هل تتحرك بريطانيا ضد “إكس” وماسك بعد أحداث بلفاست؟
بينما تتصاعد الضغوط على الحكومة البريطانية للتحرك ضد المحتوى المحرض على العنف عبر الإنترنت، يبدو أن منصة “إكس” (X)، المملوكة لإيلون ماسك، لن تواجه أي إجراء رسمي فوري، رغم الاتهامات المتزايدة بدورها في تأجيج التوترات التي سبقت أعمال العنف في بلفاست.
ففي الوقت الذي تعهد فيه رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بملاحقة كل من يسهم في تغذية الانقسام، لا تزال الآليات التنظيمية القائمة تمنح المنصة مهلة قد تمتد لشهرين قبل أي مساءلة محتملة.
وجاء ذلك بعد اضطرابات عنيفة استهدفت أفرادًا من الأقليات العرقية، أعادت إلى الواجهة أسئلة ملحة عن مسؤولية المنصات الرقمية، وحدود حرية التعبير، وقدرة الدولة على التدخل قبل انتقال التحريض من الشاشات إلى الشوارع.
“إكس” خارج دائرة العقوبات الفورية

رغم موجة الانتقادات التي طالت منصة “إكس” ومالكها، لن تُجبر المنصة على إزالة المنشورات المحرضة على العنف قبل مرور شهرين على الأقل.
وتترقب هيئة تنظيم الإعلام البريطانية “أوفكوم” (Ofcom) أول تقرير فصلي عن مدى التزام المنصة بالقواعد الجديدة، في حين تعتزم الحكومة تعديل قانون السلامة على الإنترنت لإلزام شركات التواصل الاجتماعي بالتعامل بسرعة أكبر مع المحتوى التحريضي خلال الأزمات.
غير أن هذه التعديلات لن تدخل حيز التنفيذ قبل منتصف تموز/يوليو على أقرب تقدير.
بلفاست… من الاحتجاج إلى العنف

شهدت بلفاست ومحيطها أعمال عنف اندلعت بعدما أقدمت حشود، ضمت رجالًا ملثمين، على إحراق مركبات ومنازل وإغلاق طرق.
وكان أفراد من الأقليات العرقية هدفًا مباشرًا لتلك الاعتداءات، في ما وصفه أحد نواب أيرلندا الشمالية بأنه “مذبحة قائمة على أساس عرقي“.
وفي أعقاب تلك الأحداث، تعهد ستارمر باتخاذ إجراءات صارمة بحق كل من يسهم في تأجيج الانقسام، مؤكدًا أن مشاهد الفوضى والعنف لا يمكن تبريرها تحت أي ظرف.
قضية هادي العوضيد

تصاعد التوتر مجددًا بعد توجيه اتهامات إلى اللاجئ السوداني هادي العوضيد، البالغ من العمر 30 عامًا، بمحاولة قتل ستيفن أوغيلفي.
وخلال مثوله أمام محكمة الصلح في بلفاست، وُجهت إليه أيضًا تهم تتعلق بالتهديد بالقتل بحق اختصاصي أشعة يعمل في هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، إضافة إلى حيازة سكين.
لكن عائلة أوغيلفي، الذي فقد عينه اليسرى جراء الاعتداء، رفضت أن تتحول المأساة إلى وقود لمزيد من الفوضى.
وقالت، في بيان شاركته عبر فيليب بريت، عضو الجمعية التشريعية عن الحزب الديمقراطي الوحدوي: “الاضطرابات التي شهدناها غير مرحب بها، والاحتجاج السلمي هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا“.
وأضافت: “المهاجرون يقدمون إسهامات مهمة في قطاعي الرعاية الصحية والضيافة، ونحن نعتمد عليهم في استمرار عمل بلادنا. ولا نريد لهذه المأساة أن تُستغل لتقسيم الناس أو تأجيج العداء بينهم“.
شهادات من قلب الخوف

من بين الذين اضطروا إلى مغادرة منازلهم، عاملتا رعاية صحية من أوغندا، نجتا بعد تدخل راعي كنيسة أقنع مثيري الشغب بالسماح لهما بالمغادرة.
وروت سمية ناكازيبوي ما وصفته بـ“التجربة المرعبة“، قائلة إنها وزميلتها ستيلا أريوكوت ظلتا محاصرتين داخل المنزل، في حين تجمعت الحشود في الخارج واشتعلت النيران في منازل مجاورة.
وأضافت: “من يشارك في أعمال الشغب لا يدرك أن الشخص الذي يستهدفه قد يكون هو نفسه من يتولى رعاية والدته أو جدته“.
ماسك ينفي… والانتقادات تتصاعد

