العرب في بريطانيا | بيرنام ضد التاتشرية.. هل تكون فرصة العمال الأخي...

تحليل: بيرنام ضد التاتشرية.. هل هي «فرصة العمال الأخيرة»؟

تحليل: بيرنام ضد التاتشرية.. هل هي «فرصة العمال الأخيرة»؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

حين قال آندي بيرنام إن هذه «فرصة أخيرة» لحزب العمال، لم يكن يتحدث فقط عن تغيير رئيس وزراء أو تشكيل حكومة جديدة.

كان يحاول أن يقول شيئًا أكبر: إن الحزب الذي حكم بريطانيا منذ عام 2024، لكنه بدا متعبًا وممزقًا وحذرًا، ويعاني أحيانًا من صراعات أجنحته أكثر مما يصارع المعارضة، لم يعد يملك رفاهية إدارة الأزمة بالحد الأدنى. فإما أن يقدم بديلًا واضحًا أمام اليمين الصاعد، وإما أن يترك الساحة لريفورم يوكيه والمحافظين كي يعيدوا تعريف السياسة البريطانية من الخارج.

لهذا بدت جملته الأبرز في خطاب القيادة كأنها تشخيص للحظة كلها: «لن نهزم اليمين البريطاني الجديد إذا استهلكنا أنفسنا في الاقتتال الداخلي وسحب كل طرف في اتجاه مختلف».

هذه ليست دعوة تنظيمية فقط إلى وحدة حزب العمال.

إنها أيضًا إعلان بأن المعركة مع اليمين لن تُحسم بالشعارات الوسطية وحدها، ولا بمجرد القول إن العمال أكثر كفاءة من المحافظين. بيرنام يريد أن يطرح نفسه بوصفه زعيمًا يملك قصة أكبر: بريطانيا انحرفت منذ الثمانينيات، وحان وقت تصحيح المسار.

ماذا يعني إنهاء إرث التاتشرية؟

تمثال مارجريت تاتشر-بهو مجلس العموم البريطاني| الصورة: ويكيميديا

عندما يتحدث بيرنام عن التراجع عن إرث التاتشرية، فهو لا يستدعي مارغريت تاتشر بوصفها شخصية تاريخية فقط، بل بوصفها بداية نظام اقتصادي وسياسي كامل: خصخصة المرافق، تقليص دور الدولة، إضعاف النقابات، فتح الاقتصاد أمام منطق السوق، وتركيز القرار في لندن على حساب المدن والمناطق.

في خطابه، تحدث بيرنام عن أربعة عقود من انتقال القوة الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن المجتمعات المحلية. هذه هي الجملة التي تفسر مشروعه: المشكلة ليست فقط في حكومة سيئة أو أزمة خدمات، بل في نموذج حكم جعل الناس يشعرون بأن القرارات تُتخذ بعيدًا عنهم.

من هنا تأتي وعوده بعناوينها الكبرى: تخفيف فواتير الطاقة، خفض كلفة الحافلات، استعادة السيطرة العامة على المرافق، إصلاح الرعاية الاجتماعية، والتوسع في السكن الاجتماعي ومساكن المجالس المحلية. ليست هذه مجرد قائمة خدمات، بل محاولة لتقديم حزب العمال باعتباره أداة لاستعادة السيطرة العامة على ما خرج من يد الدولة والمجتمعات.

لكن هذا بالضبط ما يخيف خصومه.

السبعينيات في مقابل الثمانينيات

Margaret Thatcher: The Iron Lady of British Politics - World History Encyclopedia
أرشيفية لاحتجاجات في ميدان تلفرجار-لندن- (الصورة: Credit: James Bourne / Wikipedia)

بالنسبة إلى الصحافة المحافظة، كل حديث عن دور أكبر للدولة، والتخلص من إرث الثمانينيات، يفتح الباب فورًا لصورة واحدة: بريطانيا في السبعينيات.

السبعينيات هنا ليست عقدًا تاريخيًا فقط، بل فزاعة سياسية: إضرابات، نقابات قوية، تضخم، ضرائب مرتفعة، ومرافق عامة متعثرة. لذلك لا تحتاج ديلي ميل إلى مناقشة كل تفصيلة في برنامج بيرنام. يكفي أن تقول إنه «سيجر بريطانيا إلى السبعينيات» كي تربط مشروعه بالانهيار والفوضى.

هذه ليست مصادفة؛ فاليمين البريطاني بنى جزءًا كبيرًا من ذاكرته السياسية على أن تاتشر أنقذت البلاد من السبعينيات. وإذا جاء بيرنام الآن ليقول إن المشكلة بدأت مع تاتشر، فهو لا يختلف معهم على سياسة واحدة، بل على القصة المؤسسة للسياسة البريطانية الحديثة.

هل كانت التاتشرية إنقاذًا من أزمة؟ أم بداية لتفكيك طويل في الدولة والمجتمع والمرافق العامة؟

هذا هو الصراع الحقيقي خلف العناوين.

كينوك لا كوربن

File:Neil Kinnock, Glenys Kinnock and Bryan Gould in 1992.jpg - Wikimedia Commons
أرشيفية لنيل كينوك يلقي خطاباً. (الصورة: ويكيميديا)

اللافت أن بيرنام لم يختر جيريمي كوربن بوصفه مصدر الإلهام، رغم أن بعض وعوده تبدو أقرب إلى يسار حزب العمال من خط توني بلير وكير ستارمر. هو استدعى نيل كينوك. وهذا اختيار مهم.

