العرب في بريطانيا | تحليل: حرب كبيرة ونتيجة صغيرة.. كيف قرأت بريطان...

تحليل: حرب كبيرة ونتيجة صغيرة.. كيف قرأت بريطانيا اتفاق ترامب مع إيران؟

تحليل: حرب كبيرة ونتيجة صغيرة.. كيف قرأت بريطانيا اتفاق ترامب مع إيران؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

إذا كانت إيران تتفاوض قبل الحرب، فما الذي أضافته الحرب؟

هذا هو السؤال الذي يختبئ خلف كثير من القراءة البريطانية لمذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران.

فالاتفاق لا يثير الجدل فقط لأنه يتضمن تنازلات أمريكية عن بعض الأهداف الكبرى التي طُرحت مع بداية الحرب، مثل تفكيك برنامج الصواريخ الإيرانية، أو إسقاط النظام في طهران، أو كسر شبكة حلفاء إيران الإقليميين، بل لأنه جاء بعد حرب طويلة ومكلفة، بينما كانت قنوات التفاوض مفتوحة أصلًا قبل التصعيد.

ولهذا لم يرَ الإعلام البريطاني في الاتفاق انتصارًا أمريكيًا واضحًا.

من اليسار، ركزت ديلي ميرور على تفاصيل الاتفاق، مشيرة إلى تنازلات أمريكية واضحة حيث أن الصفقة قد تُلزم واشنطن بتأمين ما لا يقل عن 300 مليار دولار، أي نحو 223 مليار باوند، لإعادة إعمار إيران بعد الحرب. وفي الاتجاه نفسه، رأت الجارديان أن مذكرة التفاهم تضمنت تنازلات سياسية ومالية مهمة لإيران.

ومن اليمين، كان سؤال التلغراف أكثر مباشرة: “ثلاثة عشر ألف غارة جوية.. من أجل ماذا؟”. وكتب ديفيد بلير، كبير معلقي الشؤون الخارجية في الصحيفة، أن حرب ترامب لم تنتهِ بسقوط النظام الإيراني، بل باتفاق سريع وجزئي مع القيادة نفسها التي تعهد سابقًا بإسقاطها.

أما فاينانشال تايمز، فطرحت السؤال من زاوية التكلفة: هل كان الاتفاق يستحق أربعة أشهر من الحرب، ومليارات الدولارات، واستنزاف مخزونات السلاح الأمريكية، وتوتر العلاقات مع الحلفاء؟ في حين أشارت التايمز إلى أن الاتفاق قد يفتح مواجهة داخل معسكر ترامب الجمهوري نفسه.

حين يلتقي هذا القدر من الشك بين صحف يسارية وليبرالية ومحافظة واقتصادية، لا يعود السؤال مجرد خلاف بشأن ترامب، بل يصبح أكبر: هل خرجت أمريكا من الحرب منتصرة فعلًا، أم أن إيران نجت بما يكفي كي تدعي أنها لم تُهزم؟

تدخل إيران مجدداً في محادثات مع أميركا.
تدخل إيران مجدداً في محادثات مع أميركا لتسوية الملف النووي. (غيتي إيمدج).

انتصار أم نجاة؟

في قراءة الإعلام البريطاني، لا تبدو أمريكا منتصرة استراتيجيًا.

فالانتصار كان يحتاج إلى شيء أكبر: تفكيك حقيقي لقدرات إيران، أو تغيير واضح في سلوكها الإقليمي، أو قيود حاسمة على برنامجها الصاروخي، أو حسم نهائي للملف النووي.

لم يحدث ذلك.

وفي المقابل، لا تبدو إيران منتصرة عسكريًا بالمعنى التقليدي. فقد تعرضت لضربات قاسية، وخسرت موارد، لكنها خرجت سياسيًا من دون أن تنكسر، وهو ما يكفي في صراعات الشرق الأوسط لبناء سردية مقاومة ورأس مال سياسي.

فإيران تستطيع أن تقول إنها صمدت أمام حرب أمريكية إسرائيلية، ولم تقبل الاستسلام، ولم تُجبر على التخلي الكامل عن أوراقها. أما أمريكا، فعليها أن تفسر لماذا احتاجت إلى حرب كبيرة كي تصل إلى نتيجة لا تبدو أكبر كثيرًا مما كان يمكن طرحه على طاولة التفاوض.