رفض إيلون ماسك الاتهامات التي تحمله مسؤولية التحريض على الاضطرابات.
وعبر منصة “إكس“، أعاد نشر منشورات اعتبرت أن “سياسات الهجرة الجماعية غير المنضبطة والحدود المفتوحة” هي السبب الحقيقي وراء تصاعد التوترات، لا وسائل التواصل الاجتماعي.
كما أعاد نشر تصريحات سابقة قال فيها إن العنف أصبح «أمرًا لا مفر منه»، وإن على الناس أن “يقاوموا، وإلا فسيكون مصيرهم الهلاك“.
وفي المقابل، اتهمت شخصيات سياسية بريطانية ماسك وآخرين محسوبين على اليمين المتطرف، من بينهم تومي روبنسون، بالمساهمة في تأجيج الأجواء عبر الإنترنت.
الهجرة… بين الأمن والتحريض

حذر نيل باسو، القائد الوطني السابق لمكافحة الإرهاب، من أن التحريض المرتبط بملف الهجرة يمثل أكبر تهديد للأمن القومي في بريطانيا حاليًا.
وقال: “الطريقة التي نتحدث بها عن الهجرة تؤجج العنف في الشوارع، كما تتغذى على وسائل التواصل الاجتماعي. السود والملونون يعيشون حالة خوف، وما يريده المتطرفون هو بريطانيا بيضاء“.
في المقابل، رأى جوناثان هول، المراجع المستقل لتشريعات الإرهاب، أن من المشروع مناقشة الهجرة من منظور الأمن القومي، مؤكدًا أن القلق في هذا السياق أمر مفهوم.
تحذيرات من التحريض الرقمي

اتهمت وزيرة العدل في أيرلندا الشمالية، ناعومي لونغ، جهات “سيئة النية” باستغلال مخاوف الناس وتحويلها إلى قضية معادية للهجرة.
وقالت إن بعض الأصوات التي تحرض عبر الإنترنت “كانت ستجد صعوبة في تحديد موقع بلفاست على الخريطة“.
وأضافت: “عندما تُجبر الناس على مغادرة منازلهم بسبب لون بشرتهم، فلا يمكن وصف ذلك إلا بأنه عنصرية“.
كما حذرت آنا تورلي، الوزيرة في مكتب مجلس الوزراء ورئيسة حزب العمال، من أن أطرافًا بعيدة عن المجتمعات المتضررة تسهم في تأجيج التوترات من خلف الشاشات.
هل تأخر الرد البريطاني؟

انتقد إد ديفي، زعيم حزب الديمقراطيين الأحرار، بطء الإجراءات المتخذة بحق منصة “إكس“.
وقال لصحيفة الغارديان: “النظام الحالي غير صالح. فهو قائم على التأجيل تلو التأجيل، بما يسمح للمنصات بالإفلات من مسؤولياتها لفترات طويلة قبل أن تتحرك أوفكوم“.
وردًا على ذلك، أكد ستارمر أن حكومته “ستتخذ إجراءات صارمة بحق كل من يسهم في تأجيج هذا الانقسام“، فيما نبه متحدث باسمه على أنه “لن يتردد” في اتخاذ خطوات إضافية إذا اقتضت الضرورة.
من الشاشات إلى الشوارع

تكشف أحداث بلفاست عن معضلة متزايدة تواجه بريطانيا: كيف يمكن حماية حرية التعبير، من دون السماح بتحول المنصات الرقمية إلى ساحات للتحريض ونشر الكراهية؟
وفي وقت تتسارع فيه وتيرة انتشار المحتوى عبر الإنترنت، يبدو أن قدرة المؤسسات على التدخل بالسرعة الكافية أصبحت موضع اختبار حقيقي.
ويبقى السؤال مطروحًا: هل تتحرك بريطانيا ضد منصة “إكس” وإيلون ماسك قبل أن يتحول التحريض الرقمي إلى موجات جديدة من العنف على الأرض؟
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