العرب في بريطانيا | اترك لي مساحة لأعتذر

اترك لي مساحة لأعتذر

اترك لي مساحة لأعتذر
زياد الريس أغسطس 26, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

مررت خلال الأيام الماضية بعدة مواقف متشابهة، جعلتني أفكر: كم نحن في حاجةٍ إلى أن نترك للآخر مساحةً صغيرةً ليعتذر!

كنت في إجازة، وفي أحد المقاهي أنتظر زوجتي وهي تتسوق في المول، وأتصفح هاتفي وأحتسي قهوتي. ظهر أمامي مقطع فيديو، وكان صوته مرتفعًا قليلًا، بحيث وصل إلى الطاولة المجاورة.

فجأة، نهض الرجل الجالس هناك، وكان طويل القامة عريض المنكبين، وجاء نحوي غاضبًا وقال بلهجة حادة: «ألا تعلم أنك في مكان عام؟»

في اللحظة نفسها أدركت أنني أخطأت، فأغلقت الهاتف فورًا واعتذرت منه. لكنني كنت أتمنى أن يقول لي ببساطة: «لو سمحت، خفّض صوت الهاتف»، ثم يترك لي فرصة أن أعتذر.

لم يكن خطئي كبيرًا، ولا يحتاج إلى كل ذلك الغضب.

وفي موقف آخر، كنت أقود سيارتي وأردت الانتقال إلى المسار الأيسر، ولم أنتبه إلى سيارة كانت تسير فيه بسبب وجودها في زاوية ميتة، ولم أعطِ إشارة. بدأ سائقها بالسباب والتهجم، وحاولت بكل الطرق أن أعتذر له وأعترف بخطئي، لكنه استمر في غضبه وكأن الاعتذار لا قيمة له.

كنت أفكر: لماذا لا نمنح بعضنا فرصةً لنقول ببساطة: «نعم، أخطأت… وأنا آسف»؟

وفي موقف ثالث، التقيت بصديق في مكان عام، وكان معه شخص آخر لم أعرفه. حيّيت صديقي بعناق، بينما اكتفيت مع الآخر بالسلام العادي. وبعد ذلك أخبرني صديقي أن الشخص الآخر كان أحد أصدقائنا المشتركين قديمًا، وأنه أخذ على خاطره واعتبر تصرفي نوعًا من التكبر عليه.

لكن الحقيقة أنني لم أعرفه؛ فقد تغيرت ملامحه كثيرًا بعد سنوات طويلة لم ألتقِ به خلالها.

شعرت بالإحراج، وكل ما كنت أريده أن ألتقيه مرة أخرى لأعتذر عن موقف لم أقصده أصلًا.

وفي موقف رابع قد يحدث معنا جميعًا: أن نرى شخصًا يتجاوزنا في طابور، فنغضب ونفترض أنه يتعمد ذلك، ثم نكتشف أنه لم ينتبه للطابور، فيبادر بالاعتذار فورًا ويعود إلى آخر الصف.

كم يتغير الموقف عندما نكتشف أن ما ظنناه إساءة متعمدة لم يكن سوى عدم انتباه!

وفي المطار، عندما وصلت إلى الجوازات، طلبت من الموظف بلطف أن يضع الختم في صفحة تحتوي على أختام سابقة، فقال لي: «NO». ثم أخذ يقلب صفحات الجواز حتى وصل إلى صفحة بيضاء ووضع الختم.

وعندما وصلت إلى بلد إقامتي، حدث الأمر نفسه تقريبًا مع موظفة الجوازات. بحثت في الجواز عن مكان مناسب، ثم قالت لي: «هل ينفع أن أضع الختم هنا؟» وأشارت إلى المكان.

قلت لها: «نعم، والله يعطيك العافية ويجزيك الخير».

الموقفان متشابهان، والنتيجة واحدة، لكن طريقة التعامل مختلفة تمامًا.

وهنا أدركت أن الطريقة التي نتعامل بها مع الناس قد تكون أهم أحيانًا من الخطأ الذي ارتكبوه.

نحن جميعًا نخطئ.

قد نرفع صوت الهاتف دون أن ننتبه، وقد نغيّر مسار السيارة دون إشارة، وقد نقول كلمة في غير مكانها، وقد نتصرف بطريقة تضايق الآخرين من دون قصد.

لكن ماذا لو تركنا مساحة للاعتذار؟

ماذا لو افترضنا أن الخطأ غير مقصود قبل أن نفترض سوء النية؟

ماذا لو حاولنا أن نفهم الطرف الآخر قبل أن نهاجمه؟

ليس المطلوب أن نقبل الخطأ، ولا أن نتجاهل حقوق الآخرين، وإنما المطلوب أن نميّز بين الخطأ وصاحب الخطأ.

فالإنسان الذي أخطأ قد يكون في الأصل إنسانًا جيدًا، وربما لو أعطيته فرصة لقال لك: «سامحني، لم أقصد».

وأحياناً لا يحتاج الإنسان إلى أن نعذره، بل يحتاج فقط إلى أن نمهله ثواني قبل أن نحكم عليه.

وكم من موقف صغير تحوّل إلى مشكلة كبيرة فقط لأن أحد الطرفين لم يمنح الآخر فرصة للاعتذار.

نحن أحيانًا ننظر إلى «الكأس» من جهة واحدة، فنرى لونًا ونبني عليه حكمًا كاملًا، بينما لو حرّكنا الكأس قليلًا ونظرنا إليه من الجهة الأخرى، ربما رأينا لونًا مختلفًا، وربما فهمنا القصة بطريقة مختلفة.

لذلك، قبل أن نغضب، وقبل أن نحكم، وقبل أن نهاجم، لنجرب أن نسأل أنفسنا:

هل يمكن أن يكون هناك سبب لا أعرفه؟

هل يمكن أن يكون الخطأ غير مقصود؟

وهل أعطيت هذا الإنسان فرصة ليعتذر؟

ربما يكون أجمل ما نقدمه لبعضنا اليوم ليس التسامح بعد الاعتذار فقط، بل إتاحة الفرصة للاعتذار أصلًا.

نحن بحاجة إلى أن ننشر ثقافة المحبة لا ثقافة العداء، وأن نتذكر أن الناس ليسوا جميعًا بالسوء الذي نتصوره في لحظة غضب.

اترك لي مساحة لأعتذر… فقد يأتي يوم تحتاج فيه أنت أيضًا إلى من يترك لك هذه المساحة.


 

 

اترك تعليقا