كيف غطى الإعلام البريطاني استمرار مجازر الاحتلال في غزة ولبنان؟
في مكان ما في جنوب لبنان، في الساعات الأولى من صباح السابع من سبتمبر/أيلول، كان أطفال يستعدون ليوم دراسي جديد.
لم يكن أحد منهم يعرف أن الغارة الإسرائيلية التي ستصيب المبنى السكني الذي يقطنون فيه ستترك وراءها كتبًا مدرسية مبعثرة بين كتل الإسمنت، وأمهات ثكالى، وأطفالًا لن يصلوا إلى مدارسهم.
في ذلك الصباح، استشهد 11 شخصًا في استهداف مبنى سكني في بلدة كفر رمان، بينهم طفلان وأربع نساء، وفق وزارة الصحة اللبنانية، قبل أن ترتفع الحصيلة إلى 12 شهيدًا مع استشهاد مسعف في ضربة أخرى استهدفت سيارة في البلدة.
وبحسب رويترز، لم يسبق الغارة تحذير بإخلاء المنطقة، فيما قالت إسرائيل إن قواتها استهدفت أشخاصًا ينقلون أسلحة إلى المنطقة.
وفي موقع الضربة، عاين مراسلو رويترز كتبًا مدرسية وسط الركام.
في اليوم نفسه، وعلى بُعد مئات الكيلومترات، كانت غزة تواصل دفع الثمن البشري للإبادة الإسرائيلية المستمرة.
وهنا تبدأ قصة هذا التحقيق.
فالسؤال ليس ما إذا كانت الصحافة البريطانية تعرف بما يحدث.
هي تعرف.
والسؤال ليس ما إذا كانت قد نشرت أخبارًا عن غزة ولبنان.
لقد نشرت.
السؤال الأكثر إلحاحًا هو: عندما يسقط الشهداء، ماذا تفعل الصحافة البريطانية بهذا الخبر؟
هل تضعه في مقدمة المشهد؟ هل تجعله عنوانًا أول؟ هل تمنحه المساحة التي تتناسب مع حجم المأساة؟ أم أن الموت الفلسطيني واللبناني أصبح، مع طول أمد الحرب، خبرًا يوميًا يفقد تدريجيًا قدرته على الوصول إلى الصفحة الأولى؟
هذا التحقيق لا يحاكم الصحافة البريطانية على أساس موقف سياسي مسبق، ولا يفترض أن غياب خبر عن الصفحة الأولى يعني غيابه عن الصحيفة كليًا.
بل يفحص شيئًا أكثر تحديدًا: الأولوية التحريرية.
وهي، في الصحافة، ليست تفصيلًا.
فالصفحة الأولى هي المكان الذي تقول فيه الصحيفة لقارئها: هذا ما ينبغي أن تراه أولًا.
صباح 7 سبتمبر: الشهداء في الجنوب.. وعناوين أخرى في لندن

في السابع من سبتمبر/أيلول، كانت الأخبار الواردة من لبنان تحمل واحدة من أكثر الحصائل دموية خلال أسابيع.
قالت وزارة الصحة اللبنانية إن الغارات الإسرائيلية على كفر رمان قتلت 12 شخصًا، بينهم طفلان وأربع نساء، وأصابت آخرين. وفي ضربة منفصلة على سيارة، استشهد مسعف وأصيب اثنان آخران.
ووصف رئيس بلدية كفر رمان الهجوم بأنه «مجزرة»، بينما قالت إسرائيل إن الغارات جاءت ردًا على هجمات بطائرات مسيّرة نفذها حزب الله، وإنها استهدفت شخصًا من الحزب كان ينقل أسلحة.
لكن عندما ننظر إلى ما اختارته الصحف البريطانية الوطنية لصفحاتها الأولى في اليوم نفسه، تظهر صورة مختلفة تمامًا.
أظهرت مراجعة Sky News للصفحات الأولى المنشورة في 7 سبتمبر/أيلول أن The Times اختارت قضية تتعلق بادعاءات بوجود احتيال واسع في طلبات اللجوء.
وجعلت (The Guardian) ملف الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في إنجلترا عنوانها الرئيسي.
وركزت (Daily Mail) على الهجرة ووزيرة الداخلية.
