بريطانيا تلوّح بالحظر.. لكن كم تستورد من المستوطنات؟
تلوّح حكومة آندي بيرنهام بحظر التجارة في السلع مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن سؤالًا أساسيًا يسبق تقييم أثر القرار المحتمل: كم تستورد بريطانيا من هذه المستوطنات أصلًا؟
الإجابة القصيرة هي أن الحكومة لا تنشر رقمًا دقيقًا.
فالإحصاءات الرسمية تقيس تجارة بريطانيا مع إسرائيل، وتصدر تقديرات منفصلة محدودة للتجارة مع الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكنها لا تكشف قيمة السلع التي تصل تحديدًا من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وهذا الغياب ليس تفصيلًا إحصائيًا صغيرًا، بل ثغرة ستحدد ما إذا كان الحظر المرتقب قابلًا للتنفيذ، أم سيبقى قرارًا سياسيًا قويًا في عنوانه وهشًا عند بوابة الجمارك.
حكومة بيرنهام تتعهد بالتحرك
قال وزير شؤون الشرق الأوسط ستيفن داوتي إن الحكومة البريطانية “واضحة تمامًا” في إدانتها للتوسع الاستيطاني غير القانوني وعنف المستوطنين، مؤكدًا أنها تدرس اتخاذ مزيد من الإجراءات، بما في ذلك تدابير لحظر تجارة السلع مع المستوطنات غير القانونية.
وجاء تصريحه بعد إعلان وزير الخارجية إد ميليباند أن الحكومة ستطرح خلال الأسابيع المقبلة حزمة “شاملة” من الإجراءات ردًا على التوسع الاستيطاني ومشروع E1 شرق القدس المحتلة.
وكان رئيس الوزراء آندي بيرنهام قد أعلن، قبل دخوله داونينغ ستريت، أنه ينظر في إجراءات لحظر تجارة السلع مع المستوطنات. لكن الحكومة لم تنشر حتى الآن نص القرار أو نطاقه، ولم توضح ما إذا كان سيقتصر على الواردات، أم سيشمل الصادرات والخدمات والاستثمارات أيضًا.
تجارة بـ5.9 مليار باوند

وفق أحدث بيانات وزارة الأعمال والتجارة البريطانية، بلغت قيمة تجارة السلع والخدمات بين بريطانيا وإسرائيل 5.9 مليار باوند خلال الاثني عشر شهرًا المنتهية في مارس/آذار 2026، بانخفاض قدره 2 في المئة مقارنة بالفترة السابقة.
وبلغت الصادرات البريطانية إلى إسرائيل 3.5 مليار باوند، بينما سجلت الواردات البريطانية من إسرائيل 2.4 مليار باوند، منها نحو 1.2 مليار باوند من السلع.
وبذلك جاءت إسرائيل في المرتبة الثالثة والأربعين بين أكبر الشركاء التجاريين لبريطانيا، وشكلت 0.3 في المئة من إجمالي التجارة البريطانية.
وتصدرت الخضراوات والفواكه قائمة السلع المستوردة من إسرائيل بقيمة 108 ملايين باوند، تلتها مصنوعات المعادن بقيمة 105.4 مليون، ثم الأدوات العلمية بقيمة 64.1 مليون باوند.
لكن هذه الأرقام لا تجيب عن السؤال الأصعب: أي جزء منها صُنع أو زُرع داخل إسرائيل، وأي جزء جاء من مستوطنة مقامة على أرض محتلة؟
رقم مفقود في الإحصاءات
تقر مكتبة مجلس العموم بصعوبة الحصول على أرقام دقيقة للتجارة البريطانية مع الأراضي الفلسطينية المحتلة أو المستوطنات، بسبب خضوع الضفة الغربية لاتحاد جمركي مع إسرائيل وتشابك الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي.
وقدرت الحكومة البريطانية قيمة التجارة المسجلة مع الأراضي الفلسطينية المحتلة بنحو 38 مليون باوند خلال عام 2025، منها 27 مليونًا في الخدمات و11 مليونًا في السلع.
لكن هذا الرقم لا يفصل بين المنتجات الفلسطينية والسلع المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية داخل الأراضي المحتلة. فبسبب تشابك الاقتصادين الفلسطيني والإسرائيلي وخضوعهما لنظام جمركي واحد تسيطر عليه إسرائيل، لا تكشف الإحصاءات العامة بوضوح عن المنتجات الفلسطينية، والمنتجات الإسرائيلية، والمنتجات القادمة من المستوطنات.
ولهذا نعرف أن بريطانيا استوردت سلعًا بقيمة 1.2 مليار باوند من إسرائيل، وأن التجارة المسجلة مع الأراضي الفلسطينية المحتلة بلغت 38 مليونًا، لكننا لا نعرف كم استوردت تحديدًا من المستوطنات.
