العرب في بريطانيا | تحليل: من يمثل العمال؟

تحليل: من يمثل العمال في بريطانيا؟

من يمثل العمال؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لعقود طويلة بدت الإجابة بديهية.

فحزب العمال لم يكن مجرد حزب يسعى إلى أصوات الطبقة العاملة، بل كان التعبير السياسي عنها. نشأ من الحركة النقابية، واعتمد عليها في التمويل والتنظيم والحشد الانتخابي، حتى أصبحت العلاقة بين الطرفين جزءًا من تعريف الحزب نفسه.

لكن السياسة البريطانية تغيرت.

تراجع القطاع الصناعي التقليدي، وازدادت أهمية الخدمات والتعليم والاقتصاد المعرفي، وتحولت المدن الكبرى إلى مراكز للطبقة المهنية المتعلمة أكثر من كونها معاقل للعمال الصناعيين الذين شكلوا العمود الفقري للحزب في القرن العشرين.

ومع هذا التحول تغير حزب العمال أيضًا. ويظهر عمق هذا التحول اليوم في أرقام صادمة؛ ففي استطلاع JL Partners الذي نُشر في صحيفة التايمز، أصبح حزب ريفورم يوكيه مساويًا لحزب العمال في التأييد بين أعضاء النقابات عند 28% لكل منهما. وسجل العمال انخفاضًا حادًا بلغ 20 نقطة مئوية مقارنة بانتخابات 2024، في حين تقدم ريفورم بـ12 نقطة. ويتفوق ريفورم بوضوح داخل أكبر نقابتين في البلاد؛ إذ حصل على 36% مقابل 30% للعمال داخل Unite، و31% مقابل 22% داخل GMB. كما يرى 62% من أعضاء النقابات أن حزب العمال “فقد الاتصال بالطبقة العاملة”.

من حزب العمال إلى “العمال الجديد”

لم يكن صعود توني بلير مجرد تغيير في القيادة. لقد كان إعادة تعريف للحزب. فبدلًا من تقديم نفسه بوصفه حزب النقابات والطبقة العاملة، بدأ “العمال الجديد” في مخاطبة الطبقة الوسطى الحضرية والأسواق وقطاعات واسعة من الناخبين المترددين. وكان المشروع ناجحًا انتخابيًا، بل ربما كان أحد أنجح المشاريع السياسية في التاريخ البريطاني الحديث.

لكن النجاح الانتخابي لا يحل دائمًا التناقضات التي يصنعها.

فبينما اقترب الحزب من الوسط، بدأ يبتعد تدريجيًا عن بعض قواعده التقليدية. ولسنوات طويلة لم تكن هذه المشكلة ظاهرة، لأن البديل لم يكن موجودًا. أما اليوم، فقد ظهر البديل الشعبوي القادر على اجتذاب شرائح من الناخبين كانت تمثل معقلًا تاريخيًا لحزب العمال.

لماذا ينجذب بعض العمال إلى ريفورم؟

BRITAIN-POLITICS-VOTE-REFORM

السؤال لا يتعلق فقط بالهجرة أو البريكست أو الغضب من الحكومة.

فهذه العوامل مهمة، لكنها لا تفسر وحدها ما يحدث.

فالتحول الأعمق يتمثل في أن اليسار البريطاني نفسه لم يعد كتلة واحدة كما كان في السابق.

فخلال معظم القرن العشرين، كان حزب العمال يمثل تحالفًا واسعًا يجمع بين النقابات والطبقة العاملة من جهة، وبين مختلف التيارات التقدمية من جهة أخرى. لكن هذا التحالف أصبح أكثر هشاشة خلال العقود الأخيرة.

فداخل اليسار البريطاني نفسه برز انقسام متزايد بين تيارين مختلفين. الأول هو اليسار التقليدي الذي ينظر إلى السياسة من زاوية العمل والأجور والنقابات وإعادة توزيع الثروة ودولة الرفاه. أما الثاني فينطلق بدرجة أكبر من قضايا الهوية والهجرة والتمثيل الثقافي وحقوق الأقليات.

ولسنوات طويلة تعايش التياران داخل المظلة نفسها، لكن التوتر بينهما أصبح أكثر وضوحًا مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدتها بريطانيا خلال العقود الأخيرة.

وهنا تظهر مفارقة سياسية لافتة. فهناك جزء من الطبقة العاملة لا يزال مؤمنًا بدور الدولة في حماية الخدمات العامة، ويدعم الإنفاق الاجتماعي، ويتمسك بحقوق العمال والنقابات، وهي مواقف ترتبط تقليديًا باليسار الاقتصادي. لكنه في الوقت نفسه يتبنى مواقف أكثر تحفظًا تجاه الهجرة أو التعددية الثقافية أو بعض القضايا المرتبطة بالهوية.

