أول قرار استراتيجي قبل توليه المنصب.. ماذا يعني توجه بيرنام لدعم التنقيب عن النفط والغاز؟
في تطور سياسي واقتصادي يعيد رسم ملامح السياسة البريطانية، كشفت تقارير صحفية بريطانية أن رئيس الوزراء البريطاني المرتقب، آندي بيرنام، يعتزم إعطاء الضوء الأخضر لمشاريع تنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال فور توليه منصبه رسمياً يوم الاثنين المقبل (20 يوليو 2026).
وتُمثل هذه الخطوة تراجعاً لافتاً ومبكراً عن البند الأكثر إثارة للجدل في برنامج حزب العمال الانتخابي لعام 2024، والذي كان يقضي بالحظر التام لمنح تراخيص استكشاف وتنقيب جديدة، ما يفتح الباب أمام تحول جوهري في سياسة الطاقة البريطانية قبل أيام فقط من انطلاق الحكومة الجديدة.
تحول مبكر في أولويات الحكومة الجديدة
يأتي هذا التحول في وقت تواجه فيه بريطانيا تحديات اقتصادية متزايدة تتعلق بأمن الطاقة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضغوط تمويل الخدمات العامة، وهو ما دفع فريق بيرنام – بحسب التقارير – إلى إعادة تقييم عدد من التعهدات الانتخابية، وتقديم الأولويات الاقتصادية على الاعتبارات الأيديولوجية.
ويرى مراقبون أن الملف سيكون أول اختبار حقيقي لقدرة رئيس الوزراء الجديد على الموازنة بين التزاماته البيئية واحتياجات الاقتصاد البريطاني، في ظل انقسام واضح داخل حزب العمال حول مستقبل قطاع النفط والغاز.
وفقاً لتقارير نشرتها وكالة بلومبرغ (Bloomberg) وصحيفة الغارديان (The Guardian)، فإن المسؤولين المحيطين ببيرنام يعكفون حالياً على صياغة خطط اقتصادية عاجلة قد يتم الإعلان عنها الأسبوع المقبل.
وتتضمن هذه الخطط إشارات إيجابية صريحة لدعم عمليات الحفر، مع التركيز على مشروعين عملاقين يمثلان حجر الأساس في مستقبل إنتاج الطاقة البريطاني:
- حقل غاز جاكداو (Jackdaw): المتوقع أن يبدأ بضخ الغاز للمنازل البريطانية في الشتاء القادم في حال اعتماده.
- حقل نفط روزبانك (Rosebank): الواقع غرب جزر شيتلاند، والذي يُعد أحد أكبر مشاريع النفط غير المطورة في بحر الشمال.
ويُنظر إلى المشروعين باعتبارهما من أهم مشاريع الطاقة التي تنتظر قراراً سياسياً نهائياً، بعدما استكملا معظم الإجراءات التنظيمية خلال السنوات الماضية.
ولتفادي اتهام الحكومة بخرق وعودها الانتخابية بشكل فج، تشير تقارير صحيفة الأوبزرفر (The Observer) وإنيرجي-بيديا (Energy-pedia) إلى أن مستشاري بيرنام استقروا على مخرج قانوني وسياسي.
فحقلا “روزبانك” وجاكدو ” حصلا بالفعل على تراخيص مبدئية في عهد الحكومة المحافظة السابقة، وبالتالي فإن منح الموافقة النهائية لتشغيلهما لا يُعد – من الناحية القانونية – إصداراً لـ “تراخيص استكشاف جديدة”، وهو ما يسمح للحكومة الجديدة بالدفاع عن قرارها باعتباره لا يتعارض حرفياً مع البرنامج الانتخابي.
وكان بيرنام نفسه قد مهد لهذا التغير النفعي (Pragmatic) في تصريحات سابقة لصحيفة نيو ستيتسمان (New Statesman)، مؤكداً أن لديه “عقلاً منفتحاً” تجاه ملف بحر الشمال، ومبتعداً عن المواقف الأيديولوجية المتصلبة.
لماذا غير بيرنام موقفه؟
يتعرض بيرنام، الذي تولى قيادة الحزب بعد تنحي كير ستارمر، لضغوط هائلة من قطاع الصناعة ونقابات العمال القوية، وعلى رأسها نقابة GMB، التي تعتبر استمرار الإنتاج المحلي مسألة تتعلق بالأمن الاقتصادي والوظائف.
وتتلخص المكاسب الاقتصادية التي دفعت برئيس الوزراء الجديد لتغيير موقفه في عدة اعتبارات رئيسية.
حماية التوظيف والصناعة الوطنية
يساهم قطاع الطاقة في بحر الشمال بدعم ما يقرب من 200,000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة في مناطق كاسل والصناعات الشمالية واسكتلندا.