وتعني هذه الفجوة أن الحكومة لا تستطيع، استنادًا إلى البيانات المنشورة، تحديد حجم التجارة التي سيطالها الحظر أو تقدير خسائر المستوطنات والشركات البريطانية الناجمة عنه.
ما الفرق بين الوضع الحالي والحظر؟
لا تتمتع السلع المنتجة في المستوطنات حاليًا بالتعريفة التفضيلية الممنوحة للمنتجات الإسرائيلية بموجب اتفاقية التجارة بين بريطانيا وإسرائيل.
ويُفترض أن تتضمن وثائق السلع التي تطلب المعاملة الجمركية التفضيلية مكان إنتاجها، لإثبات أنها لم تُنتج في الأراضي التي خضعت للإدارة الإسرائيلية بعد يونيو/حزيران 1967.
لكن استبعاد المنتج من الإعفاء الجمركي لا يعني منعه من دخول بريطانيا؛ إذ يمكن استيراده بعد دفع الرسوم الكاملة. أما الحظر الذي تدرسه حكومة بيرنهام فسيذهب خطوة أبعد، بمنع التجارة بالسلعة نفسها بصرف النظر عن الرسوم المستحقة عليها.
كذلك تنصح التوجيهات الحكومية الحالية الشركات البريطانية بشدة بعدم إجراء معاملات مالية أو استثمارات أو مشتريات أو أنشطة اقتصادية، بينها السياحة، داخل المستوطنات أو لمصلحتها.
غير أن هذه التوجيهات تظل نصيحة لا حظرًا ملزمًا، ولا تفرض عقوبة تلقائية على الشركات التي تتجاهلها.
هل يمكن فصل المستوطنات عن إسرائيل تجاريًا؟

تقول الحكومة إنها تريد معاقبة النشاط الاستيطاني، مع حماية التجارة المشروعة مع الشركات والأفراد داخل إسرائيل وفق خطوط عام 1967. ويبدو هذا الفصل واضحًا على الخريطة، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا داخل سلاسل التوريد والفواتير وشهادات المنشأ.
فالمنتج قد يمر عبر شركة مسجلة داخل إسرائيل، أو يُعبأ مع منتجات أخرى، أو يُصدر من مقر الشركة بدل موقع إنتاجه الفعلي. ولذلك لن يتوقف نجاح الحظر على صياغة القانون فقط، بل على قدرة هيئة الضرائب والجمارك البريطانية على تتبع مكان الإنتاج والتحقق من الوثائق.
وقد ظهرت هذه المشكلة بالفعل مع اتهامات لهيئة الضرائب والجمارك بالتساهل مع سلع زراعية يُشتبه في أنها جاءت من المستوطنات، بعدما سُجلت باعتبارها منتجات إسرائيلية واستفادت من معاملة جمركية تفضيلية.
أثر اقتصادي محدود أم خطوة سياسية كبيرة؟
لا تعني قيمة التجارة البريطانية الإسرائيلية البالغة 5.9 مليار باوند أن هذا المبلغ سيكون معرضًا للحظر. فالإجراء المطروح يستهدف جزءًا مجهول الحجم من تجارة السلع، وليس التجارة مع إسرائيل كلها.
ولذلك لا تدعم البيانات المتاحة الادعاء بأن الحظر المحدد للمستوطنات سيحدث صدمة واسعة في الاقتصاد البريطاني أو يوقف العلاقات التجارية مع إسرائيل. لكنها لا تسمح أيضًا باعتبار أثره هامشيًا؛ لأن حجم التجارة المستهدفة غير معروف أصلًا.
وقد تكون أهمية القرار سياسية وقانونية أكبر من قيمته المالية المباشرة، إذ سينقل الموقف البريطاني من عدم منح المستوطنات مزايا جمركية وتوجيه النصائح للشركات إلى حظر ملزم يميز قانونيًا بين إسرائيل والأراضي التي احتلتها عام 1967.
لكن صدقية الخطوة ستعتمد على التفاصيل التي لم تعلنها الحكومة بعد: ما تعريف الصلة بالمستوطنة؟ وهل يشمل الحظر الشركات التي يقع مقرها داخل إسرائيل وتعمل في المستوطنات؟ ومن يتحمل عبء إثبات المنشأ؟ وما العقوبة على تقديم بيانات مضللة؟
قبل الإجابة عن هذه الأسئلة ونشر تقدير أساسي لحجم التجارة المستهدفة، ستظل بريطانيا تستعد لحظر تجارة لا تعرف قيمتها على وجه الدقة. فالخط الأحمر السياسي رُسم، لكن دفتر الحسابات لا يزال ضبابيًا.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