العرب في بريطانيا | “الضحية الغائبة”: كيف أعادت جريمة جولدرز جرين ا...

“الضحية الغائبة”: كيف أعادت جريمة جولدرز جرين الجدل حول الإسلاموفوبيا؟

WhatsApp Image 2026-05-07 at 08.03.35
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
AI Voice Generated by Moknah.io

بينما كنتُ أصعدُ الدَّرَج، صادفتُ رجلاً لم يكنْ هناك. ولم يكنْ هناكَ اليومَ أيضاً. ليتَه، ليتَه يرحلُ بعيداً.

يفتتح الباحثان ديفيد تايرر وسلمان سيد مقالهما الصادر عام 2012 حول العِرق والإسلاموفوبيا بهذه الأهزوجة الطفولية التي تتحدث عن شبح يطارد الحضور والغياب.

وعند قراءة التغطية الإعلامية البريطانية لجريمة الطعن في جولدرز جرين، يصعب ألّا تتبادر هذه الأبيات إلى الذهن مجدداً. ففي الأربعاء الماضي، وُجهت إلى رجل يُدعى عيسى سليمان، وهو بريطاني الجنسية أُفيد بأنه خرج من مستشفى للأمراض النفسية قبل أيام، تهمة طعن ثلاثة أشخاص في لندن.

وكان الضحية الأول إسماعيل حسين، وهو رجل مسلم يبدو أنه كان على معرفة بالمهاجم المزعوم. ثم تعرّض رجلان يهوديان للطعن في منطقة جولدرز جرين: شلومي راند، البالغ من العمر 34 عاماً، وموشي شاين، البالغ من العمر 76 عاماً.

وجميعهم، بحسب الاتهامات، كانوا ضحايا للرجل نفسه، في اليوم ذاته، وفي المدينة ذاتها. لكنك لم تكن لتدرك ذلك من خلال التغطية الإعلامية التي أعقبت الحادثة.

فالمنشور الرسمي لشرطة العاصمة البريطانية على منصة إكس (تويتر سابقاً) لم يأتِ على ذكر حسين. كما أن وسائل إعلام من بينها سكاي نيوز، وتشانل 5، ورويترز، وبي بي سي، تناولت مثول سليمان أمام المحكمة على أنه متعلق بمحاولة قتل رجلين يهوديين فقط.

وقد لجأ بعض المتابعين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتساؤل عن سبب عدم إشارة الشرطة إلى الضحية المسلم الثالث. وهو سؤال مشروع، لكن لم يسارع أحد من أصحاب السلطة إلى الإجابة عنه.

إلى العلن

“الضحية الغائبة”: كيف أعادت جريمة جولدرز جرين الجدل حول الإسلاموفوبيا؟

لطالما امتلكت بريطانيا نظاماً غير رسمي لترتيب الضحايا؛ هرماً غير مكتوب يحدد أيّ المعاناة تستحق اهتماماً وطنياً، وأيّها تُمحى بهدوء من الذاكرة العامة.

وفي معظم الأحيان، يعمل هذا التسلسل الهرمي تحت السطح، بحيث يمكن إنكاره بسهولة، وإذا جرى التنبيه إليه، يُواجَه صاحبه باتهامه بـ”لعب دور الضحية”. لكن تغطية جريمة جولدرز جرين أخرجت هذا الأمر إلى العلن بوضوح غير معتاد.

فقد جرى ذكر اسمي الرجلين اليهوديين، وإجراء مقابلات معهما، ونشر صورهما. كما وُصفت إصاباتهما بالتفصيل. وأصدر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بياناً من داونينغ ستريت وصف فيه الهجوم بأنه عمل “معادٍ للسامية” و”إرهابي”، بينما فتحت شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً في القضية. وهكذا تحركت الآلة الأخلاقية للدولة بأكملها.

أما اسم حسين، فلم يظهر في أي مكان. ولم تُذكر طبيعة إصاباته. ولم يُستشَر مجتمعه المحلي. لقد كان، بكل معنى الكلمة، غائباً عن قصة الاعتداء الذي تعرّض له بنفسه.