واختارت (Daily Telegraph) قضية معاشات التقاعد.
وتناولت (Daily Mirror) الاعتداءات على العاملين في أقسام الطوارئ.
وركزت (Financial Times) على الحرب الهجينة الروسية ضد أوروبا.
أما (The Sun) فاختارت قصة نجاة مظلية، بينما ركزت (Daily Express) على تهديدات مرتبطة بروسيا.
ولا يظهر في استعراض (Sky News) للصفحات الأولى أن استشهاد المدنيين في كفر رمان أو التطورات الدموية في غزة كان العنوان الرئيسي في أي من تلك الصحف الوطنية.
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
هذه ليست نتيجة تقول إن الصحف لم تغطِّ لبنان أو غزة.
إنها نتيجة تقول إن هذه الأحداث لم تحصل على مكانة العنوان الرئيسي في الصفحات الأولى التي جرى استعراضها.
والفرق بين الجملتين هو الفرق بين التحقيق الصحفي والانطباع.
لماذا تهمنا الصفحة الأولى؟
قد تبدو الصفحة الأولى مجرد مساحة محدودة من الورق، لكنها في الحقيقة واحدة من أكثر المساحات دلالة على فلسفة المؤسسة الإعلامية.
فالصحيفة تستطيع نشر عشرات الأخبار في اليوم، لكنها لا تستطيع وضع عشرات القصص في رأس الصفحة.
لذلك، فإن اختيار قصة لتكون العنوان الرئيسي يعني أن المحررين قرروا أن هذه القصة أكثر أهمية، أو أكثر إلحاحًا، أو أكثر جذبًا للقارئ من عشرات القصص الأخرى.
ولهذا فإن السؤال هنا ليس: هل يوجد خبر عن لبنان في الموقع؟
بل: لماذا لم يصبح استشهاد الأطفال والنساء في لبنان هو الخبر الذي يستقبل به القارئ البريطاني صباحه؟
وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما نضعه إلى جانب طبيعة الأخبار التي تصدرت الصفحات الأولى في ذلك اليوم.
- قضايا اللجوء.
- الهجرة.
- المعاشات.
- الرعاية الصحية.
- روسيا.
- السياسة البريطانية.
كلها ملفات مشروعة ومهمة.
لكنها لا تلغي حقيقة أن في اليوم نفسه كان هناك أطفال استشهدوا تحت القصف في لبنان.
ومن هنا تبدأ المفارقة التحريرية.
ليست قصة «صحافة لا ترى غزة»
لو كان هذا التحقيق يريد الوصول إلى نتيجة جاهزة، لكان من السهل القول إن الصحافة البريطانية «تتجاهل غزة».
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
وهذا ما يجعل التحقيق أكثر أهمية.
فالصحافة البريطانية، بما فيها المؤسسات التي تختلف في مواقفها السياسية، تواصل نشر تقارير عن غزة.
والـGuardian مثال واضح على ذلك.
في 7 سبتمبر/أيلول وحده، تظهر في أرشيف الصحيفة مواد متعددة عن فلسطين وإسرائيل وغزة، بينها مقال للكاتبة نسرين مالك ينتقد ما وصفته بتجاهل المجتمع الدولي للخطط الإسرائيلية الرامية إلى إخراج الفلسطينيين من غزة، وتقرير عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز وموقفها من التحول البريطاني تجاه إسرائيل.
كما كانت الصحيفة قد نشرت قبل ذلك بأيام تحقيقات عن مقتل عمال إغاثة دوليين في غارة إسرائيلية، وعن فلسطينيين في غزة وقصص اللجوء إلى بريطانيا.
إذن، المشكلة ليست أن غزة غير موجودة.
غزة موجودة.
لكن السؤال هو: أي غزة؟
غزة السياسية.. وغزة التي تنزف

عندما تظهر غزة في الصحافة البريطانية، يمكن أن تظهر باعتبارها قضية دبلوماسية، أو أزمة في العلاقات البريطانية الإسرائيلية، أو ملفًا قانونيًا، أو موضوعًا للأمم المتحدة، أو أزمة تتعلق بالمساعدات، أو قضية خلاف داخل الحكومة البريطانية.
وهذه كلها موضوعات مشروعة.
لكن هناك غزة أخرى.
