تحليل: فوضى ترامب وإيران.. هل تجد بريطانيا نفسها داخل صراع لم تختره؟
ليست المشكلة فقط أن دونالد ترامب يهدد إيران من منصة قمة الناتو.
المشكلة الأكبر أن أحدًا لا يعرف على وجه الدقة ماذا يريد ترامب أن يفعل بعد التهديد.
هل يريد حربًا؟ صفقة جديدة؟ ضربة محدودة؟ استعراض قوة؟ أم مشهدًا سياسيًا سريعًا يقول بعده إنه منع الحرب التي كان هو نفسه يلوّح بها؟
هذا هو الخطر الحقيقي في التصعيد الجديد بين الولايات المتحدة وإيران: ليس فقط الصواريخ، أو الضربات، أو إغلاق مضيق هرمز، بل حالة اللايقين التي يصنعها رئيس أمريكي يتعامل مع السياسة الخارجية بمنطق المزاج، والصفقة، واللقطة الإعلامية.
وخلف هذه الفوضى، تجد بريطانيا وأوروبا نفسيهما أمام سؤال ثقيل: ماذا تفعل الدول الحليفة عندما يصبح أقوى طرف في التحالف هو أكثر الأطراف صعوبة في التنبؤ، وأكثرها اندفاعًا؟
حين يصبح الغموض خطرًا
خلال قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا، صعّد ترامب لهجته ضد إيران، وهاجم قادتها بعبارات قاسية، وتحدث عن ضربات جديدة بعد اهتزاز مسار التهدئة. في الظاهر، يبدو المشهد استمرارًا لمواجهة أمريكية إيرانية قديمة.
لكن السياق مختلف.
لأن ترامب ليس رجل اتفاقات يمكن الاطمئنان إليها. هو يوقع ثم ينقلب، يفاوض ثم يتراجع، يرفع العصا ثم يطلب التصفيق لأنه “منع الحرب”، ثم يرفعها مرة أخرى لأن التصفيق لم يكن كافيًا أو لأن اللحظة السياسية تغيّرت.
لا يمكنك أن تبني أمن منطقة كاملة على مزاج رجل يتعامل مع السياسة الخارجية كأنها صفقة عقار أو مشهد سينمائي يصنعه، ثم يعيد كتابته في اليوم التالي.
ترامب ليس استراتيجيًا بالمعنى الحقيقي. هو أقرب إلى غريزة سياسية تمشي على قدمين: سريع التقلب، سريع الغضب، سريع تغيير الاتجاه. وهذا لا يجعل خصومه فقط في أزمة، بل يضع حلفاءه أيضًا أمام أزمة تنبؤ أكبر.
الحليف الذي لا تعرف خطوته التالية
في العلاقات الدولية، الخطر لا يأتي دائمًا من العداء الواضح. أحيانًا يأتي من الغموض.
هذا الغموض يدفع الأطراف المختلفة إلى تفسيرات متناقضة.
إيران قد ترى التهديد الأمريكي مقدمة لضربة واسعة، فتستبق أو ترد بقسوة. وإسرائيل قد تفسره كضوء أخضر لمزيد من التصعيد. ودول الخليج قد تتحرك لحماية منشآتها وممراتها. وأوروبا قد تحاول التهدئة، وهي لا تعرف إن كانت واشنطن تريد فعلًا أن تُهدَّأ.
هكذا تصبح الفوضى نفسها مولدًا للأزمات.
ليس لأن أحدًا قرر الحرب بالضرورة، بل لأن الجميع يبدأ في الحساب على أساس أسوأ احتمال.
بريطانيا بين واشنطن والواقع
بالنسبة إلى بريطانيا، إيران ليست ملفًا بعيدًا.
أي تصعيد في الخليج قد يعني ضغطًا على أسعار الطاقة، واضطرابًا في الملاحة، وتهديدًا لمصالح بريطانية، وضغطًا جديدًا على القوات، والقواعد، والتحالفات. كما أنه يضع لندن أمام مأزق سياسي مألوف: هل تساند واشنطن لأن “العلاقة الخاصة” تفرض ذلك؟ أم تحاول أن تنأى بنفسها عن حرب لم تشارك في قرارها؟
المشكلة أن الابتعاد ليس سهلًا.
بريطانيا جزء من الناتو، وحليف أمني عميق للولايات المتحدة، ولها مصالح عسكرية واستخباراتية ممتدة في الشرق الأوسط. وإذا تحولت الضربات الأمريكية إلى مواجهة أوسع، فلن يبقى السؤال نظريًا. سيصبح السؤال: ما مستوى الدعم البريطاني؟ هل هو سياسي فقط؟ استخباراتي؟ لوجستي؟ أم عسكري؟
وهنا تظهر كلفة التبعية الاستراتيجية.
فالولايات المتحدة قد تقرر الإيقاع، لكن الحلفاء يدفعون جزءًا من الثمن: في السياسة، والأسواق، والأمن، وربما في حياة جنودهم.
الناتو بين الردع والانجرار
تأتي هذه الأزمة في لحظة يضغط فيها ترامب على حلفاء الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعي. الرسالة الأمريكية واضحة: على أوروبا أن تدفع أكثر كي تحمي نفسها.
لكن المفارقة أن ترامب نفسه يجعل البيئة الأمنية أكثر اشتعالًا.
فكيف تطلب واشنطن من أوروبا بناء أمن أكثر استقلالًا، بينما تفرض عليها في الوقت نفسه إيقاع أزمات لا تملك أوروبا السيطرة عليها؟ وكيف تزيد بريطانيا إنفاقها الدفاعي كي تحمي نفسها، إذا كان جزء من هذا الإنفاق قد يُستخدم في النهاية لمجاراة مغامرات واشنطن، لا لحماية الأولويات البريطانية؟
عالم لا يعرف ماذا ينتظر
الخطر في ترامب أنه لا يصنع أزمة واحدة فقط، بل يصنع عالمًا يصعب التنبؤ به.
في هذا العالم، الاتفاق لا يعني اتفاقًا مستقرًا. والتهديد لا يعني بالضرورة حربًا. والتهدئة لا تعني انتهاء التصعيد. كل شيء قابل للانعكاس خلال ساعات، وكل تصريح قد يتحول إلى سياسة، وكل غضب شخصي قد يصبح أزمة دولية.
وهذا بالضبط ما يخيف الحلفاء قبل الخصوم.
فحين تصبح السياسة الخارجية سلسلة إشارات متناقضة، فإن العالم كله يدخل في مرحلة ضبابية: كل طرف يرى ظلًا مختلفًا، وكل طرف يستعد لمعركة كان يمكن التنبؤ بها بسهولة.
قد لا تجد بريطانيا نفسها في حرب مع إيران غدًا.
لكنها تعيش بالفعل داخل أزمة أكبر: أزمة حليف أمريكي لا يمكن توقعه، ورئيس يجعل الغموض أداة حكم، ثم يترك الآخرين يكتشفون إن كانوا أمام صفقة جديدة أم حرب جديدة.
وهنا يصبح السؤال البريطاني الحقيقي: كيف تحمي بريطانيا نفسها من فوضى حليفها، قبل أن تحمي نفسها من خصومه؟
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