اللجوء واللاجئون في بريطانيا: هل انقلبت معادلة الحماية وتغيرت القوانين؟
يُقصد باللجوء (Asylum) الحماية القانونية والدولية المؤقتة أو الدائمة التي تمنحها الدولة المضيفة للأفراد الفارين من بلدانهم الأصلية بسبب خوف مبرر من التعرض للاضطهاد. ويستند هذا المفهوم القانوني بشكل أساسي إلى اتفاقية جنيف لعام 1951 وبروتوكولها لسنة 1967، اللذين يحددان بوضوح مفهوم اللاجئ بأنه الشخص الذي يوجد خارج دولة جنسيته، ولا يمكنه أو لا يرغب في العودة إليها بسبب خوف مبرر من الاضطهاد لأسباب تتعلق بالعرق، أو الدين، أو القومية، أو الانضمام إلى فئة اجتماعية معينة، أو بسبب آرائه السياسية.
وتتفرع عن هذا المصطلح مفاهيم تنظيمية متعددة، لعل أبرزها:
- طالب اللجوء (Asylum Seeker): هو الفرد الذي قدم طلبًا رسميًا للحصول على الحماية الدولية ولم يصدر بشأنه قرار نهائي من الجهات المختصة بعد.
- الحماية الفرعية أو الإنسانية (Subsidiary/Humanitarian Protection): وضع قانوني يُمنح للأشخاص الذين لا تنطبق عليهم المعايير الحرفية لاتفاقية جنيف، لكنهم يواجهون خطرًا حقيقيًا بتعرضهم لأضرار بالغة أو عقوبة الإعدام أو التعذيب إذا أُعيدوا إلى بلدانهم الأصلية.
- اللاجئ المعترف به: الشخص الذي استوفى كافة الشروط وتمت الموافقة على طلبه رسميًا وحصل على حقوق إقامة وخدمات أساسية.
توقيت ظهور اللجوء واللاجئين في العالم

تضرب جذور فكرة حماية الفارين والمستجيرين بأطنابها في أعماق التاريخ الإنساني، حيث عُرفت أعراف “الملجأ” في الحضارات القديمة كالمصرية واليونانية والجزيرة العربية، حيث كان يُمنح الأمان للأفراد الفارين من النزاعات أو البطش. غير أن مفهوم اللجوء الحديث والمعاصر بصيغته القانونية والمؤسسية قد ظهر جليًا أعقاب الحرب العالمية الثانية (1939-1945)، وما خلّفته من ملايين المشردين واللاجئين والنازحين في القارة الأوروبية وحدها.
أدرك المجتمع الدولي حينها ضرورة إيجاد إطار تشريعي دولي موحد للتعامل مع هذه الظاهرة الإنسانية العابرة للحدود، مما أثمر عن تأسيس المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في عام 1950، تلاها إقرار اتفاقية جنيف لسنة 1951 في 28 تموز/يوليو 1951، والتي دخلت حيز التنفيذ الفعلي في 22 نيسان/أبريل 1954، لتشكل المرجعية القانونية العالمية الأولى والأساسية لتنظيم وحماية حقوق اللاجئين وتحديد التزامات الدول الموقعة عليها.
تطور اللجوء في أوروبا وبريطانيا
شهدت القارة الأوروبية تحولات كبرى في مسار التعامل مع ملف اللجوء، لا سيما مع توقيع اتفاقيات تنظيم حركة الأفراد داخل الاتحاد الأوروبي، مثل اتفاقية دبلن التي حددت معايير الدولة الأوروبية المسؤولة عن دراسة طلب اللجوء، بهدف منع ظاهرة “اللجوء المتعدد” وتوزيع المسؤوليات.
أما في بريطانيا، فقد ظل النظام الإنساني والتشريعي للجوء لعدة عقود مندمجًا ضمن المنظومة الأوروبية المشتركة ومتأثرًا بالتزامات اتفاقية حقوق الإنسان الأوروبية. ومع اتخاذ قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي (البريكست) واستكمال مراحله، شهدت السياسة البريطانية انعطافة تاريخية؛ إذ سعت لندن إلى استعادة السيادة الكاملة على حدودها وقوانين هجرتها بمعزل عن التشريعات والتوجيهات الأوروبية الموحدة. وأدى هذا الانفصال التنظيمي إلى توجه الحكومات المتعاقبة نحو إقرار استراتيجيات صارمة تهدف حصرًا إلى الحد من الهجرة غير النظامية والتحكم بأعداد طالبي اللجوء الوافدين عبر القنال الإنجليزي.
القوانين في بريطانيا ومدى تغيرها