غزة التي يعيش فيها الفلسطيني تحت القصف.
غزة التي يخرج منها الشهداء من تحت الركام.
غزة التي تختفي فيها عائلات كاملة.
غزة التي لا يعرف فيها الآباء كيف يحمون أطفالهم.
غزة التي أصبح فيها العثور على رفات الشهداء جزءًا من عملية إزالة الركام.
وهذه ليست استعارة أدبية.
في 7 سبتمبر/أيلول، حذرت فرانشيسكا ألبانيز من أن إزالة ركام غزة من دون جمع الأدلة الجنائية أولًا قد تؤدي إلى تدمير أدلة مرتبطة بجرائم محتملة، فضلًا عن ضياع رفات أشخاص ما زالوا تحت الأنقاض.
وقالت رويترز إن السلطات الصحية في غزة تقدر عدد الشهداء منذ بدء الحرب بأكثر من 73 ألفًا، فيما لا يزال أكثر من 8 آلاف شخص يُعتقد أنهم مدفونون تحت الركام.
هذه ليست فقط قصة عن الدمار.
إنها قصة عن ذاكرة الشهداء وأدلة الجريمة نفسها.
ومع ذلك، فإن الخبر الذي كان حاضرًا في المشهد البريطاني يومها لم يكن بالضرورة هو خبر الشهداء تحت الركام.
عندما تصبح غزة خبرًا لأن لندن تحركت
في 7 سبتمبر/أيلول، نشرت The Guardian خبرًا رئيسيًا عن إعلان وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند تشديد موقف حكومة بلاده تجاه إسرائيل، بما في ذلك إجراءات لحظر تجارة السلع وبعض الخدمات من المستوطنات الإسرائيلية التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي.
الخبر مهم.
بل إنه يمثل تحولًا سياسيًا بريطانيًا يستحق المتابعة.
لكن اللافت هو أن غزة تظهر هنا من خلال السياسة البريطانية تجاه إسرائيل.
أي أن مركز القصة انتقل من غزة إلى لندن.
من الشهداء إلى الوزير.
من الركام إلى القرار الحكومي.
من الطفل الذي استشهد تحت القصف إلى السياسة الخارجية البريطانية.
وهذه ليست ملاحظة خاصة بـThe Guardian وحدها، بل سؤال يمكن طرحه على الإعلام الغربي بصورة أوسع:
متى تصبح معاناة الفلسطينيين خبرًا رئيسيًا؟
هل عندما يموتون؟
أم عندما تتحرك حكومة غربية بسبب موتهم؟
في غزة، الموت نفسه يواجه مشكلة التكرار
هناك مشكلة صحفية أخرى أكثر عمقًا.
الأخبار العاجلة تحتاج عادة إلى عنصر جديد.
لكن الإبادة لا تتوقف.
كل يوم يحمل شهداء جددًا.
كل يوم يحمل عائلات جديدة.
كل يوم يحمل منازل مدمرة.
كل يوم يحمل مستشفيات مضروبة أو مدارس مدمرة أو مخيمات نازحين.
وفي عالم الأخبار السريعة، هناك خطر أن يصبح الشيء المتكرر أقل إثارة للانتباه.
وهنا يمكن أن يحدث أخطر أشكال التطبيع:
أن يصبح موت الفلسطينيين خبرًا عاديًا.
في اليوم الأول، تكون المجزرة خبرًا عاجلًا.
في اليوم العاشر تصبح «حصيلة جديدة».
بعد أشهر تصبح «تطورًا ميدانيًا».
وبعد سنوات قد تصبح مجرد رقم في خلفية قصة سياسية.
لكن بالنسبة إلى الفلسطيني الذي فقد طفله، فإن استشهاد الطفل ليس «تطورًا ميدانيًا».
إنه نهاية حياة كاملة.
لبنان.. عندما يتحول العدوان إلى «تصعيد»

الأمر نفسه يظهر في لبنان، ولكن بصورة مختلفة.
ففي تغطية وسائل الإعلام الغربية، يمكن أن تُعرض الأحداث أحيانًا ضمن إطار «تصعيد بين إسرائيل وحزب الله».
وهو إطار يضع الطرفين داخل مشهد عسكري متبادل.
