تهديدات وإساءات تدفع أعضاء المجالس المحلية بعيدًا عن السياسة.. من سيقبل بالترشح؟
تهديدات وإساءات تدفع أعضاء المجالس المحلية بعيدًا عن السياسة.. من سيقبل بالترشح؟
تهديدات بالعنف والقتل، وإساءات عبر الإنترنت، وتركيب كاميرات وإنذارات في المنازل خوفًا من التعرض للاعتداء.
هذه ليست إجراءات أمنية يتخذها نواب بارزون أو وزراء في الحكومة البريطانية، وإنما جزء من الحياة التي يقول عدد متزايد من أعضاء المجالس المحلية إنهم أصبحوا يواجهونها بسبب عملهم.
ويكشف استطلاع جديد أن المشكلة بدأت تتجاوز تأثيرها على حياة المسؤولين المحليين أنفسهم، لتصل إلى سؤال أكبر: هل تدفع التهديدات أشخاصًا إلى ترك السياسة المحلية أو العزوف عن دخولها أصلًا؟
78% يشعرون بأنهم معرضون للخطر
أظهر أحدث استطلاع ضمن حملة Debate Not Hate التي تديرها جمعية الحكم المحلي (LGA)، أن 78 في المئة من أعضاء المجالس المشاركين يشعرون بدرجة من الخطر الشخصي أثناء أداء عملهم.
وشارك في الاستطلاع أكثر من 1,500 عضو مجلس محلي من مختلف أنحاء المملكة المتحدة، بعدما توسع هذا العام ليشمل المجالس الرئيسة في إنجلترا وويلز واسكتلندا وأيرلندا الشمالية.
وقال أكثر من نصف المشاركين، بنسبة 52 في المئة، إن حجم الإساءة والترهيب ارتفع خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، فيما رأى ربع المشاركين أنه ارتفع بصورة حادة.
ولا يقتصر الأمر على تعليقات غاضبة أو انتقادات سياسية حادة.
فقد قال 26 في المئة إنهم تلقوا تهديدات بالعنف، بينما تلقى 7 في المئة تهديدات بالقتل.
من الإنترنت إلى باب المنزل
بالنسبة إلى بعض أعضاء المجالس، لم تعد الحدود واضحة بين العمل السياسي والحياة الخاصة.
فقد قال أكثر من ثلث المشاركين، بنسبة 35 في المئة، إنهم اضطروا إلى إجراء تعديلات أمنية في منازلهم أو شعروا بالحاجة إليها بسبب مخاوف مرتبطة بعملهم.
وشملت الإجراءات تركيب كاميرات مراقبة وأجهزة إنذار، وتعزيز الأبواب والأقفال، وإغلاق فتحات البريد أو تركيب بوابات كهربائية.
وفي بعض الحالات، حمل أعضاء مجالس أجهزة إنذار شخصية، بينما انتقل آخرون من منازلهم.
ومن بين الحالات التي تحدثت عنها صحيفة الغارديان، هيذر ويليامز، زعيمة مجموعة المعارضة المحافظة في مجلس ساوث كامبريدجشير، التي قالت إنها تعرضت لتهديدات بالقتل والعنف الجنسي، ووصل الأمر إلى ترك فضلات كلاب أمام منزلها.
وقالت إنها اضطرت إلى تركيب كاميرات وأجهزة إنذار في منزلها، ووضع ترتيبات أمنية تشمل ابنتها أيضًا.

البعض يفكر في الرحيل
التأثير الأخطر قد لا يكون في الإساءة نفسها، وإنما في الأشخاص الذين تدفعهم إلى الخروج من السياسة.
فبين أعضاء المجالس الذين قرروا عدم الترشح في الانتخابات المقبلة أو لم يحسموا بعد ما إذا كانوا سيترشحون، قال 30 في المئة إن احتمال التعرض للإساءة أو الترهيب أثر في قرارهم.
وهذا يعني أن المشكلة لم تعد مجرد مسألة تتعلق بحماية المسؤول المنتخب أثناء وجوده في المنصب.
فإذا أصبحت التهديدات جزءًا متوقعًا من الوظيفة، فقد يتغير أيضًا نوع الأشخاص المستعدين للقيام بها.
وتحذر جمعية الحكم المحلي من أن ذلك قد يؤدي إلى عزوف أشخاص مؤهلين عن الترشح من البداية، وليس فقط انسحاب من يشغلون المناصب بالفعل.
النساء والأقليات أكثر عرضة للتفكير في الانسحاب
ولا يبدو تأثير الإساءة متساويًا بين جميع أعضاء المجالس.
فمن بين النساء اللاتي كن يفكرن في عدم الترشح مجددًا، قالت 38 في المئة إن الإساءة والترهيب أثرا في قرارهن، مقابل 23 في المئة من الرجال.
وارتفعت النسبة إلى 43 في المئة بين أعضاء المجالس من الأقليات العرقية الذين كانوا يفكرون في عدم الترشح مجددًا، مقارنة بـ28 في المئة بين الأعضاء البيض.
