حكومة نتنياهو البغيضة هي المشكلة الحقيقية.. لا إد ميلباند ولا العقوبات
ثمة أمر ينبغي وضعه في الحسبان عند النظر في الإجراءات التي أعلنها وزير الخارجية إد ميلباند ضد المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة، بما فيها حظر وارداتها وفرض عقوبات على أفراد وشركات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني، وهو موقف والدته ماريون، التي توفيت في وقت سابق من العام الجاري.
كانت ماريون كوزاك يهودية بولندية نجت من المحرقة بعدما احتمت بأحد الأديرة. وقد استقرت في بريطانيا، وكانت، شأنها شأن زوجها رالف، ناشطة اجتماعية ومدافعة عن القضايا التي آمنت بها. وكان التوصل إلى تسوية عادلة للفلسطينيين إحدى هذه القضايا.
وكانت ماريون من الموقّعين المؤسسين لمجموعة «يهود من أجل العدالة للفلسطينيين»، التي تدعو إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وتقول المجموعة عن التوسع الاستيطاني، الذي أعلنت الحكومة البريطانية اتخاذ إجراءات وعقوبات للتصدي له: «تعلن إسرائيل أن الدافع وراء سياستها الهجومية هو إحباط هجمات إرهابية متوقعة، لكن استمرار التوسع الاستيطاني يوضح أن جانبًا كبيرًا من هذه السياسة يستهدف توسيع المستوطنات تحت غطاء الحرب على غزة».
ويستحق موقع المجموعة الاطلاع عليه؛ فمواقفها تنسجم مع كل ما يقوله وزير الخارجية عن نهج بريطانيا الحالي تجاه إسرائيل، أو بالأحرى تجاه الحكومة الإسرائيلية. ويمكن القول إن ميلباند يسير على خطى والدته. وهذه أيضًا هي نظرة كثير من الناس العاديين، بمن فيهم أنا، إلى ما يجري في الأراضي المحتلة.
ولا بد من التشديد مرارًا على ضرورة التمييز المطلق بين إسرائيل واليهود من جهة، وبين أفعال حكومة بنيامين نتنياهو من جهة أخرى. فثمة فارق حقيقي بين معارضة سياسات تلك الحكومة ومعاداة السامية.
وكما قال وزير الخارجية: «علينا جميعًا بذل مزيد من الجهد لمكافحة معاداة السامية، لكنني أعتقد أن في وسعنا فعل ذلك بالتزامن مع الدفاع عن القيم البريطانية».
اليهود البريطانيون في مواجهة التهديد

عندما يرفع أعضاء مجموعة «يهود من أجل العدالة للفلسطينيين» شعار «ليس باسمي»، فإنهم يعبرون عن مواقف كثير من اليهود البريطانيين.
ولا تستندوا إلى شهادتي وحدي؛ فأنا أتحدث من خارج الجالية. فقد رأيت خلال تجمع أمام السفارة الإسرائيلية قبل أيام مجموعة صغيرة شجاعة تحمل لافتات كُتب عليها «يهود ضد الاحتلال». ويمكن رؤية مجموعات مماثلة في معظم المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين.
قد يشكل هؤلاء أقلية محدودة داخل الجالية اليهودية، لكن وجودهم وحده يدحض الزعم بأن كون المرء يهوديًا يعني بالضرورة تأييد حكومة نتنياهو ودعمها عنف المستوطنين في الضفة الغربية. وهذا التيار الليبرالي داخل الهوية اليهودية هو الذي يمثله ميلباند، وكانت والدته تمثله أيضًا.
ولا ينفرد اليهود الليبراليون بالشعور بالنفور من تصرفات رئيس الوزراء الإسرائيلي. فقد كان ديفيد أبولافيا، المؤرخ المحافظ والأستاذ في جامعة كامبريدج الذي توفي مؤخرًا، يحتقر نتنياهو، وقال لي عنه: «أراه محتالًا».
وكان أبولافيا مثالًا على التنوع داخل المجتمع اليهودي البريطاني؛ إذ كانت أسرته من العائلات التي عاشت في القدس قبل فترة طويلة من قيام إسرائيل.
ومن بين المآسي الكثيرة الناجمة عن الوضع الحالي في الضفة الغربية وغزة، أنه أدى إلى تصاعد الاعتداءات المعادية للسامية التي يرتكبها بعض الناشطين، ممن يعجزون عن إدراك الفارق الجوهري بين أن يكون المرء يهوديًا وأن يكون مؤيدًا لهذه الحكومة الإسرائيلية بعينها.
وأرى أن العجز عن التمييز بين الجالية اليهودية بأكملها والائتلاف الحاكم في إسرائيل أمر مشين. ومع ذلك، لا يمكن إنكار تصاعد هذه الاعتداءات بالتزامن مع تدهور الأوضاع، ومن حق الجالية اليهودية في لندن أن تشعر بأنها مهددة.
محاولة للقضاء على حل الدولتين
لا يتحمل يهود لندن مسؤولية هجمات المستوطنين على قرى الضفة الغربية ومحاولاتهم طرد الفلسطينيين من منازلهم، ومع ذلك يقع عليهم جانب كبير من الغضب الناجم عما يحدث هناك.
ووصف الحاخام الأكبر إفرايم ميرفيس فرض العقوبات بأنه يمثل «يومًا مظلمًا» ليهود بريطانيا. لكن العقوبات ليست هي التي تسبب المشاعر المعادية لليهود؛ بل ما يحدث في إسرائيل. ولا تعدو العقوبات أن تكون انعكاسًا للاشمئزاز الذي يشعر به كثير من البريطانيين إزاء ما يجري.
وزعم متحدث باسم الحكومة الإسرائيلية في لندن أن العقوبات تهيئ بيئة خصبة لازدهار معاداة السامية. وقال إنها لا ترتبط بالوضع على الأرض، وإنما تتعلق «بالسياسة»؛ وربما كان يشير بذلك إلى نواب حزب العمال الذين تعتمد أغلبيتهم الانتخابية على أصوات المسلمين.
لكن الحقيقة معكوسة تمامًا: الوضع على الأرض هو الذي يؤدي إلى تفاقم معاداة السامية.
وما يفعله المستوطنون الإسرائيليون في مناطق من الضفة الغربية يرقى بالفعل، وفق تقييم الحكومة البريطانية، إلى مستوى التطهير العرقي، وهو توصيف استخدمته أيضًا شخصيات إسرائيلية، بينها رئيس وزراء سابق وضابط متقاعد في الجيش.
ويعيش الآن مئات الآلاف من المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، داخل مستوطنات تعدها بريطانيا وغالبية المجتمع الدولي غير قانونية. هذه هي المشكلة الحقيقية. وكما أوضح وزير الخارجية، فإن الأمر يمثل محاولة صارخة للقضاء على حل الدولتين.
لقد ابتعدنا كثيرًا، للأسف، عن المشهد السياسي الإسرائيلي الذي أتاح التوصل إلى اتفاق أوسلو.
وبعبارة أخرى، ليس ميلباند هو المشكلة، وليست العقوبات هي المشكلة؛ المشكلة الحقيقية هي ما تفعله حكومة نتنياهو البغيضة. وما لم تُحل هذه المشكلة، سيستمر تحميل اليهود البريطانيين، ظلمًا، مسؤولية أفعال بنيامين نتنياهو.
المصدر: ستاندرد- Standard
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