لكن ماذا يحدث عندما تكون نتيجة الضربة استشهاد أطفال ونساء ومسعفين في مبنى سكني؟
هل يكفي وصف الأمر بأنه «تصعيد»؟
في كفر رمان، قالت رويترز إن الغارة أصابت مبنى سكنيًا خلال ساعات استعداد الأطفال للذهاب إلى المدرسة، وإنها وقعت من دون تحذير إخلاء مسبق. وفي موقع الضربة، شاهد مراسلو الوكالة كتبًا مدرسية متناثرة بين الأنقاض.
هنا يتغير معنى الخبر.
لم نعد أمام رقم.
لدينا كتب مدرسية.
لدينا أطفال.
لدينا منزل.
لدينا عائلات.
ولدينا شهيد مسعف كان يؤدي عمله.
إنها تفاصيل تجعل من الصعب اختزال المأساة كلها في كلمة «تصعيد».
ولهذا تعتمد «العرب في بريطانيا» توصيف «العدوان الإسرائيلي على لبنان»، بدلًا من التعامل معه باعتباره مجرد جولة أخرى في تبادل عسكري متكافئ.
ليس المطلوب من الصحافة البريطانية أن تتبنى خطابنا
قد يقول قائل إن المؤسسات الصحفية البريطانية ليست ملزمة باستخدام اللغة التي نستخدمها نحن.
وهذا صحيح.
لكن الصحافة مطالبة بشيء آخر: أن تكون دقيقة في وصف الواقع.
وعندما يتعلق الأمر بفلسطين، فإن اللغة ليست مسألة شكلية.
كلمة «احتلال» تصف واقعًا سياسيًا وقانونيًا.
وكلمة «استيطان» تصف مشروعًا استعماريًا في الأراضي المحتلة.
وكلمة «عدوان» تصف استخدام القوة العسكرية ضد دولة أو أراضيها.
أما «الإبادة الجماعية» فهي مصطلح قانوني شديد الخطورة لا ينبغي استخدامه باعتباره مجرد وصف عاطفي.
وفي هذا السياق، فإن استخدام المصطلح في التغطية العربية ليس معلقًا في الهواء.
فقد نشرت The Guardian نفسها في يونيو/حزيران 2026 تقريرًا عن تحقيق أممي خلص إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية من خلال استهداف الأطفال في غزة.
أي أن النقاش حول توصيف ما يجري لم يعد مجرد سجال لغوي بين الإعلام العربي والإعلام الغربي.
بل أصبح جزءًا من النقاش القانوني والسياسي الدولي.
لماذا لا يكفي عدّ الأخبار؟
لو نشر موقع ما عشرة أخبار عن غزة في يوم واحد، يمكن أن يبدو من الوهلة الأولى أنه يعطي القضية اهتمامًا كبيرًا.
لكن هذا القياس وحده مضلل.
فقد تكون الأخبار العشرة خبرًا قصيرًا من وكالات الأنباء، أو تصريحًا لوزير، أو ردًا إسرائيليًا، أو تصريحًا أمريكيًا، أو تحليلًا سياسيًا، أو خبرًا عن المفاوضات، أو خبرًا عن مظاهرة في بريطانيا.
وفي المقابل، قد تنشر مؤسسة أخرى تحقيقًا واحدًا يمتد لآلاف الكلمات عن عائلة فلسطينية فقدت أبناءها.
أي التغطيتين أكبر؟
لهذا يحتاج أي بحث جاد في التغطية البريطانية إلى النظر إلى أربعة مستويات في وقت واحد:
أولًا: الوجود. هل نُشر الخبر أصلًا؟
ثانيًا: الموقع. هل كان على الصفحة الأولى أم في الصفحات الداخلية أم على الموقع فقط؟
ثالثًا: المساحة. كم أُعطي الخبر من مساحة أو وقت أو صور؟
رابعًا: الإطار. بأي كلمات وقصة وسياق قُدم الخبر؟
وهنا تحديدًا يمكن أن تظهر الفروق الحقيقية بين المؤسسات البريطانية.
الصفحة الأولى ليست كل الصحافة.. لكنها مرآة مهمة لها

من الخطأ أن نساوي بين غياب خبر عن الصفحة الأولى وغيابه عن الصحيفة.
وهذا التحقيق لا يفعل ذلك.
