عطلان خلال أسبوعين.. لماذا تتكرر أزمة مراقبة الطيران ومَن يدفع الثمن؟
عطلان خلال أسبوعين.. لماذا تتكرر أزمة مراقبة الطيران ومَن يدفع الثمن؟
عادت الاضطرابات إلى مطارات بريطانية، الإثنين، بعد عطل تقني في مركز مراقبة الطيران بمدينة بريستويك في اسكتلندا، تسبب في تأخير الرحلات وإلغاء بعضها في مانشستر وغلاسكو وبلفاست ومطارات أخرى.
وأعلنت شركة خدمات الملاحة الجوية «ناتس» إصلاح العطل واستئناف العمل، لكن التأثير استمر لساعات بسبب تراكم الرحلات والحاجة إلى إعادة تنظيم حركة الطائرات.
المشكلة أن هذا العطل جاء بعد أقل من أسبوعين من انهيار تقني آخر أدى إلى إلغاء أكثر من ألفي رحلة وتأثر مئات الآلاف من المسافرين. ورغم تأكيد «ناتس» أن الحادثين غير مرتبطين، أعاد تكرارهما طرح أسئلة بشأن قدرة أنظمة مراقبة الطيران على الصمود، ومَن يتحمل تكلفة التعطل عندما تبقى الطائرات على الأرض.
عطل جديد يبدأ من بريستويك
بدأ عطل الإثنين داخل مركز «ناتس» في بريستويك، الذي يدير حركة الطائرات فوق اسكتلندا وأجزاء من شمال بريطانيا وشمال المحيط الأطلسي.
وقالت الشركة إن «مشكلة في الاتصال» أثرت في قدرتها على معالجة الرحلات، ما اضطرها إلى خفض عدد الطائرات المسموح بمرورها داخل بعض قطاعات المجال الجوي.
وبحسب فايننشال تايمز، انخفضت الطاقة الاستيعابية للحركة الجوية فوق اسكتلندا بنسبة 60%، بينما تراجعت بعض الرحلات المغادرة عبر الأطلسي بنسبة 40% خلال العطل، واضطرت فرق إلى معالجة بيانات الطيران يدويًا باستخدام النماذج الورقية.
وأثر الاضطراب في رحلات تديرها الخطوط الجوية البريطانية و«إيزي جيت» و«رايان إير» و«كي إل إم»، بينما شهد مطارا غاتويك ولندن سيتي بعض التأخيرات أيضًا.
وقالت «رايان إير» إن نحو 25 ألفًا من ركابها تأثروا، وطالبت باستقالة الرئيس التنفيذي لـ«ناتس»، فيما دعت «إيزي جيت» إلى إجراءات عاجلة لتعزيز قدرة الأنظمة على مقاومة الأعطال، وفق وكالة رويترز.
خطأ في جزء من الثانية
وقع العطل السابق في 8 سبتمبر/أيلول، لكنه كان مختلفًا من الناحية التقنية وأكثر اتساعًا في تأثيره.
وكشف تحقيق «ناتس» أن خللًا برمجيًا كامنًا تسبب في إفساد بيانات الرحلات خلال جزء من الثانية، بعدما طلب أحد المراقبين يدويًا رمزًا تعريفيًا لإحدى الطائرات.
وبدا النظام في البداية وكأنه استعاد عمله، لكن الخطأ تكرر بعد ساعات، ما أدى إلى تعطل استمر نحو ست ساعات واضطر المراقبين إلى تقليص الحركة والتعامل يدويًا مع بيانات الطائرات.
وتسبب العطل في إلغاء أكثر من ألفي رحلة، إلى جانب تأخيرات طالت مئات الآلاف من الركاب. وأمرت الحكومة هيئة الطيران المدني بمراجعة أسباب الحادث ومدى قدرة أنظمة «ناتس» وخططها الاستثمارية على منع تكراره، على أن تقدم نتائجها خلال ستة أشهر.
