المشاركة السياسية ومحدداتها لمسلمي بريطانيا
في وقت يعزز فيه مسلمو بريطانيا مشاركتهم الإيجابية في الشأن العام للبلاد، منخرطين في الأحزاب السياسية، ومنافسين في المجالس المحلية والوطنية، يتجدد السؤال بشأن سبل تثمين هذا الانخراط في الشأن العام الذي يعكس مظهرًا من مظاهر الاندماج الإيجابي، والمساهمة في ازدهار بلادهم على مختلف الأصعدة.
لا شك أن هذه الديناميكية المتصاعدة كمسار للمشاركة السياسية للأقلية المسلمة ومدخل من مداخل اندماجها يطرح تساؤلات بشأن الحاجة لبلورة فلسفة أو إستراتيجية لهذه المشاركة ومحدداتها، حتى تترسّخ وتثمر فاعلية أكبر.
المشاركة كعنوان للاندماج: فالمشاركة السياسية للمسلمين البريطانيين تعزز وجودهم المواطني كجزء من النسيج المجتمعي والوطني، وهي تأكيد على ممارسة حقوق وواجب المواطنة كغيرهم من البريطانيين. فمعالجة قضايا مسلمي بريطانيا تكون من خلال معالجة قضايا المجتمع البريطاني عمومًا، الذي يواجه صعوبات وتحديات في العديد من المجالات، سواء لجهة الأوضاع الاجتماعية، أو تنشئة الأطفال والتربية والتعليم، أو الصحة، أو مقاومة الأمراض الاجتماعية كالجريمة والعنصرية (الإسلاموفوبيا) أو معاداة السامية، أو لجهة رؤية بريطانيا تتبنى سياسة خارجية أخلاقية تأخذ بعين الاعتبار حقوق الإنسان، والأبعاد الإنسانية والحقوق التاريخية. وكلما انخرط مسلمو بريطانيا في الشأن العام، كلما رسخوا اندماجهم، وغادروا مربّع الضحية والمظلومية إلى ميدان الفعل والإيجابية والمساهمة البناءة.
الوسطية والاعتدال: لا شك أن أخطر ما يمكن أن يهدد المجتمعات هو التطرف والغلو، سواء كان مسيحيًا أو يهوديًا أو إسلاميًا؛ لذلك فإن نشر ثقافة الاعتدال والتسامح يشيع صورة إيجابية عن مسلمي بريطانيا، ويعزز مصداقيتهم باعتبارهم قوة خير، وحالة ثقافية قيمية تحتفي بالتعدد الثقافي، والتنوع المجتمعي، وتشيع مناخات من الطمأنينة والثقة تساهم في استقرار المجتمع وتقوي تضامنه وتلاحمه في وجه المخاطر والتحديات الكبيرة.
فخ الراديكالية والشعبوية: تغري الكثير من التيارات السياسية الصغيرة الشباب البريطاني بشعاراتها عن الحرية والعدالة الاجتماعية، وقضايا التحرر ومقاومة الظلم وقوى الهيمنة والاستعمار. وبقدر نبل الشعارات التي ترفعها هذه التيارات بل وحتى صدقيتها، إلا أنها في إطار العملية السياسية تصطدم بجدار سميك، يجعلها دومًا على هامش الفعل السياسي وخارج المعادلة السياسية الأساسية. ولا يعود الأمر في ذلك إلى عدم قناعة الرأي العام بنبل تلك الأهداف والشعارات التي ترفعها هذه التيارات الراديكالية، بقدر ما يعود الأمر لسببين أساسيين:
- أولهما: أن الرأي العام في المجمل لا يميل للمقاربات الراديكالية؛ لأنه لا يرى فيها واقعية ولا قدرة على النجاح، ويميل فطريًا وعقليًا باتجاه القوى الوسطية التي يراها أكثر واقعية وفهمًا لتعقيدات المشهد الداخلي والخارجي.
- وثانيهما: أن أغلب التيارات الراديكالية تتمحور أساسًا حول شخصيات قوية بدون أحزاب مؤسسية، ولا آليات واضحة في بلورة القرارات وصناعتها.
لذلك يحتاج مسلمو بريطانيا على الدوام للتمييز بين القوى الفاعلة والمؤثرة والقوى التي تحمل أفكارًا وأهدافًا كبرى ولكنها غير قادرة ولا مؤهلة أن تكون جزءًا من المعادلات الفاعلة والمؤثرة في تأطير الحياة السياسية البريطانية.
ترشيد الفعل السياسي: يصاحب المسلم البريطاني وهو يخوض غمار التجربة السياسية على المستوى المحلي أو الوطني، شعور بتعدد الانتماء وحضور بارز لأصوله وللبلد أو المنطقة التي ينحدر منها آباؤه وأجداده. هذا الشعور قد يعبر عن نفسه من خلال شعارات أو مواقف سياسية يبديها أو يعلنها هو أو الداعمون له، من قبيل رفع علم بلده الأصلي أو علم فلسطين، أو ما يشير إلى دينه وثقافته. وإذا كان ذلك قد يحصل بعفوية وبشكل تلقائي، فإن الحكمة تقتضي أن يفقه المسلم البريطاني أنه وهو يخوض انتخابات محلية أو وطنية، إنما يخوضها من أجل مشاغل الناس وقضاياهم الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والصحية، وهو بالتالي محمول على أن يظهر اهتمامًا وتركيزًا على هذه الانشغالات والعمل على المساهمة في معالجتها وحلها؛ وفاء بالتعهدات الانتخابية، وتنفيذًا للعقد المبرم ضمنًا بينه وبين الناخبين الذين انتخبوه على ذلك الأساس.
لا يعني حمل هموم الناخبين التخلي عن الدفاع عن القضايا العامة العادلة على غرار مظلمة الشعب الفلسطيني أو أخلقة السياسة الخارجية، وإنما إدراك أن الإبداع والتفاني في خدمة مشاكل ومطالب الناخبين يعزز المصداقية والنجاحات التي تمكن من تثمينها في الدفاع عن القضايا العامة العادلة.
روح المبادرة والإيجابية: تتوفر أمام الشخصيات العربية والمسلمة التي فازت في الانتخابات المحلية البريطانية الأخيرة فرصة لتقديم أداء نوعي في خدمة مناطقهم التي اُنتخبوا فيها، ويمكنهم أن يضعوا إستراتيجية فردية وأخرى جماعية لكيفية التميز في خدمة ناخبيهم ومناطقهم، بما يعزز حضورهم ويشيع صورة إيجابية عنهم. وتبدو مدينة برمنغهام ثاني كبرى المدن الأوروبية، وبنسبة ديمغرافية عالية من العرب والمسلمين، تجربة نوعية يمكن الاشتغال عليها لإبراز الدور الإيجابي للعرب والمسلمين في معالجة مشاكلها وصعوباتها؛ فالمدينة تواجه اليوم صعوبات كبيرة ومشكلات معقدة، وبلورة رؤية من العرب والمسلمين للمساهمة في معالجة مشكلات المدينة يمثل اليوم واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، من شأنه أن يرسم علاقة خاصة بين هذه المدينة الكبيرة وبين مواطنيها العرب والمسلمين. ويبدو هنا إطلاق مبادرة عامة لتفعيل دور رجال الأعمال العرب والمسلمين والتجار والجمعيات والمنظمات المحلية العربية والمسلمة من أبناء المدينة أو المعنيين بها فرصة تاريخية لإنعاش هذه المدينة، وتحويلها إلى قطب اقتصادي واعد على غرار مدينة مانشستر الناهضة.
الرابط المختصر هنا ⬇