والرسالة التي يبعثها ذلك، سواء كان هناك قصد واعٍ أم لا، هي أن معاناة المسلمين تعمل على موجة مختلفة في بريطانيا؛ موجة تعجز معظم المؤسسات ببساطة عن التقاطها.

ويقدّم تايرر وسيد إطاراً لفهم سبب حدوث ذلك، يتجاوز مجرد الإهمال التحريري. فهما يجادلان بأن الإسلاموفوبيا لا تقتصر على شيطنة المسلمين، بل تقوم بشيء أكثر ضرراً على المستوى البنيوي: إنها تجعلهم أشبه بالأشباح.

فالمسلمون، في المخيلة الغربية، يوجدون إما بوصفهم غير حقيقيين، أو بوصفهم “تدخلاً مفرط الواقعية يقتحم وعينا”. إنهم إما غير مرئيين أو وحوشاً؛ لا يُنظر إليهم أبداً كبشر عاديين يمكن أن يتعرضوا للظلم كما يتعرض له الآخرون.

وعند النظر إلى ما حدث في جولدرز جرين، تبدو هذه الفكرة دقيقة بشكل يكاد يكون جراحياً. فعيسى سليمان، باعتباره اسماً مسلماً متَّهماً بتنفيذ الهجمات، جرى تضخيم حضوره؛ أُبرزت هويته، وأشير إلى دينه، وتم تضخيم التهديد الذي يمثله. لقد تحول إلى ذلك الشبح الذي يقتحم بعنف نسيج الحياة المتحضرة.

أما حسين، الضحية المسلم، فقد جرى جعله غير مرئي — مُحي من الوعي العام تماماً.

أحد المسلمين يؤكد القصة التي ترغب بريطانيا في سردها عن نفسها. أما الآخر، فوجوده يعقّد تلك الرواية إلى حد يصعب احتماله.

الإسلاموفوبيا المؤسساتية

“الضحية الغائبة”: كيف أعادت جريمة جولدرز جرين الجدل حول الإسلاموفوبيا؟

سيكون من المريح لو أن الإسلاموفوبيا المؤسساتية تأتي مصحوبة بإشارات تحذير واضحة، كشعارات اليمين المتطرف أو العداء العلني. لكنها نادراً ما تفعل ذلك. بل تأتي في صورة بيان صحفي يذكر ضحيتين بدلاً من ثلاث؛ أو عنوان صحفي يسقط اسماً أثناء التحرير.

وهذا تحديداً ما يجعلها مؤسساتية لا فردية. فلا يوجد صحفي واحد استيقظ صباح ذلك اليوم وقرر أن معاناة حسين لا تستحق الاهتمام. ولم يتخذ أي ضابط شرطة قراراً واعياً بمحو وجوده. بل حدث هذا المحو نتيجة تراكم العادات، ومن خلال رد فعل تلقائي عادي داخل مؤسسات تشبعت بثقافة لم تتعلم قط أن ترى ألم المسلمين باعتباره ألماً يستحق الاعتبار.

ويؤكد تايرر وسيد أن هذه الديناميكية تتجاوز الانقسامات السياسية، من اليسار الليبرالي إلى أقصى اليمين. فـبي بي سي ليست مؤسسة يمينية متطرفة، وشرطة العاصمة ليست مؤسسة فاشية. ومع ذلك، فإن كلتيهما، في تغطيتهما لهذه الجريمة، أعادتا إنتاج هرمية للضحايا يمكن لأي شخص معادٍ للمسلمين أن يتعرف إليها ويوافق عليها.

إن اسم إسماعيل حسين ليس هامشاً. بل هو اختبار. إنه يطرح سؤالاً عمّا إذا كانت بريطانيا قادرة على النظر إلى رجل مسلم تعرّض للطعن، والشعور نحوه بذات التضامن الأخلاقي الغريزي الذي تمنحه للآخرين.

وهذا ليس مصادفة. بل هو بنية قائمة في بريطانيا الحديثة.

وما يثير القلق أكثر في هذه الواقعة ليس حدوثها بحد ذاته، بل مدى اعتياديتها. فلم يُحاسَب أي محرر، ولم يُوبَّخ أي مسؤول إعلامي، ولم يُسأل أي سياسي، ولم تتم مساءلة أي ضابط شرطة.

هذا هو شكل التحيز عندما يتوقف عن كونه استثناءً ويصبح عادة؛ عندما لا يعود بحاجة إلى تبرير لأنه لم يعد بحاجة حتى إلى تفكير. فالإسلاموفوبيا في بريطانيا عام 2026 لا تعلن عن نفسها. هي ليست بحاجة لذلك. لقد ترسخت بعمق داخل المنطق السائد للحياة العامة، حتى أصبحت تعمل بوصفها الوضع الافتراضي.

وهي أيضاً مربحة: سياسياً وثقافياً وتجاريّاً. فالسردية القائمة على الاستقطاب، والتي تُصوّر المسلمين كتهديدات شبحية — لا كضحايا — تجلب النقرات، وتحصد الأصوات الانتخابية، وتملأ ساعات البث. أما كسر هذه السردية عبر ذكر حسين، فسيعني تقويض اقتصاد كامل من الإسلاموفوبيا أصبح، بالنسبة لكثيرين، مفيداً أكثر من أن يتم التخلي عنه.

وإذا استمرت المجتمعات المسلمة في بريطانيا في امتصاص هذا الواقع، وقبول حياة عامة لا تظهر فيها إلا كأشباح خطيرة لا يُسمح لها حتى بالحزن، فإن العواقب ستتجاوز مجرد التغطية السيئة. فمنطق المحو، إذا تُرك بلا مواجهة، يتحرك في اتجاه واحد: نحو مزيد من التبريرات القاسية للتعامل مع مجتمع كامل بوصفه مشكلة يجب إدارتها، لا شعباً ينبغي الاستماع إليه.

إن اسم إسماعيل حسين ليس هامشاً. إنه اختبار. إنه يسأل ما إذا كانت بريطانيا قادرة على النظر إلى رجل مسلم تعرّض للطعن، والشعور نحوه بذات التضامن الأخلاقي الفوري الذي تمنحه للآخرين. وحتى الآن، تبدو الإجابة المطروحة: لا.

المصدر: ميدل إيست آي


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 7 May 2026
في خطوة تعكس تصاعد التوتر بين الشرطة البريطانية والحركات المتضامنة مع فلسطين، تقدّم ائتلاف يضم أبرز المنظمات الداعمة لفلسطين في بريطانيا بشكوى قانونية ضد مفوض شرطة العاصمة لندن، متهمًا إياه بإطلاق تصريحات "مضللة وتمييزية" لتشويه المظاهرات المؤيدة لفلسطين وربطها بمعاداة…
𝕏 @alarabinuk · 7 May 2026
"بإمكانك الدفاع عن الشعب الفلسطيني دون أن تكون معاديًا للسامية.." في رد حاسم على حملات التشويه التي تستهدف حزب "الخضر"، خرج زعيم الحزب زاك بولانسكي ليضع النقاط على الحروف، مؤكدًا أن انتقاد جرائم الحكومة الإسرائيلية هو واجب أخلاقي لا علاقة…
𝕏 @alarabinuk · 7 May 2026
ساعاتٌ قليلة وتُغلقُ مراكز الاقتراع.. هل أنت مستعد؟ لخصنا لك أهم ما تحتاج إلى معرفته في هذا اليوم السياسي الحاسم؛ لضمان مشاركتك بالطريقة الصحيحة، وتجنب الأخطاء الشائعة التي قد تعيق تصويتك. 👇🏻 للاطلاع على التفاصيل الكاملة عبر الرابط: https://alarabinuk.com/?p=224430 #العرب_في_بريطانيا…
𝕏 @alarabinuk · 7 May 2026
"صوتك يصنع الفرق.." في يوم الانتخابات المحلية البريطانية، يشدد عدنان حميدان على محورية المشاركة العربية الفاعلة؛ لما لها من دورٍ حاسم في حماية شؤون العرب المصيرية، وهزيمة الأهداف العنصرية لحزب "الريفورم". #شاهد 👇🏻 #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←