مرّ النظام القانوني للجوء والهجرة في بريطانيا بسلسلة من التعديلات الجذرية وغير المسبوقة التي اتسمت بالتشديد المضطرد للقيود القانونية والإجرائية. فبعد صدور قانون الجنسية والحدود لعام 2022، شهدت الفترة اللاحقة إقرار قانون أمن الحدود واللجوء والهجرة لعام 2025 الذي أصبح نافذاً في ديسمبر 2025، إلى جانب تعديلات قواعد الهجرة الصادرة في آذار/مارس 2026 والتي حولت نموذج الحماية إلى نظام مؤقت ودوري.
أفرزت هذه التطورات التشريعية والتنظيمية المتلاحقة تغيرات هيكلية عميقة في بيئة اللجوء البريطانية، لعل أبرزها:
- إلغاء الإقامة الدائمة المباشرة واستبدالها بالحماية المؤقتة: التخلي التدريجي عن منح حق اللجوء التقليدي الذي كان يفضي إلى الاستقرار والإقامة الدائمة بعد خمس سنوات، واستبداله بنظام “الحماية المؤقتة” (Core Protection) لمدة 30 شهرًا (سنتين ونصف) للأشخاص البالغين والأطفال المرافقين الذين يتقدمون بطلبات لجوء، بحيث تخضع حالتهم لمراجعة دورية لمعرفة ما إذا كانوا ما زالوا بحاجة للحماية أم زال الخطر ويمكن إعادتهم.
- تقليص سبل الاستقرار المعياري: إخضاع مسارات البقاء الطويل لتشديدات صارمة، مع فرض مراجعات مبكرة ومكثفة تقلل من حالة اليقين والاستقرار السريع لطالبي اللجوء المقبولين.
- مكافحة الوصول غير النظامي وشبكات التهريب: تشديد العقوبات الجنائية بموجب قانون عام 2025 بحق المتورطين في جرائم الهجرة غير النظامية، وتجريم توفير الأدوات أو تسهيل عمليات العبور غير الآمن (مثل قوارب بحر المانش)، إلى جانب توسيع صلاحيات إنفاذ القانون، والتفتيش، وضبط الأجهزة، وتبادل البيانات بين الجهات الأمنية والحكومية (مع إلغاء خطة الترحيل إلى رواندا التي كانت مقررة في تشريعات سابقة).
وضع اللاجئين الحالي في بريطانيا

يعيش اللاجئون المقبولة طلباتهم والمقيمون في بريطانيا في ظل واقع تنظيمي وحياتي بالغ التعقيد والضغط. ورغم أن القانون البريطاني يكفل لهم حق العمل القانوني، والوصول إلى خدمات هيئة الصحة الوطنية (NHS)، والتعليم الأساسي، إلا أنهم باتوا يواجهون تحديات هائلة بسبب زوال الاستقرار طويل الأمد.
تفرض سياسة الإقامة المؤقتة كل 30 شهرًا حالة من القلق المستمر والشعور بانعدام اليقين حيال المستقبل، نظرًا لارتباط تجديد الإقامة بإعادة تقييم الأوضاع الأمنية في البلدان الأصلية وما إذا كانت تتيح العودة أم لا. علاوة على ذلك، تواجه الأسر اللاجئة ضغوطًا معيشية متزايدة مرتبطة بصعوبة تأمين السكن الاجتماعي المستقل، وتأثر المساعدات الاجتماعية المخصصة للفئات الهشة، وسط انتقادات واسعة ومتابعة دقيقة من المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، مثل مفوضية شؤون اللاجئين في بريطانيا، التي تحذر باستمرار من تداعيات هذه القيود على الاندماج الاجتماعي والنفسي للاجئين.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