هنا تصبح عبارة “حرب كبيرة ونتيجة صغيرة” أكثر من توصيف صحفي. إنها خلاصة سياسية.

العامل الإسرائيلي

Netanyahu signs on to Trump’s ‘Board of Peace’ as Israeli assault on Gaza continues - War on Gaza - War on Gaza - Ahram Online
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو. (AFP)

لا يمكن فهم هذه الحرب من دون أخذ العامل الإسرائيلي بعين الاعتبار. فالحكومة الإسرائيلية اليمينية دخلت المواجهة وهي تحمل تصورًا شديد السذاجة سوّقته لإدارة ترامب بشأن هشاشة النظام الإيراني. وفي هذا التصور، تكفي ضربات مركزة على رأس النظام (أو ما يعرف باستراتيجية قطع الرأس) والقدرات العسكرية لفتح الباب أمام انهيار داخلي، أو إجبار طهران على تنازلات كبرى لا يمكن أن تقدمها تحت الضغط الدبلوماسي وحده.

وافترض هذا التصور أن ضرب مراكز القيادة وأدوات القمع سيدفع الشارع والنخب إلى الانقلاب على النظام.

لكن هذه القراءة تجاهلت شيئًا يعرفه كثيرون ممن يفهمون السيكولوجيا السياسية في الشرق الأوسط: أن الضربة الخارجية تُفسَّر بوصفها تدخلًا استعماريًا، ولا تؤدي إلى تفكيك الداخل، حتى في المجتمعات الغاضبة من أنظمتها، بل تفعل العكس تمامًا.

فالشعوب التي تحمل ذاكرة طويلة عن التدخل الخارجي والاستعمار والحصار لا تقرأ القصف بوصفه فرصة للتحرر، بل اعتداءً استعماريًا، حتى لو كانت غاضبة من حكامها. وعند هذه النقطة، يصبح العداء للنظام أقل حضورًا من العداء للغزو.

وهذا ما أخطأت واشنطن وتل أبيب في تقديره.

لقد تعاملتا مع القوة كأنها تكفي لإعادة تشكيل السياسة، متجاهلتين أن الضربات العسكرية تصطدم بمجتمعات تمتلك ذاكرة تاريخية وحساسية عالية تجاه التدخل الخارجي.

ولهذا لم تتحول الضربات إلى لحظة انهيار للنظام الإيراني كما توقع بعض دعاة الحرب، بل إلى لحظة إعادة اصطفاف وتعبئة.

كما بدت النتيجة صغيرة مقارنة بحجم الطريق الذي قاد إليها.

إذا كانت الحرب قد أنتجت وقفًا للنزيف فقط، وعودة إلى التفاوض، وتخفيفًا مشروطًا للعقوبات، فما الذي كان يستحيل تحقيقه من دونها؟

هذا هو السؤال الذي يجعل قراءة الإعلام البريطاني للاتفاق أقل حماسة من خطاب ترامب.

فالرئيس الأمريكي يستطيع أن يقدم الاتفاق بوصفه انتصارًا لأنه أوقف الحرب. لكن المنتقدين في الإعلام البريطاني ينظرون إلى الحرب التي سبقته، والوعود التي رافقتها، والأهداف التي لم تتحقق.

من المنتصر إذن؟

A man walks past a billboard featuring the portraits of (right to left) Iran's new Supreme Leader Ayatollah Mojtaba Khamenei, the late Supreme Leader Ayatollah Ali Khamenei, and the late Supreme Leader Ayatollah Ruhollah Khomeini, in Srinagar, Jammu and Kashmir, on June 15.
رجل يمر أمام لوحة إعلانية تحمل صور المرشد الأعلى الإيراني الجديد آية الله مجتبى خامنئي (من اليمين إلى اليسار)، والمرشد الأعلى الراحل آية الله علي خامنئي، والمرشد الأعلى الراحل آية الله روح الله الخميني. (غيتي)

إذا كان معيار الانتصار هو البقاء، فإيران خرجت بنتيجة أفضل مما أراده خصومها.

لم تسقط.

لم تستسلم.

لم تفقد أوراقها.

ولم تُجبر على قبول اتفاق إذعان، أو استسلام غير مشروط، كما كان مطروحًا في بداية الحرب.

أما إذا كان معيار الانتصار هو القدرة على وقف الحرب، فقد حصل ترامب على ما يستطيع بيعه داخليًا بوصفه نجاحًا: حرب انتهت، ومضيق مفتوح، وأسواق أكثر هدوءًا.

لكن الفارق أن إيران كانت تحتاج إلى النجاة.

أما أمريكا، فكانت تحتاج إلى نصر واضح يبرر الحرب.

وهنا يبدو الميزان أقل راحة لواشنطن.

فالقوة العظمى لا تُقاس فقط بقدرتها على إطلاق النار، بل بقدرتها على إنتاج نهاية مقنعة بعد إطلاقه. وإذا كانت النهاية لا تقنع قطاعًا كبيرًا من الإعلام البريطاني، ولا تنفي أن إيران خرجت غير مكسورة، فإن السؤال عن المنتصر يبقى مفتوحًا.

ربما لا يوجد منتصر كامل.

لكن هناك طرفًا خرج من الحرب وقد أخفق خصومه في تحقيق الهدف الأكبر ضده.

وهذا الطرف هو إيران.

القلق البريطاني

ما يقلق بريطانيا في هذه القصة ليس مصير إيران فقط.

بل مصير الاعتماد على أمريكا.

فإذا كانت واشنطن قادرة على دخول حرب كبرى بناءً على حسابات إسرائيلية وأمريكية متفائلة، ثم تكتشف لاحقًا أن النظام لم يسقط، وأن التفاوض لا مفر منه، وأن التكلفة أكبر من العائد، فماذا يعني ذلك للحلفاء؟

ماذا يعني ذلك لأوروبا إذا تكرر الأمر مع أزمة أخرى؟

مع روسيا؟

أو الصين؟

القضية لا تتعلق بمعاداة أمريكا.

بل بالخوف من حليف لا يمكن الاستغناء عنه، لكنه قد يورط الآخرين في حسابات لا يملكون التحكم فيها.

وهذا، في النهاية، هو السؤال البريطاني الأعمق بعد مذكرة التفاهم.

ليس فقط: هل انتصرت أمريكا أم إيران؟

بل: هل ما تزال القوة الأمريكية تعرف كيف تختار معاركها، وكيف تخرج منها بنتائج تساوي تكلفتها؟

في هذه الحرب، تبدو الإجابة أقل إقناعًا مما أرادت واشنطن.

فالحرب كانت كبيرة.

أما النتيجة، فبدت أصغر بكثير.


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 20 يونيو 2026
أعلنت السلطات البريطانية وفاة سائق قطار وإصابة 89 شخصًا في حادث تصادم مروع بين قطارين بالقرب من منطقة بيدفورد شمال إنجلترا. ووقع الحادث ظهر أمس عندما اصطدم قطار سريع بمؤخرة قطار متوقف على السكة، في مشهد أثار حالة من الاستنفار…
𝕏 @alarabinuk · 20 يونيو 2026
أبرز الموضوعات التي يمكنكم متابعتها اليوم عبر موقعنا الرسمي ومنصاتنا على وسائل التواصل الاجتماعي 📰 🌐 http://Alarabinuk.com #العرب_في_بريطانيا #AUK #أخبار #نشرة_الأخبار #بريطانيا
𝕏 @alarabinuk · 20 يونيو 2026
نضع بين أيديكم خريطة الطقس وأسعار الصرف في بريطانيا لهذا اليوم🌤💷 إليكم تحديثات الصباح👇 #العرب_في_بريطانيا #AUK
𝕏 @alarabinuk · 19 يونيو 2026
دخلت سلسلة مطاعم Maroush Group Limited اللبنانية الشهيرة مرحلة الإدارة القضائية، في ضربة موجعة لواحدة من أبرز العلامات العربية في قطاع الضيافة البريطاني، بعد أكثر من أربعة عقود على تأسيسها. وبحسب إشعار نُشر في السجل الرسمي البريطاني، صدر بحق الشركة…
عرض المزيد على X ←