إسلام الملك تشارلز: حين يصبح “الإنصاف” جريمة في نظر المتطرفين!
من الغريب جداً أن نعيش في زمن يُحارب فيه الإنسان لا لأنه أخطأ، بل لأنه قال كلمة حق!
وهذا بالضبط ما يواجهه الملك تشارلز الثالث اليوم من هجوم شرس وغير مبرر من أنصار اليمين المتطرف، الذين يبدو أنهم فقدوا صوابهم بمجرد أن رأوا ملكاً يحترم الإسلام ويقدر تاريخه، فقرروا تحويله إلى هدف لسهام تحريضهم وكراهيتهم.
أكذوبة خطاب “عيد الفصح”.. صناعة الأزمة من العدم
بدأت فصول هذه المسرحية الهزلية بمحاولة يائسة لاختراع أزمة من لا شيء.
روجت منصات إعلامية وقنوات تحث على الكراهية، وعلى رأسها قناة GB News، أن الملك “تخلى عن واجباته تجاه المسيحيين” لأنه لم يلقِ خطاباً في عيد الفصح المسيحي. حاول هؤلاء تصوير الأمر وكأن الملك يبتعد عن كنيسته مقابل “الانحياز للمسلمين” والظهور في أعيادهم، وهي مقارنة ظالمة ومضللة تماماً.
الحقيقة البسيطة التي يعرفها أي مطلع على البروتوكول الملكي هي أن ملوك بريطانيا لم يعتادوا إلقاء خطاب في عيد الفصح؛ فهذا ليس تقليداً رسمياً أصلاً. فالملكة الراحلة إليزابيث الثانية، طوال فترة حكمها التي استمرت 70 عاماً، لم تلقِ سوى خطاب واحد استثنائي في الفصح كان خلال أزمة كوفيد-19.
لكن المتطرفين لا تهمهم الحقائق التاريخية؛ هم فقط يبحثون عن أي “شماعة” لضرب الملك وتأجيج مشاعر الكراهية ضد الوجود الإسلامي في بريطانيا.
السبب الحقيقي وراء هذا الجنون اليميني ليس عيد الفصح، بل هو “فوبيا الحقيقة”.
لقد نبش هؤلاء في الأرشيف ليعيدوا نشر فيديو للملك من عام 1993، حين كان أميراً لويلز، قال فيه بإنصاف بليغ: “الإسلام جزء من ماضينا وحاضرنا.. لقد ساهم في تشكيل أوروبا الحديثة، ويعلّمنا دروساً ربما فقدتها المسيحية”.
هذه العبارات، التي تعكس عقلاً مثقفاً يقرأ التاريخ بعمق، تحولت في يد غلاة اليمين ومروجي نظريات المؤامرة إلى “دليل إدانة”. لقد جن جنونهم لأن الملك يرى في الإسلام رافداً حضارياً لا عدواً وجودياً، فبدأوا بترويج إشاعات مضحكة تدعي أن “الملك اعتنق الإسلام سراً ويخفيه تقية”.
ووصل الأمر ببعض الحسابات المتطرفة إلى حصد ملايين المشاهدات عبر عناوين كاذبة تدعي أن “رأس الكنيسة الأنجليكانية أصبح مسلماً”، فقط لأنه أنصف ديناً يتبعُه مليارات البشر.
تحالف دولي للكراهية.. من لندن إلى نيويورك
لم يقتصر الأمر على نشطاء الإنترنت، بل انزلق سياسيون “يفترض” أنهم عقلاء في هذا الوحل. السياسية البريطانية ومرشحة حزب المحافظين لمنصب عمدة لندن سوزان هول، خرجت لتزايد على الملك في مسيحيته، مدعية أن خطابه في الفصح كان “ضرورياً” لأن المسيحيين يشعرون بالتهميش! وكأن الملك هو المسؤول عن أزماتهم السياسية.
والأدهى من ذلك هو دخول “جوقة التحريض” الأمريكية على الخط، حيث استغل أنصار دونالد ترامب الموقف لمهاجمة الملك.
فقد خرج السياسي الأمريكي سيء السمعة رودي جولياني، عمدة نيويورك السابق الذي سُحبت منه رخصة المحاماة لسوء سلوكه، ليقول بكل وقاحة في مقابلة مع بيرس مورغان إن تشارلز قد يصبح “ملكاً مسلماً”، ملمحاً إلى أن الإسلام يسيطر على إنجلترا.
هذا التحالف بين اليمين المتطرف البريطاني والصهاينة وأذناب ترامب يثبت أن المعركة ليست ضد “تقصير ملكي” مزعوم، بل هي حرب على أي صوت يدعو للتعايش والاحترام المتبادل.
إن الملك تشارلز اليوم يُستخدم كمجرد أداة لموجة كراهية غير مسبوقة. لقد كان منصب الملك دائماً بعيداً عن هجمات اليمين المتطرف، لكن بمجرد أن تعلقت المسألة بالإسلام، سقطت كل “الحصانات”. لقد أثبت هؤلاء أن ولاءهم ليس للتاج ولا للدولة، بل لأجنداتهم الإقصائية. إنهم يكرهون الملك ليس لأنه قصّر في مهامه، بل لأنه رفض أن يكون جزءاً من جوقة التحريض ضد المهاجرين والمسلمين، واختار بدلاً من ذلك أن يكون ملكاً لجميع البريطانيين بمختلف أديانهم.
ماذا لو فعلها الملك فعلاً؟
ختاماً، دعونا نحاكي خيال هؤلاء المريض قليلاً ونطرح السؤال الذي يخشونه: لو استيقظ العالم غداً على إعلان الملك تشارلز اعتناقه الإسلام رسمياً – وهو أمر غير صحيح ومجرد وهم في عقولهم – فماذا سيحدث لهؤلاء المحرضين؟
أكاد أجزم أننا سنشهد حالة من “السكتة القلبية الجماعية” في استوديوهات GB News ومكاتب اليمين المتطرف. ستنفجر عروق أولئك الذين يقتاتون على إشعال الفتن كراهيةً وكمداً، لأنهم سيفقدون آخر حصونهم في محاربة الآخر.
الحقيقة التي يجب أن تصفع وجوههم هي أن الملك ليس مسلماً، ولكنه “إنسان منصف”، وهذه في نظرهم “خيانة” أعظم من أي شيء آخر. سيظل الملك في قصره يمارس حكمته، وسيبقى الإسلام ديناً عظيماً ساهم في بناء الحضارة الإنسانية، أما هؤلاء المحرضون، فلن يذكرهم التاريخ إلا كأدوات فاشلة حاولت حجب ضوء الشمس بغربال من الأكاذيب.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇
