العرب في بريطانيا | البيوت أسرار.. لماذا يجب احترام خصوصية الآخرين ...

البيوت أسرار لا تُروى.. «حدّثني جدّي»

البيوت أسرار لا تُروى.. «حدّثني جدّي»
أميرة عليان تبلو أغسطس 13, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

حدّثني جدي ذات مساء، وكان للكلمات في فمه وقار السنين، فقال لي: «يا ابنتي، البيوت أسرار، فلا تفتحي بابًا أُغلق، ولا تسألي عن حكايةٍ اختار أهلها أن يدفنوها خلف الجدران».

يومها لم أفهم تمامًا ما أراد، لكنني كلما كبرت، فهمت أن البيوت ليست جدرانًا وسقوفًا وأبوابًا؛ البيوت أرواحٌ تتجاور، وقلوبٌ تتعب، ودموعٌ تُمسح قبل أن يراها أحد، وضحكاتٌ قد تكون أحيانًا ستارًا فوق وجعٍ عميق.

ولذلك قال الأولون: «البيوت أسرار»، وقالوا أيضًا: «من دخل بيتًا فقد دخل سترًا»؛ لأن البيت موضع أمان، وما يُقال خلف بابه لا ينبغي أن يُحمل إلى خارجه.

في كل بيت حكاية لا يعرفها الجيران، ووجع لا تراه العيون، ونعمة يخشى أهلها عليها من عينٍ لا ترحم. قد ترى بيتًا مضيئًا، وأهله يبتسمون في المناسبات، فتظن أن السعادة أقامت فيه إلى الأبد، ولا تدري أن بين جدرانه قلبًا يبكي بصمت. وقد ترى بيتًا متواضعًا، أثاثه قليل، وأبوابه قديمة، لكن المودة فيه أغنى من قصور كثيرة.

ومن أمثال العرب ما يختصر هذا المعنى: «الناس للناس، والكل بالله»، و«كل بيت وله حكاية». فليس من الحكمة أن نحكم على البيوت من نوافذها، ولا على أصحابها من لحظات عابرة.

كم من امرأةٍ تضحك أمام الناس، ثم إذا أغلقت باب غرفتها بكت حتى نامت. وكم من رجلٍ يبدو قويًا في الخارج، يحمل فوق كتفيه ما لو وُزّع على قلوب كثيرة لأثقلها. وكم من أمٍّ تخفي تعبها حتى لا يشعر أبناؤها، وكم من أبٍ يصمت عن خوفه حتى يظل في أعين أسرته جبلًا لا يهتز.

لهذا كان من الأدب ألا نفتش في حياة الآخرين. ليس كل ما نعرفه يجب أن نقوله، وليس كل ما نراه يحق لنا أن نفسره، وليس كل سرٍ يصل إلينا يصبح ملكًا لنا.

«إذا كان الكلام من فضة، فالسكوت من ذهب»؛ لأن الصمت في بعض المواضع ليس عجزًا عن الكلام، بل شرفٌ يمنع الإنسان من أن يجعل حياة الآخرين مادةً للحديث.

والبيوت تشبه الكتب؛ لكل بيت فصوله التي لا يقرأها إلا أهله. هناك صفحات من الفرح، وصفحات من الخلاف، وصفحات من الفقد، وصفحات كتبها المرض، وأخرى كتبها الانتظار. وقد يكون في الكتاب فصلٌ موجع، لكن ذلك لا يعني أن القصة كلها حزينة.

ومن أعظم الأخطاء أن نحكم على بيتٍ من مشهد واحد. فالذي رأى زوجين يختلفان لا يعرف كم مرةً وقف أحدهما إلى جانب الآخر. والذي رأى ابنًا غاضبًا من أبيه لا يعرف كم ليلةً سهر الأب من أجل مستقبله. والذي سمع كلمةً قاسية لا يعرف كم كلمة حب قيلت قبلها ولم يسمعها أحد.