كينوك في ذاكرة العمال ليس مجرد زعيم يساري قديم. هو السياسي الذي حاول في الثمانينيات إخراج الحزب من الهزيمة والانقسام، ومواجهة تاتشر من موقع عمالي، لكن من دون أن يتحول الحزب إلى قوة احتجاجية عاجزة عن الحكم.

باستدعاء كينوك، يحاول بيرنام أن يقول شيئًا مزدوجًا: نعم، أريد حزبًا عماليًا أوضح في هويته الاجتماعية. لكنني لا أريد تكرار صورة اليسار غير القابل للحكم.

وهنا يمكن فهم قلق جناح اليسار من احتمال اختيار شابانا محمود للخزانة. فبيرنام يتحدث عن نهاية التاتشرية، لكنه قد يبدأ حكومته بإشارة طمأنة للأسواق. يريد أن يبدو يساريًا بما يكفي لاستعادة القاعدة، ومسؤولًا بما يكفي كي لا يثير ذعر المال والأعمال.

هذه معادلة صعبة.

آخر فرصة أمام اليمين الجديد

حين يتحدث بيرنام عن «اليمين الجديد»، فهو لا يقصد المحافظين وحدهم. الخطر الأكبر يأتي من ريفورم يوكيه، ومن قدرة نايجل فاراج على تحويل الغضب من الهجرة، والخدمات، والغلاء، والنخب، إلى مشروع سياسي بسيط وقاسٍ.

بيرنام يدرك أن الوسطية الهادئة لا تكفي أمام هذا النوع من اليمين. فإذا شعر الناس أن كل الحكومات تقول الكلام نفسه وتفعل القليل نفسه، فإنهم سيبحثون عن شخص يقول إن النظام كله فاسد ويحتاج إلى كسر.

لذلك يقدم بيرنام نفسه بوصفه رجلًا من خارج وستمنستر، رغم أنه ابن قديم للمؤسسة العمالية. «ملك الشمال» ليس لقبًا صحفيًا فقط. إنه جزء من صورته السياسية: زعيم يتحدث باسم مدن ومناطق شعرت طويلًا بأن لندن تملك القرار وتترك لها النتائج.

لكن الصورة وحدها لا تكفي.
إذا لم تتحول وعود بيرنام إلى فواتير طاقة أقل، ومواصلات أرخص، ورعاية أفضل، وسكن أيسر، ودور عام أوضح في إدارة مؤسسات الخدمات الأساسية، فسيتحول خطاب «الفرصة الأخيرة» إلى اعتراف مسبق بصعوبة الاختبار.

بين الحلم والخوف

قوة بيرنام الآن أنه يمنح حزب العمال قصة جديدة بعد سنوات من الحذر. وضعفه أنه يفتح في الوقت نفسه كل الأسئلة الصعبة: من سيدفع ثمن هذا التحول؟ كيف ستتقبل الأسواق دورًا أكبر للدولة؟ هل يستطيع إرضاء اليسار وطمأنة قطاع الأعمال؟ وهل يمكنه إنهاء الاقتتال الداخلي في حزب اعتاد أن يحوّل كل خلاف إلى معركة هوية؟

فبيرنام لا يرث منصبًا فقط. يرث سؤالًا كبيرًا ظل مؤجلًا منذ زمن: هل انتهى نموذج ما بعد تاتشر فعلًا، أم أن بريطانيا لا تزال تعيش داخله حتى وهي تعلن التمرد عليه؟

وإذا كانت هذه «فرصة العمال الأخيرة»، كما يقول، فإن الاختبار لن يكون في قوة الخطاب، بل في قدرة الحكومة الجديدة على أن تثبت أن العودة إلى الدولة ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة لإنقاذ المستقبل من اليمين الشعبوي الغاضب الذي يعد الناخبين بتحويل الغضب إلى سياسات قاسية.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 18 يوليو 2026
"كيف اضطررنا لتحمّل أولئك المهرجين الجاهلين؟" الإعلامي البريطاني بن كينتيش يشنّ هجومًا على لاعبي منتخب الأرجنتين بعد إشعالهم قضية "جزر فوكلاند" خلال احتفالهم بالتأهل لنهائي المونديال، مطالبًا بسحب تأشيرات اللاعبين الأرجنتينيين في الدور الإنجليزي وطرد السفير من بريطانيا إن لم…
𝕏 @alarabinuk · 18 يوليو 2026
وضع نشطاء من حركة "الجميع يكره إيلون" لافتة إعلانية تفاعلية أمام مقر شركة ميتا في لندن، يتغير مظهرها بناءً على زاوية الرؤية ليتحول وجه كايلي جينر الإعلاني بالنظارات الذكية لشركة ميتا إلى صورة أشعة سينية لهيكل عظمي يحمل عبارة "نحن…
𝕏 @alarabinuk · 18 يوليو 2026
"تستطيع البدء بـ 25 باوند فقط شهريًا".. المستشار المالي المستقل ياسر الدين يشرح سهولة الاستثمار بأقل المبالغ في حساب (Stocks and Shares ISA) المعفى من الضرائب، وأهمية تنويع الاستثمار لتفادي الخسارة والتضخم. 📌 البرنامج برعاية شركة Palm Financial Services http://palmfinancialservices.co.uk/…
𝕏 @alarabinuk · 18 يوليو 2026
هل تشهد بريطانيا أكبر تغيير سياسي منذ 40 عامًا؟ 🗞️وعود أندي بيرنام بعد صعوده لرئاسة الوزراء تتصدر واجهات الصحف البريطانية، بالتزامن مع ترقب كروي وأمنيات بخسارة الأرجنتين في المونديال. للاطلاع على أبرز ما تناولته الصحف اليوم: https://alarabinuk.com/?p=236492 #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←