وتماشياً مع أجندة بيرنام لإعادة التصنيع (Reindustrialisation)، فإن الحفاظ على هذه الوظائف يعد أولوية قصوى، خاصة في المناطق الصناعية التي تشكل قاعدة انتخابية مهمة لحزب العمال.
تأمين الخزينة بمليارات الضرائب

تستفيد بريطانيا من ضريبة الأرباح الاستثنائية المفروضة على شركات النفط.
ومع رغبة بيرنام في تمويل مشاريع الإسكان الاجتماعي الكبرى وإصلاح الرعاية الصحية، فإن عوائد الضرائب التي تتراوح بين 5 إلى 10 مليارات باوند سنوياً تُعتبر طوق نجاة للميزانية، وتوفر مورداً مالياً يصعب تعويضه في الظروف الحالية.
تقليل الاعتماد على الاستيراد
وجهت مجموعات ضغط، مثل “الطاقة البحرية للمملكة المتحدة” (OEUK)، خطابات إلى أكثر من 400 نائب من حزب العمال، حذرت فيها من أن وقف الإنتاج المحلي سيعني ارتماء بريطانيا في أحضان الاستيراد الخارجي للغاز والنفط بأسعار مضاعفة، في ظل سوق عالمية مضطربة وتقلبات جيوسياسية مستمرة.
حجم النفط في بحر الشمال وعوائده الاستراتيجية

لا يزال بحر الشمال يمثل أحد أهم مصادر الطاقة الاستراتيجية للمملكة المتحدة، وتُصنف نوعية النفط المستخرج من هذه المنطقة بـ خام برنت (Brent Crude) العالمي، وهو نفط خفيف وحلو يحظى بطلب هائل لسهولة تكريره.
وتشير التقديرات الرسمية الحالية لعام 2026 إلى ما يلي:
- الاحتياطيات المتبقية القابلة للاستخراج: تتراوح بين 10 إلى 15 مليار برميل مكافئ نفطي (نفط وغاز مشترك).
- معدل الإنتاج الحالي: يبلغ حوالي 700,000 إلى 800,000 برميل يومياً.
نسبة الكفاية الذاتية الحالية: يغطي الإنتاج المحلي نحو نصف احتياجات الغاز وثلثي احتياجات النفط لبريطانيا.
وتعكس هذه الأرقام أهمية استمرار الإنتاج المحلي بالنسبة للحكومة الجديدة، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، وإنما أيضاً من منظور أمن الطاقة وتقليل التعرض لتقلبات الأسواق العالمية.
غضب أنصار البيئة وانقسام داخل الحكومة
القرار المرتقب لن يمر بسلام؛ إذ يثير حفيظة الجناح البيئي للحزب بقيادة إد ميليباند (Ed Miliband)، وزير الطاقة الحالي.
وكان ميليباند قد وصف هذه المشاريع سابقاً بـ “التخريب المناخي”، معتبراً أنها تتعارض مع التزامات بريطانيا بخفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.
ومع ذلك، تشير الكواليس السياسية إلى أن ميليباند نفسه قد يتنازل لتمرير حقل “جاكداو” لتأمين موقعه كمرشح قوي لتولي حقيبة الخزانة (المالية) في حكومة بيرنام الجديدة خلفاً لراشيل ريفز.
وفي المقابل، تصر المنظمات البيئية، مثل “معهد التغيير المناخي”، على أن التنقيب الجديد لن يحل أزمة فواتير الطاقة للمواطن العادي، لأن النفط المستخرج يُباع بالأسعار الدولية عالمياً، ولن يزيد من المعروض بالقدر الذي يخفض الأسعار المحلية، معتبرة أن الحل الحقيقي يكمن في تسريع الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة.
ويتضح من هذه التطورات أن آندي بيرنام اختار براغماتية السوق وحماية الوظائف العمالية كأول قرار استراتيجي له، مفضلاً تأمين جبهته الاقتصادية الداخلية على حساب الوعود المناخية الراديكالية.
ويبدو أن الحكومة الجديدة تتجه إلى تبني مقاربة أكثر مرونة في ملف الطاقة، تقوم على تحقيق توازن بين متطلبات النمو الاقتصادي وأهداف التحول البيئي، وهو توازن سيظل محل اختبار سياسي مستمر خلال الأشهر الأولى من ولاية بيرنام.
ولمعرفة تفاصيل أوسع حول رؤية رئيس الوزراء البريطاني الجديد آندي بيرنام وطريقة إدارته للملفات وتوازنات القوى المتوقعة في عهده، يمكنكم مشاهدة تقرير مستقبل الحكم والسياسات لآندي بيرنام الذي يستعرض التحديات الاقتصادية والسياسية التي تواجه بريطانيا في هذه المرحلة الانتقالية المهمة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