ثم إن لكل بيتٍ بابًا، والباب في الحكمة ليس خشبًا ومفتاحًا فحسب؛ إنه حدٌّ بين ما يجوز أن نعرفه وما يجب أن نحترمه.

لذلك كان الكبار يقولون: «لا تدخل بين البصلة وقشرتها»، في إشارة إلى أن بعض الأمور لا ينبغي للإنسان أن يتدخل فيها، لأن ظاهرها شيء، وباطنها شيء آخر. ويقال أيضًا: «لا تحكم على الكتاب من غلافه»؛ فما أكثر ما تخدعنا المظاهر، وما أقل ما نعرفه عن الحقيقة.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان هو أن يكون أمينًا على الأسرار. فإذا ائتمنك أحد على وجعه، فلا تحوّله إلى حكاية. وإذا حدثك عن بيته، فلا تجعل حديثه مادةً للمجالس. وإذا رأيت خلافًا بين اثنين، فلا تكن قاضيًا في قصة لا تعرف بدايتها.

فليست الرجولة أن تعرف أسرار الناس، بل أن تعرفها ثم تصونها. وليس النبل أن تستطيع كشف المستور، بل أن تملك القدرة على ستره.

وفي النهاية، تذكرت كلام جدي، وفهمت أن حكمته لم تكن عن البيوت وحدها، بل عن الإنسان نفسه.

فالإنسان أيضًا بيت.

في داخله غرفٌ لا يفتحها لأحد، ونوافذ تطل على ذكريات بعيدة، وأبواب أغلقها الألم، وأخرى لا يفتحها إلا لمن أحب. وفي داخله حكايات لو عرفها الناس كاملة، لربما غيّروا أحكامهم عليه.

لذلك، قبل أن نحكم على بيتٍ أو إنسان، لنتذكر وصية جدي:

«يا ابنتي، البيوت أسرار… فاحفظي ما أُودع عندك، ولا تفتشي عما ستره الله عنك؛ فإن بعض الأبواب إذا فُتحت، لم تعد البيوت بعدها بيوتًا».

ولعل أجمل البيوت ليست تلك التي تخلو من الخلاف، بل تلك التي تعرف كيف تحفظ الودّ رغم الخلاف، وكيف تستر الضعف، وتغفر الزلات، وتعود بعد كل عاصفة إلى دفء المائدة نفسها.

فالبيت الحقيقي ليس المكان الذي لا تحدث فيه العواصف، بل هو المكان الذي يعرف أهله كيف يغلقون النوافذ، ثم يجلسون معًا حتى تمرّ العاصفة.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
"الحرية لفلسطين" تقتحم التغطية المباشرة لشبكة "سكاي نيوز" أثناء نقل كسوف الشمس من كورنوال يوم أمس الأربعاء. #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
📢 إذا كنت طالبًا فلسطينيًا وتطمح للدراسة في بريطانيا، فلا تفوّت هذا اللقاء. تنطلق في لندن منصة FURSA UK، وهي مبادرة تُعنى برصد المنح الدراسية المتاحة للطلبة الفلسطينيين في الجامعات البريطانية، إلى جانب تقديم خدمات وإرشادات أكاديمية تساعد الطلبة في…
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
"مرحبًا بالظلام يا صديقي القديم.." صور الكسوف الشمسي الذي شهدته بريطانيا وأجزاء من أوروبا تتصدر عناوين الصحف البريطانية الصادرة اليوم، إلى جانب ملفات مناخية بارزة. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف: https://alarabinuk.com/?p=240877 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 13 أغسطس 2026
أبرز الموضوعات التي يمكنكم متابعتها اليوم عبر موقعنا الرسمي ومنصاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي 📰 🌐 https://Alarabinuk.com #العرب_في_بريطانيا #AUK #أخبار #نشرة_الأخبار #بريطانيا
عرض المزيد على X ←