العرب في بريطانيا | العلامة الزرقاء

العلامة الزرقاء

العلامة الزرقاء
زياد الريس أكتوبر 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

كنت قد أرسلت رسالة إلى أحد الأصدقاء، وكانت تهمني أن يراها ويقرأها، وهو يستخدم خاصية عدم ظهور «العلامة الزرقاء». وبينما كنت أنتظر أن أعرف هل وصلت إليه واطّلع عليها، خطر ببالي سؤال بسيط : 

 هل الأفضل أن أستخدم خاصية إخفاء «العلامة الزرقاء» في الواتساب، كما يفعل كثيرون، بحيث لا يعرف من أرسل لي الرسالة أنني قرأتها؟

قد يكون هذا حقًا من حقوقي، وقد تكون لدي أسباب تجعلني لا أرغب بأن يعرف الآخرون متى قرأت رسائلهم.

لكن سرعان ما جاءني سؤال آخر:

هل كل ما يحق لي أن أفعله هو بالضرورة الخيار الأفضل؟

وهنا شعرت أن المسألة أكبر من مجرد «علامة زرقاء».

ففي الحياة، هناك فرق بين أن أفعل ما هو من حقي، وبين أن أختار ما هو أفضل وأجمل في تعاملي مع الآخرين.

العدل أن أعطي الإنسان حقه وألا أظلمه، أما الإحسان فهو أن أذهب خطوة أبعد؛ أن أفكر فيما قد يريح الآخر أو يسعده أو يحفظ مشاعره، حتى لو لم أكن ملزمًا بذلك.

قد لا أكون ملزمًا بالرد على رسالة فورًا، لكن يمكنني أن أقول: «رأيت رسالتك وسأعود إليك عندما أستطيع».

وقد لا أكون ملزمًا بإبلاغ شخص بأنني سأتأخر، لكن إخباره احترام لوقته.

وقد لا أكون ملزمًا بكلمة شكر أو تقدير، لكنها قد تبقى في قلب صاحبها طويلًا.

وقد يكون من حقي أن أتمسك بكامل حقي في موقف ما، لكن التنازل عن جزء منه أحيانًا قد يكون أكثر إنسانية.

وربما لهذا لا يظهر التميز الحقيقي دائمًا في المواقف الكبيرة، وإنما في التفاصيل الصغيرة التي لا نكون مجبرين عليها:

في رسالة نرد عليها، وفي كلمة شكر نقولها، وفي اعتذار نقدمه، وفي موعد نحترمه، وفي موقف نستطيع فيه أن نقول: «هذا حقي»، لكننا نتوقف لحظة ونسأل: «ما الأفضل؟»

ولعل «العلامة الزرقاء» ليست في النهاية مجرد خاصية في تطبيق، وإنما تذكير صغير بسؤال أكبر:

هل أعيش وفق ما يحق لي فقط، أم أبحث عما هو أجمل وأفضل في تعاملي مع الآخرين؟

فالعدل يحفظ الحقوق، لكن الإحسان يؤلف القلوب و يصنع الأثر.

وربما كانت السماحة والعطاء سرًا مشتركًا بين كثير من السعداء؛ فكلما اتسعت النفس، أصبح الإنسان أكثر قدرة على العطاء والتجاوز وإسعاد من حوله.

وهذه المساحة الجميلة في النفس لا يصنعها العدل وحده، وإنما يصنعها الإحسان.

فليس التميز دائمًا في أن نأخذ كامل حقنا، بل في أن نعرف متى يكون الأجمل أن نعطي أكثر مما علينا.


 

 

اترك تعليقا

↑