فقد تنشر صحيفة خبرًا مهمًا في موقعها الإلكتروني ولا تضعه في نسختها الورقية.
وقد تتغير الصفحة الأولى خلال اليوم.
وقد تكون هناك تغطية مستمرة عبر الفيديو والبث المباشر.
لكن الصفحة الأولى تظل مهمة لأنها تختصر أولويات التحرير في لحظة معينة.
وفي 7 سبتمبر/أيلول، كانت الصورة واضحة:
الهجرة واللجوء والسياسة البريطانية والاقتصاد وروسيا والرعاية الصحية كانت في واجهة عدد من الصحف، بينما لم تصل أخبار الشهداء في غزة ولبنان إلى العنوان الرئيسي في الصفحات التي راجعتها (Sky News).
هذه حقيقة قابلة للتوثيق.
أما تفسيرها، فهو الذي يحتاج إلى تحقيق أوسع.
هل يعني ذلك وجود «مؤامرة»؟
لا.
والتحقيق الجيد لا يحتاج إلى هذه الكلمة.
فقد تكون هناك أسباب تحريرية موضوعية.
ربما كانت أخبارًا محلية أكثر أهمية للجمهور البريطاني.
ربما كانت بعض أحداث الشرق الأوسط قد وقعت بعد إغلاق الطبعة.
ربما كان المحررون يرون أن قصة أخرى تحمل تطورًا سياسيًا أكبر.
ربما أصبحت الحرب الطويلة أقل جذبًا للقارئ.
وربما تختلف المؤسسات في تعريفها لما يشكل خبرًا أول.
كل هذه احتمالات مشروعة.
لكنها لا تلغي السؤال.
بل تجعله أكثر أهمية:
هل تكرار المأساة يؤدي إلى تقليل قيمتها الإخبارية؟
وإذا كان الأمر كذلك، فهل من وظيفة الصحافة أن تقاوم هذا التبلد؟
الصحافة لا تنقل الواقع فقط.. إنها ترتب الواقع
هناك فكرة أساسية في صناعة الأخبار:
القارئ لا يستطيع رؤية العالم كله.
لذلك تعتمد الغالبية العظمى من الناس على الصحافة كي تعرف ما الذي يحدث خارج محيطها.
وعندما تضع الصحيفة قصة على الصفحة الأولى، فإنها تمنحها أهمية.
وعندما تدفن قصة في أسفل الموقع، فإنها تقلل احتمالات رؤيتها.
هذه ليست مؤامرة.
إنها طبيعة صناعة الأخبار.
ولهذا، فإن السؤال عن التغطية ليس فقط:
ماذا قالت الصحيفة؟
بل أيضًا:
ماذا جعلت القارئ يراه؟
وماذا لم تجعله يراه؟
من كفر رمان إلى غزة.. قصة واحدة عن قيمة الحياة

قد يبدو الربط بين كفر رمان وغزة واسعًا.
لكن الرابط واضح.
في الحالتين، هناك مدنيون يعيشون في منطقة حرب.
في الحالتين، هناك أطفال ونساء.
في الحالتين، هناك بيوت تحولت إلى ركام.
وفي الحالتين، توجد رواية عسكرية إسرائيلية تبرر الاستهداف باعتبارات أمنية أو عسكرية.
لكن خلف الرواية العسكرية توجد حياة بشرية.
وهذه الحياة هي التي تريد «العرب في بريطانيا» أن تعيدها إلى مركز القصة.
لا أن يتحول الشهيد إلى رقم.
ولا أن يصبح الطفل مجرد «مدني».
ولا أن تصبح العائلة مجرد «أضرار جانبية».
الصحافة البريطانية نفسها تكشف التناقض
المفارقة أن الصحافة البريطانية قادرة على تقديم تغطية مختلفة تمامًا عندما تختار ذلك.
فالـGuardian، على سبيل المثال، نشرت تحقيقات معمقة عن مقتل عمال إغاثة دوليين في غزة، وعن الطريقة التي استُهدفوا بها، كما نشرت تقارير عن عائلات فلسطينية وقضايا إنسانية مرتبطة بالحرب.
وهذا يعني أن المشكلة ليست في غياب القدرة الصحفية.
الصحافة البريطانية تستطيع أن تروي القصة الإنسانية.
