَم” أو “بَرنام” أقرب إلى النطق البريطاني، فإن الأسماء الأجنبية تستقرُّ في العربية ضمن سياقٍ لغوي وتحريري يتجاوز النقل الصوتي المجرَّد إلى مراعاة الاصطلاح والنمط السائد في كتابة الأسماء المشابهة.


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 22 يوليو 2026
"قبل نهاية العام أراهن أن هناك من سيصرخ: أعيدوا كير ستارمر!" المذيع البريطاني المعروف إيان دالي يتوقع فشل رئيس الوزراء الجديد آندي بيرنهام، مؤكدًا أنه لا يملك ما يقدمه للشارع البريطاني، في إشارة إلى أن الفترة القادمة لن تختلف عما…
𝕏 @alarabinuk · 22 يوليو 2026
📌هل يمكن لمهاراتك وخبراتك أن تفتح لك باب الإقامة والعمل في بريطانيا؟ وما هي الفرص المتاحة لأصحاب المواهب والكفاءات؟ انضموا إلينا قريبًا عبر منصاتنا مع المهندس محمد عبد النبي، مؤسس مبادرة GTR BY VERO UK، في بث مباشر تديره الإعلامية…
𝕏 @alarabinuk · 22 يوليو 2026
الإجابة كانت "المهاجرين" بلا تردد.. والرد جاء مفاجئًا.. خلال مقابلة في الشارع.. المؤثر البريطاني آدم بريشتو يواجه مواطنين بأكاذيب القادة والأغنياء عن المهاجرين، بعد إلصاق أزمة السكن بهم، وسط دهشة على وجوههم عند معرفة السبب الحقيقي. #شاهد #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 22 يوليو 2026
حاولوا استفزازه بسبب الكوفية على كلبه.. مشادة كلامية حادة بين شاب من غزة ومؤيدين لإسرائيل في شوارع لندن، حاولوا استفزازه بنعته إرهابيًا أثناء تجواله برفقة كلبه الذي كان يرتدي الكوفية الفلسطينية، قبل أن يتدخل أحد عناصر الشرطة لإبعاده عن المكان.…
عرض المزيد على X ←