كما وجد الاستطلاع أن الشعور بالخطر الشخصي تجاوز 85 في المئة بين النساء وأعضاء الأقليات العرقية وذوي الإعاقة.
وتثير هذه الفروق مشكلة تتجاوز عدد الأشخاص المستعدين للترشح، إلى مدى تمثيل المجالس المحلية للمجتمعات التي تديرها.
فإذا كانت بعض الفئات أكثر عرضة من غيرها للانسحاب بسبب الترهيب، فقد تؤثر المشكلة في تنوع الأشخاص الذين يبقون في السياسة المحلية.
لماذا يهم من يجلس في المجلس المحلي؟
قد تبدو السياسة المحلية أقل حضورًا في الأخبار من وستمنستر، لكن القرارات التي يتخذها أعضاء المجالس تمس تفاصيل الحياة اليومية بصورة مباشرة.
فالمجالس تتعامل مع ملفات مثل الإسكان والتخطيط وجمع النفايات والخدمات الاجتماعية والطرق والمكتبات والحدائق، إضافة إلى أجزاء أخرى من الخدمات المحلية تختلف باختلاف نوع المجلس والمنطقة.
كما يعمل أعضاء المجالس على قضايا فردية للسكان، من مشكلات السكن إلى الخدمات المحلية والتخطيط.
وهذا يجعلهم أيضًا أكثر قربًا من الجمهور من كثير من السياسيين الوطنيين.
لكن القرب نفسه قد يزيد من تعرضهم للمواجهة المباشرة، إذ يعيش عضو المجلس غالبًا في المجتمع الذي يمثله، ويمكن للسكان مقابلته في الشارع أو التواصل معه مباشرة بشأن قرارات تمس حياتهم اليومية.
هل المشكلة جديدة؟
الإساءة للسياسيين المحليين ليست ظاهرة بدأت هذا العام.
فجمعية الحكم المحلي أطلقت حملة Debate Not Hate عام 2022 بسبب القلق المتزايد بشأن الترهيب في الحياة العامة.
وفي استطلاعها لعام 2024، قال 73 في المئة من المشاركين إنهم تعرضوا لشكل من أشكال الإساءة أو الترهيب خلال الاثني عشر شهرًا السابقة، بينما قال 49 في المئة ممن تعرضوا لها إنها ازدادت.
وفي الاستطلاع الجديد، يقول 52 في المئة إن الإساءة والترهيب ارتفعا خلال العام الأخير.
وفي إنجلترا وويلز تحديدًا، ارتفعت نسبة من يشعرون بخطر شخصي أثناء أداء دورهم من 73 في المئة في 2025 إلى 77 في المئة هذا العام.
أي أن المشكلة ليست مجرد مجموعة من الحالات الفردية التي برزت في عام انتخابي واحد.
ماذا تفعل السلطات؟
أُدخلت بالفعل بعض الإجراءات لتعزيز حماية السياسيين.
فلم يعد أعضاء المجالس مطالبين بنشر عناوين منازلهم على مواقع المجالس، كما أصبح لكل قوة شرطة مستشار واحد على الأقل مخصص للتعامل مع المخاوف الأمنية للمسؤولين المنتخبين.
كما أُنشئت وحدة شرطية وطنية في وقت سابق من هذا العام للمساعدة في التعامل مع الأشخاص الذين يهددون أو يضايقون المرشحين في الانتخابات المحلية، ورصد الحالات المتكررة ومساعدة قوات الشرطة على بناء القضايا ضد المتهمين.
لكن جمعية الحكم المحلي تقول إن الإجراءات الحالية لا تزال غير كافية، وتطالب بترتيبات أكثر رسمية بين الحكومة والشرطة وشركات التواصل الاجتماعي للتعامل مع الإساءة والترهيب.
عندما يصبح الخوف جزءًا من شروط الوظيفة

الخلاف مع السياسيين، والاحتجاج على قراراتهم، وانتقاد أدائهم جزء طبيعي من الحياة الديمقراطية.
لكن الأرقام الجديدة تطرح سؤالًا مختلفًا عما إذا كان التهديد بالعنف أو الوصول إلى منازل المسؤولين أو استهداف أسرهم يبدأ في تغيير من يستطيع تحمل كلفة العمل السياسي أصلًا.
فالنتيجة لا تظهر فقط في عدد البلاغات المقدمة إلى الشرطة، وإنما في عضو مجلس يقرر عدم الترشح مرة أخرى، أو شخص يفكر في دخول السياسة ثم يرى ما يتعرض له من سبقه فيقرر الابتعاد.
ولهذا فإن المشكلة بالنسبة إلى المجالس البريطانية لا تتعلق فقط بكيفية حماية من يشغلون مقاعدها اليوم، بل بمن سيكون مستعدًا للجلوس على هذه المقاعد غدًا.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