العرب في بريطانيا | محاولات ترحيل متكررة لرجل متزوج من بريطانية تكل...

محاولات ترحيل متكررة لرجل متزوج من بريطانية تكلّف الحكومة آلاف الباوندات

محاولات ترحيل متكررة لرجل متزوج من بريطانية تكلّف الحكومة آلاف الباوندات
رؤى يوسف يونيو 5, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

تشن وزارة الداخلية البريطانية (Home Office) حملة إبعاد شرسة ومكلفة للغاية لترحيل مهاجر يدعى “عمر”، وهو رجل متزوج من مواطنة بريطانية وله ابن يحمل الجنسية البريطانية، على الرغم من أن سجله القضائي لا يحتوي سوى على عقوبة واحدة غير سالبة للحرية صدرت بحقه قبل تسع سنوات.

ورغم التقارير الطبية التي أكدت مروره بأزمة نفسية حادة واشتراط مصلحة السلوك القضائي بأن احتمالية عودته للجريمة منخفضة، أصرت الحكومة البريطانية على إبعاده قسراً، في عملية استنزفت مئات الآلاف من باوندات دافعي الضرائب البريطانيين، وأثارت تساؤلات حقوقية وقانونية كبرى حول مدى إنسانية الإجراءات المتبعة.

تفاصيل التكلفة الباهظة لحملة ترحيل عمر الحكومية

قبل عام واحد فقط، كان عمر (40 عاماً، اسم مستعار) يعيش في بريطانيا مع زوجته البريطانية، مدفوعاً برغبة صادقة في أن يكون سنداً حاضراً ودائماً لابنه البالغ من العمر 10 سنوات (من زواجه الأول)، وهو مواطن بريطاني.

لكن اليوم، يجد عمر نفسه وحيداً في مصر، معزولاً عن عائلته جراء إصرار الداخلية البريطانية على ترحيله.

وتشير تقديرات صحيفة “الغارديان” (The Guardian) البريطانية إلى أن الفاتورة الإجمالية لعملية الإبعاد كلفت دافعي الضرائب مئات الآلاف من الباوندات، وتضمنت البنود التالية:

  • الاحتجاز الإداري: قضى 8 أشهر في مركز احتجاز المهاجرين بتكلفة تبلغ نحو 150 باوند يومياً (بإجمالي 36,000 باوند تقريباً).
  • الحبس الانفرادي: وضعه في زنازين العزل لفترات ممتدة لتأمين بقائه حياً حتى موعد الطيران.
  • الحراسة المشددة: زيادة أعداد أفراد الأمن والموظفين للإشراف عليه ومراقبته على مدار الساعة.
  • الطيران الخاص: استئجار طائرتين خاصتين جرى إلغاؤهما في اللحظات الأخيرة بسبب مقاومته، قبل الاستعانة بطائرة خاصة ثالثة نقلته إلى مصر.
  • الطاقم الطبي: توفير أطباء ومرافقين صحيين على متن الرحلة الجوية.
  • المعارك القانونية: تغطية التكاليف القانونية الباهظة لمواجهة الطعون القضائية التي رفعها محامو عمر أمام المحكمة العليا.

طبيعة المخالفة القانونية: قرار ترحيل إداري لا جنائي

محاولات ترحيل متكررة لرجل متزوج من بريطانية تكلّف الحكومة آلاف الباوندات
عمر التقى بزوجته الإنجليزية الأولى أثناء إدارته لعمل سياحي ناجح في شرم الشيخ. (تصوير: لوكي فوتوغرافير/ ألامي Alamy)

يثير هذا الإصرار الحكومي تساؤلات منطقية حول السبب؛ فمن المفهوم أن تتخذ الدولة هذه الإجراءات الصارمة والمكلفة إذا كان الشخص مجرماً خطيراً أو مكرراً للجرائم، لكن واقع الحال يوضح أن عمر لديه إدانة واحدة فقط تعود إلى أغسطس 2017، ولم يُحكم عليه بالسجن الفعلي بسببها، بل اعتبرت هيئة السلوك والإصلاح أن خطر عودته للجرائم منخفض للغاية.

كما صنفت الداخلية قرار إبعاده بأنه “إبعاد إداري” وليس “ترحيلاً جنائياً”، مما يعكس الطبيعة البسيطة للمخالفة.

وتعود القصة إلى ما قبل عقد من الزمان؛ حيث كان عمر يدير عملاً تجارياً ناجحاً في قطاع السياحة بمدينة شرم الشيخ في مصر، ويتحدث عدة لغات (الإنجليزية، والروسية، والإيطالية).

هناك التقى بامرأة إنجليزية، نشأت بينهما علاقة وحملت منه، فتزوجا في مصر ووافق على الانتقال معها إلى بريطانيا عام 2016 بموجب تأشيرة زيارة، لكنه تخلف عن المغادرة بعد انقضاء مدتها.