وتستطيع أن تحقق.
وتستطيع أن تسأل عن المسؤولية.
وتستطيع أن تستخدم لغة أقوى عندما ترى أن الأدلة تستدعي ذلك.
لكن السؤال هو:
لماذا لا يحدث ذلك بالدرجة نفسها في كل يوم من أيام الإبادة؟
من هو الغائب الحقيقي عن الصفحة الأولى؟
ربما تكون الإجابة الأكثر دقة أن الغائب ليس «غزة».
الغائب هو الفلسطيني بوصفه إنسانًا.
فغزة السياسية موجودة.
غزة الدبلوماسية موجودة.
غزة البريطانية موجودة.
غزة القانونية موجودة.
لكن غزة التي تضم أمًا تبحث عن طفلها بين الأنقاض، أو طفلًا يحمل صورة أبيه الشهيد، أو عائلة فقدت منزلها للمرة الخامسة، تحتاج إلى مساحة مختلفة.
مساحة لا تبدأ من السؤال: ماذا قالت إسرائيل؟
ولا تنتهي عند: ماذا ردت الحكومة البريطانية؟
بل تبدأ من الإنسان الذي دفع الثمن.
وفي لبنان أيضًا.. الشهداء ليسوا هامشًا
الأمر نفسه ينطبق على لبنان.
فالعدوان الإسرائيلي على الجنوب ليس مجرد ملف أمني بين إسرائيل وحزب الله.
إنه ملف إنساني أيضًا.
عندما تستشهد النساء والأطفال والمسعفون، يجب أن يكونوا جزءًا مركزيًا من القصة.
وعندما تتحول المنازل إلى أنقاض، يجب ألا تختفي حياة سكانها خلف عبارة «غارة إسرائيلية».
وعندما تستشهد عائلة، يجب أن يكون موتها خبرًا بحد ذاته، لا مجرد سطر في تقرير عن «التوتر الإقليمي».
ماذا يقول هذا التحقيق حتى الآن؟
يمكن تلخيص النتائج الأولية في خمس ملاحظات:
أولًا: لا يمكن القول إن الصحافة البريطانية لا تغطي غزة. الأدلة تظهر وجود تغطية واسعة، وخصوصًا في مؤسسات مثل The Guardian.
ثانيًا: يمكن القول بدرجة عالية من الثقة إن أخبار الشهداء في كفر رمان لم تكن العنوان الرئيسي في الصفحات الأولى التي استعرضتها Sky News في 7 سبتمبر/أيلول.
ثالثًا: التغطية البريطانية لغزة تميل، في العينة التي فحصناها، إلى الظهور بقوة عندما ترتبط بقرار سياسي بريطاني أو تطور دبلوماسي أو قضية قانونية، لا دائمًا عندما يكون التطور هو سقوط شهداء جدد.
رابعًا: لبنان حاضر في التغطية البريطانية، لكن حجم الحدث الإنساني في كفر رمان لم ينعكس في العناوين الرئيسية للصحف الوطنية التي راجعناها، رغم أن الحدث أسفر عن استشهاد 12 شخصًا بينهم طفلان، وفق السلطات اللبنانية.
خامسًا: لا تكفي هذه العينة وحدها لإصدار حكم شامل على الإعلام البريطاني. المطلوب هو توسيع الدراسة لتشمل أيامًا متتالية، وأرشيفات الصحف، والمواقع الإلكترونية، واللغة المستخدمة، والمساحات الممنوحة للضحايا.
لكن القصة لم تنتهِ بعد
إذا كان يوم واحد يكشف شيئًا، فإن سلسلة من الأيام قد تكشف نمطًا.
ولهذا فإن الخطوة التالية في هذا التحقيق ليست البحث عن عناوين تؤكد النتيجة مسبقًا.
بل العكس.
سنبحث أيضًا عن الأيام التي تصدرت فيها غزة الصفحات الأولى.
وسنبحث عن الأيام التي قدمت فيها الصحف البريطانية تحقيقات قوية عن الشهداء الفلسطينيين.
وسنقارن بين الصحف المختلفة.
فربما تظهر نتيجة أكثر تعقيدًا:
صحيفة تمنح غزة مساحة أكبر.
وأخرى تركز على السياسة.