وفي المقابل، توجد فئات أخرى قد لا تتبنى بالضرورة المواقف الاقتصادية التقليدية لليسار، لكنها تجد نفسها أقرب إليه في قضايا التنوع والهجرة والقبول الاجتماعي والحقوق المدنية.

Reform UK Holds Political Rally in Maidstone

وبذلك لم يعد الانقسام السياسي يدور فقط بين اليمين واليسار كما كان الحال في السابق، بل أصبح يمر داخل اليسار نفسه. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بمن يؤيد الضرائب أو يخفضها، أو بمن يريد دولة أكبر أو أصغر، بل أيضًا بمن يملك حق تعريف القضايا التي يجب أن تكون في مقدمة الأجندة السياسية.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم جزء من جاذبية ريفورم داخل بعض الأوساط العمالية. فبعض ناخبيه لا يغادرون اليسار اقتصاديًا بالضرورة، بل يغادرون تحالفًا سياسيًا يشعرون أن أولوياته الثقافية والاجتماعية لم تعد تشبه أولوياتهم كما كانت في السابق.

ولهذا لا تبدو الأزمة الحالية مجرد منافسة بين حزبين على الأصوات، بل تعبيرًا عن انقسام أعمق داخل القاعدة الاجتماعية التي شكلت تاريخيًا العمود الفقري لليسار البريطاني.

أكثر من أزمة انتخابية

Labour Party Conference 2024 - Day Two

قد يتغير زعيم حزب العمال خلال السنوات المقبلة. وقد تتحسن أرقام الحزب أو تتراجع. لكن الخطر الأكبر لا يتعلق بأي من ذلك.

فالانتخابات يمكن كسبها أو خسارتها. أما فقدان العلاقة بين الحزب والطبقة التي تأسس لتمثيلها فهو تحدٍ أكثر عمقًا.

وربما لا تكمن المشكلة في أن حزب العمال يخسر جزءًا من ناخبيه، بل في أن الفئات التي جمعها تاريخيًا تحت رايته بدأت تتحرك في اتجاهات مختلفة. وعندها لا يصبح السؤال كيف يستعيد الحزب أصواتًا فقدها، بل كيف يحافظ أصلًا على التحالف الذي قام عليه وجوده.

فبعض الأزمات الانتخابية تنتهي بتغيير القيادة. أما الأزمات التي تمس القاعدة الاجتماعية للحزب، فعادة ما تكون أكثر تعقيدًا وأطول عمرًا.

ولهذا فإن السؤال الذي يواجه حزب العمال اليوم ليس فقط كيف يهزم ريفورم، بل كيف يقنع العمال مجددًا بأنه ما زال حزبهم.


 

اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا

آخر التغريدات @alarabinuk

𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
التعليم المنزلي في بريطانيا.. هل هو الخيار الأذكى لمستقبل أبنائك؟ لمساعدة الأسر العربية في رسم مستقبل تعليمي أفضل لأبنائها، نظّم برنامج "Cambridge Home Education" أمسية تربوية لتبسيط آليات التعليم المنزلي، بمشاركة نخبة من الخبراء والتربويين. #شاهد أبرز محطات هذه الأمسية⬇️…
𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
تستعد العاصمة البريطانية لاستقبال موجة جديدة من الاضطرابات السياسية التي تضرب عمق حكومة حزب العمال، حيث تتجه الأنظار صوب البرلمان اليوم الإثنين؛ ترقبًا لإفراج الحكومة عن ملفات ووثائق رسمية وُصفت بأنها ستكون من بين الأضخم تاريخياً في تاريخ النشر البرلماني،…
𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
في خطوة أثارت موجة عارمة من الغضب والانتقادات، منعت السلطات البريطانية الناشطين والإعلاميين الأمريكيين الشهيرين، حسن بيكر وسينك أويغور، من دخول أراضيها، وذلك بينما كانا يستعدان للسفر إلى المملكة المتحدة للمشاركة في مناظرات ونقاشات ساخنة بجامعة أكسفورد حول القضية الفلسطينية…
𝕏 @alarabinuk · 1 يونيو 2026
اختراق طبي يغير قواعد مواجهة السرطان، وحزب العمال يواجه خطرًا حقيقيًا.. 🗞️عناوين الصحف البريطانية الصادرة اليوم تتأرجح بين الآمال الطبية الكبيرة والتحولات السياسية العميقة في البلاد. للاطلاع على أبرز ما تناولته: https://alarabinuk.com/?p=228340 #العرب_في_بريطانيا #AUK
عرض المزيد على X ←