عقب فشل زواجه الأول في 2017، مرّ عمر بفترة نفسية سيئة للغاية وصفها بـ “الجنونية” استمرت شهراً، ودفعته لتصرفات لا تشبه طبيعته؛ حيث تناول مواد مخدرة وكحولية لأول مرة في حياته عبر أشخاص التقاهم في صالة الألعاب الرياضية.

وفي إحدى المرات، وتحت تأثير المخدر، استقل حافلة ونزع بنطاله أثناء نومه دون الوعي بما يفعل.

ورغم أن تسجيلات الكاميرات أظهرت أنه كان نائماً ومستنداً إلى النافذة ولم يقترب من أحد أو يلمس أحداً، إلا أنه اعترف بالذنب في يوليو 2017 بتهمة الفعل الفاضح وممارسة نشاط جنسي بحضور طفل، وحُكم عليه بالسجن 9 أشهر مع وقف التنفيذ وصدر بحقه أمر منع الضرر الجنسي.

بعد إدانته، منحت وزارة الداخلية عمر تصريحاً بالعمل، فعمل في محطة لغسيل السيارات وتولى إدارتها، وتعرف على زوجته الثانية (البريطانية) في الحي عام 2021 وتزوجا، غير أن السلطات سحبت تصريح عمله في 2022 وألزمته بالمراجعة الدورية لمراكز الترحيل.

سياسة حكومة العمال ومواجهة محاولات الترحيل المتكررة

محاولات ترحيل متكررة لرجل متزوج من بريطانية تكلّف الحكومة آلاف الباوندات
المُرحَّل المصري احتُجز في عزل انفرادي لعدة أيام قبل موعد الرحلة الجوية المقررة،

تغيرت حياة عمر بشكل دراماتيكي ومأساوي عقب صعود حكومة حزب العمال إلى السلطة؛ حيث أبدى المسؤولون تصميماً مطلقاً على ترحيله بأي ثمن.

وفي 18 سبتمبر من العام الماضي، أثناء مراجعته الروتينية للمركز التي لم يتخلف عنها يوماً، جرى اعتقاله ونقله إلى مركز احتجاز قرب مطار هيثرو، وصدرت توجيهات بترحيله إلى مصر في 30 سبتمبر.

وعندما حاولت فرقة أمنية اقتياده إلى الطائرة التجارية، قاوم عمر بشدة، فجرى تقييده بحزام الخصر والأصفاد، لكن قائد الطائرة التجارية رفض إقلاعه بها خشية أن يشكل الراكب المضطرب خطراً على سلامة الرحلة.

ويقول عمر عن تلك التجربة: “لم أكن أريد ترك ابني؛ فلولا وجوده لغادرت بريطانيا منذ المرة الأولى التي طلبوا مني فيها ذلك. كنت أعاني من اكتئاب حاد، وحينما أسمع صوت المفتاح في قفل زنزانتي، كنت أبدأ بالارتجاف ظناً مني أنهم قادمون لاقتيادي مجدداً”.

وفشلت محاولة الترحيل الثانية لنفس الأسباب، وساءت حالته العقلية والنفسية ليُنقل إلى وحدة الرعاية الصحية في المعتقل، حيث وُضع تحت تأثير المهدئات ومضادات الاكتئاب.

ابتلاع البطاريات والشفرات في غرف العزل لتعطيل الترحيل

محاولات ترحيل متكررة لرجل متزوج من بريطانية تكلّف الحكومة آلاف الباوندات
عمر ابتلع بطارية جهاز تدخين إلكتروني (Vape) مرتين لمنع إركابه قسراً على متن طائرة خارج بريطانيا. (تصوير: ليبرا كف/ غيتي إيميجز Getty Images)

بموجب سياسة الحكومة الخاصة بـ “البالغين المعرضين للخطر” في مراكز احتجاز المهاجرين، جرى تصنيف عمر في “المستوى الثالث” (الدرجة الأعلى خطورة)، وهو المستوى الذي يثبت فيه الأطباء أن استمرار الاحتجاز سيلحق ضرراً بالغاً بالمعتقل.

ورغم ذلك، واصلت الداخلية محاولات ترحيله قسراً ووُضع في زنازين العزل الانفرادي لمدة تصل إلى 8 أيام قبل مواعيد الرحلات.

وفي محاولة يائسة لمنع ترحيله، قام عمر بجمع كميات من حبوب الدواء وتناولها، وأبلغ الحراس أنه لن يعود إلى مصر إلا “جثة هامدة”، مما دفع طياراً آخر لرفض نقله.

وبعد 4 محاولات فاشلة على متن رحلات تجارية مجدولة، قررت الداخلية حجز مقعد له على متن طائرة ترحيل خاصة أسبوعية متجهة إلى ألبانيا، على أن تنزل المرحلين في تيرانا، ثم تواصل الرحلة الخاصة بعمر وأفراد الحراسة والطاقم الطبي وحدهم إلى مصر.

