ضريبة سنوية على المنازل بدلاً من «ضريبة المجلس» و«ستامب ديوتي »..هل ينجح مقترح بيرنهام؟
تدرس الحكومة البريطانية خيارات لإعادة صياغة النظام الضريبي المرتبط بالعقارات، في تحول قد يطال ملايين مالكي المنازل والمشترين في مختلف أنحاء بريطانيا، وسط حديث عن مقترح يقضي باستبدال ضريبة المجلس المحلية (Council Tax) ورسوم الدمغة المفروضة على معاملات شراء العقارات (Stamp Duty Land Tax) بضريبة سنوية تُحتسب على أساس القيمة الحالية للعقار.
طبيعة المقترح وتفاصيله الحالية

وبحسب ما أوردته تقارير إعلامية، من بينها تقرير نشرته وكالة «رويترز»، فإن رئيس الوزراء البريطاني آندي بيرنهام يدعم فكرة فرض ضريبة عقارية سنوية بمعدل يُقدّر بنحو 0.48% من قيمة العقار، في إطار نقاش أوسع حول كيفية إعادة توزيع العبء الضريبي وتعزيز إيرادات الدولة والسلطات المحلية.
غير أن المقترح، وفق المعطيات المتاحة حتى الآن، لا يمثل سياسة ضريبية نهائية دخلت حيز التنفيذ، كما لم تُعلن تفاصيل تشريعية مكتملة تحدد آلية احتساب الضريبة أو موعد تطبيقها أو الفئات التي يمكن أن تشملها الإعفاءات. ولذلك، فإن الحديث عن نسبة 0.48% ينبغي التعامل معه باعتباره جزءاً من تصور أو خيار سياسي قيد الدراسة، وليس باعتباره ضريبة أقرتها الحكومة بالفعل.
ويأتي هذا النقاش في وقت تواجه فيه بريطانيا ضغوطاً متزايدة لإصلاح نظام الضرائب، في ظل ارتفاع تكاليف الخدمات العامة، والحاجة إلى تمويل السلطات المحلية، إلى جانب الجدل المستمر بشأن سوق الإسكان وأسعار المنازل والفوارق الكبيرة في قيمة العقارات بين مناطق البلاد.
مقارنة بين النظام الحالي والنموذج المقترح
ويقوم التصور المطروح على تغيير جوهري في طريقة فرض الضرائب على الملكية العقارية. ففي النظام الحالي في إنجلترا، يدفع أصحاب المنازل ضريبة المجلس لتمويل الخدمات المحلية، بينما تُفرض رسوم الدمغة على مشتري العقارات عند إتمام عملية الشراء وفق شرائح وقواعد تحددها الحكومة.
أما النموذج المقترح، فيقوم على فرض ضريبة سنوية مرتبطة مباشرة بالقيمة الحالية للعقار، بما يعني أن الالتزام الضريبي لن يرتبط فقط بعملية شراء أو بيع المنزل، بل سيصبح التزاماً سنوياً مستمراً على مالك العقار.
وبحسب معدل 0.48% المتداول في المقترح، فإن منزلاً تبلغ قيمته السوقية 300 ألف باوند قد يخضع نظرياً لضريبة سنوية تبلغ نحو 1,440 باونداً، بينما تصل الضريبة على منزل تبلغ قيمته 500 ألف باوند إلى نحو 2,400 باوند سنوياً.
إلا أن هذه الأرقام لا تمثل مبالغ ضريبية مقررة أو نهائية، إذ إن أي نظام جديد قد يتضمن شرائح مختلفة، أو إعفاءات، أو تخفيضات، أو ترتيبات خاصة لأصحاب الدخل المنخفض والمتقاعدين، فضلاً عن احتمال اعتماد قواعد انتقالية عند الانتقال من النظام الحالي إلى أي نظام جديد.
الآثار المحتملة على سوق الإسكان وحركة العقارات

ويُعد إلغاء رسوم الدمغة أحد أبرز جوانب المقترح، إذ يرى مؤيدو هذه الخطوة أن الضريبة المفروضة عند شراء العقار قد تشكل عائقاً أمام حركة سوق الإسكان، وتدفع بعض الأسر إلى تأجيل الانتقال من منزل إلى آخر بسبب ارتفاع التكلفة الإجمالية لعملية الشراء.
وفي المقابل، فإن فرض ضريبة سنوية على القيمة الحالية للعقار قد ينقل العبء الضريبي من لحظة شراء المنزل إلى سنوات الملكية اللاحقة. وهذا يعني أن بعض المشترين قد يدفعون مبالغ أقل عند إتمام عملية الشراء، لكنهم قد يواجهون التزاماً ضريبياً سنوياً مستمراً بعد امتلاك العقار.
التحديات والآثار على الفئات المختلفة والمتقاعدين
ويثير هذا التحول تساؤلات واسعة حول الفئات التي ستستفيد من النظام الجديد وتلك التي قد تتحمل أعباء أكبر. فمن المرجح، في حال اعتماد ضريبة موحدة على قيمة العقارات، أن تكون العقارات المرتفعة القيمة في لندن وجنوب شرق إنجلترا من بين الأكثر تأثراً، في حين قد يكون العبء أقل على مالكي العقارات ذات القيم السوقية المنخفضة.
كما قد يفتح النظام الجديد نقاشاً حول وضع المتقاعدين والأسر ذات الدخل المحدود التي تمتلك منازل مرتفعة القيمة نتيجة ارتفاع أسعار العقارات على مدى سنوات طويلة، لكنها لا تتمتع بالضرورة بدخل نقدي مرتفع يمكنها من تحمل ضريبة سنوية كبيرة.
وتبرز هنا واحدة من أكثر القضايا حساسية في أي إصلاح محتمل، وهي كيفية التعامل مع أصحاب المنازل الذين ارتفعت قيمة عقاراتهم بشكل كبير، خصوصاً في المناطق التي شهدت ارتفاعاً حاداً في أسعار المساكن. فقد يجد مالك المنزل نفسه أمام قيمة عقارية مرتفعة، وبالتالي التزام ضريبي سنوي أكبر، حتى إذا لم يرتفع دخله بنفس النسبة.
ومن الناحية الأخرى، يرى مؤيدو إعادة هيكلة النظام الضريبي العقاري أن ربط الضريبة بالقيمة الحالية للعقار قد يجعل النظام أكثر ارتباطاً بالثروة العقارية الفعلية، بدلاً من الاعتماد على أنظمة تقييم أو شرائح ضريبية لا تعكس دائماً التغيرات التي طرأت على أسعار المنازل خلال العقود الماضية.
كما أن استبدال رسوم الدمغة بضريبة سنوية قد يغير سلوك سوق العقارات، إذ إن الضريبة الحالية المرتبطة بالشراء قد تجعل بعض مالكي المنازل يترددون في الانتقال، بينما يمكن لنظام لا يفرض تكلفة كبيرة عند إتمام الصفقة أن يشجع على مزيد من الحركة داخل سوق الإسكان.
التحديات السياسية والإدارية وتمويل السلطات المحلية

لكن أي إصلاح من هذا النوع سيواجه تحديات سياسية وإدارية كبيرة، ليس أقلها تحديد القيمة الحالية لكل عقار بصورة عادلة ودقيقة، وإعادة تقييم ملايين المنازل، وإنشاء نظام قادر على تحديث هذه القيم والتعامل مع التفاوت الكبير بين أسواق العقارات المحلية.
كما أن إلغاء ضريبة المجلس يطرح سؤالاً آخر يتعلق بتمويل السلطات المحلية، التي تعتمد على هذه الضريبة في تمويل جزء من الخدمات المقدمة للسكان. وبالتالي، فإن استبدالها بضريبة عقارية جديدة سيتطلب تحديد الجهة التي ستتولى تحصيل الإيرادات وكيفية توزيعها على المجالس المحلية، وما إذا كانت الإيرادات ستبقى محلية أم ستدخل ضمن نظام مركزي لإعادة التوزيع.