وثالثة تضع القصة في صفحاتها الأولى فقط عندما تقع أزمة دبلوماسية.
ورابعة تعتمد بصورة أساسية على وكالات الأنباء.
وهنا يصبح لدينا شيء أقوى بكثير من الاتهام العام.
يصبح لدينا خريطة للتغطية.
السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا
لا يهدف هذا التحقيق إلى مطالبة الصحافة البريطانية بتبني سياسة تحريرية عربية.
ولا يفترض أن كل صحيفة يجب أن تستخدم المصطلحات نفسها التي تستخدمها «العرب في بريطانيا».
لكن الصحافة، في نهاية المطاف، مطالبة بأن تضع حياة البشر في قلب القصة.
وعندما يصبح سقوط عشرات الشهداء خبرًا متكررًا، فإن وظيفة الصحافة لا ينبغي أن تكون التعود عليه.
بل أن تسأل:
لماذا يستمر؟
من يدفع الثمن؟
من يملك القوة؟
من يحاسب؟
ومن يكتب التاريخ؟
في غزة، لا تزال آثار الإبادة ماثلة في الركام، ولا يزال مصير آلاف الأشخاص تحت الأنقاض مجهولًا، وفق التحذيرات التي نقلتها رويترز عن المقررة الخاصة للأمم المتحدة.
وفي لبنان، لا تزال الغارات الإسرائيلية تحصد الشهداء، رغم الهدنة الهشة، فيما تشير البيانات اللبنانية إلى آلاف الشهداء منذ بدء الأعمال العدائية.
ومع ذلك، فإن كثيرًا من القراء البريطانيين قد يفتحون صحفهم صباحًا ليجدوا أن العناوين الرئيسية تتحدث عن اللجوء أو المعاشات أو الهجرة أو السياسة الداخلية.
لا يعني ذلك أن تلك القضايا غير مهمة.
لكن الصحافة مطالبة دائمًا بالإجابة عن سؤال بسيط:
هل يتناسب حجم الخبر مع حجم ما يحدث؟
الخلاصة: من يحدد قيمة الخبر؟
في النهاية، لا تكمن القضية في أن صحيفة بريطانية لم تضع غزة في الصفحة الأولى في يوم بعينه.
القضية أعمق.
إنها تتعلق بكيفية تشكل الوعي العام.
عندما يقرأ المواطن البريطاني أن هناك أزمة سياسية بين لندن وتل أبيب، فإنه يعرف أن هناك أزمة.
وعندما يقرأ عن المستوطنات، يعرف أن هناك خلافًا قانونيًا.
لكن عندما يقرأ أن «12 شخصًا قتلوا في غارة»، قد لا يرى بالضرورة الطفل الذي كان يستعد للمدرسة، أو المرأة التي كانت في منزلها، أو المسعف الذي ذهب لإنقاذ الآخرين.
وهنا تصبح مهمة الصحافة الإنسانية أكثر إلحاحًا.
أن تعيد الإنسان إلى الخبر.
أن تقول إن هؤلاء ليسوا «حصيلة».
إنهم شهداء.
وأن تقول إن ما يحدث في غزة ليس مجرد «حرب» في فراغ سياسي وتاريخي، بل إبادة جماعية مستمرة بحق الفلسطينيين، كما باتت تستخدم هذا التوصيف جهات أممية وتحقيقات دولية، فيما تستمر إسرائيل في رفض هذا الاتهام.
وأن تقول إن ما يحدث في لبنان ليس مجرد «تصعيد» عابر، بل عدوان إسرائيلي يستمر في حصد أرواح المدنيين وتدمير بلداتهم، كما يظهر بوضوح في أحداث كفر رمان.
والسؤال الذي يضعه «العرب في بريطانيا» أمام الصحافة البريطانية ليس:
لماذا لم تتحدثوا عن غزة؟
بل سؤال أكثر صعوبة:
عندما استشهد أطفال غزة ولبنان، أين كان الخبر على سلم أولوياتكم؟
فبينما ينام المحررون في لندن أمام شاشات غرف الأخبار، تبقى هناك عائلات في غزة ولبنان تبحث في الركام عن أحبائها.
هناك، لا توجد «صفحة أولى».
هناك، الحياة نفسها هي الصفحة الأخيرة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