وفي الأيام التي سبقت الرحلة، وأثناء وجوده في العزل، تمكن عمر من إخفاء وابتلاع بطارية “ليثيوم” خاصة بجهاز تدخين إلكتروني (Vape) أمام الحراس.

ورغم علم الكوادر الطبية أن ابتلاع هذه البطاريات يمثل حالة طوارئ مهددة للحياة بسبب قدرتها على ثقب المريء أو المعدة، صرح عمر لاحقاً: “لم أكن أهتم إذا كانت البطارية ستقتلني؛ فروحي وعقلي دُمرا بسبب ما فعلته الداخلية بي، وتأذت زوجتي وابني كذلك.. شعرت أنه لا توجد مساحة لي في هذه الحياة”.

ونُقل إثر ذلك للمستشفى وأُلغيت الرحلة.

وتكرر الأمر ذاته في ترتيبات الرحلة اللاحقة، حيث نجح عمر في إخفاء بطارية ثانية وابتلاعها رغم قيام الحراس بطرحه أرضاً وتثبيته، مما أدى لإلغاء الرحلة للمرة السادسة.

وعقب إعادته للعزل والتشديد عليه على مدار الساعة، تدهورت قواه العقلية وبدأ يعاني من هلاوس بوجود “عيون أشباح تلاحقه في كل مكان”.

وقبيل المحاولة السابعة، تمكن من إخفاء شفرة حلاقة وجرح نفسه بها، غير أن وزارة الداخلية لم تلغِ الرحلة هذه المرة؛ واقتيد وهو ينزف إلى مطار خاص ليُنقل على متن طائرة خاصة مزودة بطاقم طبي إلى مصر بتاريخ 29 أبريل 2026.

رد وزارة الداخلية والشركات المشغلة على قضية الترحيل

تعقيباً على القضية، صرح متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية قائلاً: “يتوقع الجمهور بحق حمايتهم من مرتكبي الجرائم الجنسية، وقد تم ترحيل هذا الشخص بالفعل. لقد قمنا بترحيل وإبعاد ما يقرب من 70,000 مهاجر غير شرعي ومجرم أجنبي، ولن نسمح للسلوك الفوضوي بمنعنا من إبعاد المجرمين ومن يتواجدون في المملكة المتحدة بشكل غير قانوني، ولا نعتذر عن الخطوات الإضافية التي ثبتت ضرورتها لإبعاد هذا الشخص”.

من جهتها، رفضت شركة “ميتي” (Mitie) للاستشارات والخدمات — وهي الشركة الخاصة المسؤولة عن توظيف الحراس في المعتقل والمسؤولة عن رقابة عمر — التعليق على الفشل الإداري في منعه من حيازة وابتلاع البطاريات والشفرات عبر ثلاث محاولات ترحيل مشددة، مقتصرة في بيانها على القول: “نحن لا نعلق على الحالات الفردية، ومع ذلك، لا يوجد دليل على ارتكاب أي خطأ أو خرق للإجراءات من قبل زملائنا”.

تساؤلات قانونية معلقة ومصير مأساوي بعد الترحيل إلى مصر

تترك هذه القضية العديد من التساؤلات المفتوحة دون إجابات؛ حيث خضع عمر لتقييمات صحية ونفسية متمتدة من قبل أطباء نفسيين تابعين لوزارة الداخلية نفسها، والذين أكدوا في تقاريرهم الصادرة أن عمر يمر بـ “تفاعل توتر حاد واضطراب تكيف صدمي جراء قرارات الترحيل”، وأنه “يشكل خطراً كبيراً على نفسه وصحته العقلية في حالة أزمة حادة”، ورغم ذلك جرى إعلان أنه “لائق للطيران”.

واليوم، يعيش عمر ظروفاً قاسية ومأساوية في مصر؛ إذ جرى ترحيله بملابس معتقل الاحتجاز، وقضى لياليه الأولى نائماً في أحد المساجد، ويختبئ حالياً في غرفة قدمها له أحد أصدقائه مؤقتاً، لعدم امتلاكه المال الكافي للاستئجار أو لتلقي العلاج النفسي في مصر، فضلاً عن معاناته من استرجاع ذكريات الاحتجاز الصادمة (Flashbacks).

ويختتم عمر حديثه بمرارة متسائلاً: “لقد كانت لدي حياة رائعة، وكنت شخصاً صالحاً أحاول مساعدة الآخرين.. لقد امتصت وزارة الداخلية كل شيء مني. ما كنت لأقاوم الترحيل لولا رغبتي في البقاء بجانب ابني حتى يبلغ السادسة عشرة من عمره. لدي سؤال واحد لبريطانيا: هذه هي الدولة التي أسست وبنت حقوق الإنسان للعالم، فما الذي حدث؟”.

المصدر:الجارديان


اقرأ أيضًا:

اترك تعليقا