التمييز بين الضريبة العقارية وضريبة قيمة الأرض

ويجب كذلك التمييز بين الضريبة العقارية المقترحة والضريبة على قيمة الأرض، إذ إن المصطلحين قد يبدوان متشابهين في النقاش العام، لكنهما يختلفان من الناحية الاقتصادية والضريبية. فالضريبة على قيمة العقار تستند إلى قيمة الممتلكات العقارية ككل، في حين تركز ضريبة قيمة الأرض على قيمة الأرض نفسها، من دون احتساب قيمة المباني والمنشآت بالطريقة ذاتها.
ويأتي الجدل الحالي في سياق نقاش أوسع داخل بريطانيا حول فرض ضرائب أكبر على الثروة والأصول، في وقت تبحث فيه الحكومة عن طرق لزيادة الإيرادات دون الاعتماد حصراً على رفع الضرائب التقليدية على الدخل أو الاستهلاك.
وفي حال تحولت فكرة الضريبة السنوية على العقارات إلى سياسة رسمية، فإنها ستكون بمثابة إعادة رسم جوهرية للخريطة الضريبية المرتبطة بملكية المنازل في بريطانيا، وقد تؤثر في قرارات الشراء والبيع والاستثمار وأسعار العقارات، فضلاً عن العلاقة المالية بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية.
لكن الطريق من الفكرة إلى التشريع لن يكون قصيراً بالضرورة. فأي تغيير بهذا الحجم يحتاج إلى تحديد واضح لمعدل الضريبة، وآلية تقييم العقارات، ونظام الإعفاءات، ومعاملة المنازل الثانية والعقارات الاستثمارية، ووضع المتقاعدين وأصحاب الدخل المحدود، إضافة إلى تحديد كيفية انتقال دافعي الضرائب من النظام الحالي إلى النظام الجديد.
وبناءً على المعلومات المتاحة، فإن نسبة 0.48% المتداولة لا ينبغي فهمها باعتبارها ضريبة جديدة مفروضة على جميع المنازل في بريطانيا، بل باعتبارها جزءاً من مقترح أو تصور يخضع للنقاش السياسي. كما أن تفاصيل التطبيق النهائية، في حال المضي قدماً في الإصلاح، قد تختلف بصورة كبيرة عن النموذج المتداول حالياً.
وبينما يرى المؤيدون أن إصلاح النظام يمكن أن يجعل الضرائب العقارية أكثر عدالة ويزيل العقبات أمام حركة سوق الإسكان، يحذر منتقدون من أن فرض ضريبة سنوية مرتبطة بالقيمة الحالية للمنازل قد يحمّل أصحاب العقارات المرتفعة القيمة أعباء إضافية، وقد يخلق تحديات جديدة للأسر التي تملك أصولاً عقارية كبيرة لكنها لا تتمتع بدخل مرتفع.
مستقبل الإصلاح الضريبي في بريطانيا
ومع استمرار النقاش حول مستقبل النظام الضريبي في بريطانيا، يبقى السؤال الرئيسي هو ما إذا كانت الحكومة ستتجه فعلاً إلى إعادة بناء نظام الضرائب العقارية من أساسه، أم أن المقترح سيبقى واحداً من الخيارات المطروحة ضمن حزمة أوسع من الإصلاحات المالية.
وفي حال اعتماد نموذج قريب من المقترح المتداول، فإن التغيير لن يكون مجرد استبدال ضريبة بأخرى، بل انتقالاً من نظام يدفع فيه المواطن ضريبة محلية سنوية ورسماً عند شراء المنزل، إلى نموذج يجعل قيمة العقار نفسه أساساً لالتزام ضريبي سنوي مستمر، وهو تحول يمكن أن تكون له تداعيات واسعة على سوق الإسكان والمالكين والمشترين والسلطات المحلية في أنحاء بريطانيا.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