وليست هذه أول أزمة كبيرة تواجه الشركة؛ فقد تسبب عطل آخر في أغسطس/آب 2023 في اضطراب واسع، وقدّرت شركات الطيران خسائرها حينها بنحو 100 مليون باوند.
ليست المشكلة نفسها.. لكن النتيجة واحدة

تؤكد «ناتس» أن عطل بريستويك لا يرتبط بالخلل البرمجي الذي وقع في وقت سابق من سبتمبر/أيلول، ولم تظهر حتى الآن أدلة على وجود عيب تقني واحد وراء الحادثين.
لكن تكرار الأعطال خلال فترة قصيرة يثير مشكلة أوسع تتعلق بمرونة الشبكة. فعندما يتوقف نظام مركزي عن استقبال بيانات الرحلات أو توزيعها، لا تستطيع شركات الطيران ببساطة مواصلة العمل كالمعتاد.
ويحتاج المراقبون إلى تقليل عدد الطائرات داخل المجال الجوي حتى يتمكنوا من متابعة كل رحلة بأمان باستخدام الأنظمة الاحتياطية أو الإجراءات اليدوية. لذلك لا يعني خفض الحركة وجود خطر مباشر على سلامة الطائرات، بل يمثل إجراءً وقائيًا؛ غير أن ثمنه يظهر سريعًا في صورة تأخيرات وإلغاءات تمتد من مطار إلى آخر.
وتملك الحكومة البريطانية 49% من شركة «ناتس»، بينما تتوزع بقية الملكية بين مجموعة من شركات الطيران ومطار هيثرو وموظفي الشركة. وهذا يجعل مساءلتها موزعة بين الدولة وقطاع الطيران، بينما يقع الأثر المباشر على المسافرين وشركات الرحلات.
لا تعويض غالبًا.. لكن الحقوق لا تختفي

يُصنف عطل مراقبة الملاحة الجوية عادة ضمن «الظروف الاستثنائية» الخارجة عن سيطرة شركة الطيران، ولذلك لا يحصل المسافر غالبًا على التعويض النقدي المقرر عند تأخر الرحلة أو إلغائها بسبب خطأ تتحمل الشركة مسؤوليته.
لكن غياب التعويض لا يعني سقوط بقية حقوق الراكب.
وتوضح هيئة الطيران المدني أن شركة الطيران تظل ملزمة، عند إلغاء الرحلة، بمنح المسافر الاختيار بين استرداد ثمن الجزء غير المستخدم من التذكرة أو السفر على رحلة بديلة في أقرب فرصة ممكنة أو في موعد لاحق يناسبه.
كما يجب عليها توفير الطعام والشراب ووسيلة للاتصال، إلى جانب الإقامة الفندقية والنقل منها وإليها إذا استدعى التأخير البقاء حتى اليوم التالي، بغض النظر عن سبب الاضطراب.
وعند عدم توفير الشركة هذه الخدمات، يستطيع المسافر ترتيب احتياجاته بنفسه والمطالبة بالتكاليف لاحقًا، بشرط الاحتفاظ بالفواتير وأن تكون النفقات معقولة. أما إذا تجاوز التأخير خمس ساعات وقرر الراكب عدم السفر، فيحق له طلب استرداد قيمة الرحلة التي لم يستخدمها.
وهكذا، قد يكون العطلان مختلفين في أسبابهما، لكنهما كشفا نقطة الضعف نفسها: اعتماد شبكة ضخمة من المطارات وشركات الطيران على أنظمة مركزية يمكن لخلل قصير داخلها أن يترك آلاف المسافرين ينتظرون لساعات. وسيظل السؤال مفتوحًا إلى أن تنتهي مراجعة هيئة الطيران المدني: هل كانت بريطانيا أمام مصادفتين متقاربتين، أم إن تكرار الأعطال إنذار بأن أنظمة مراقبة الطيران تحتاج إلى تحديث أعمق؟
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