تحقيق لصحيفة الجارديان: كيف تضلل أحزاب بريطانية الناخبين ببيانات “مفبركة”؟
تواجه الأحزاب السياسية في بريطانيا اتهامات خطيرة بتقديم معلومات “مروعة” وتضليلية للناخبين عبر منشورات انتخابية تعتمد على رسوم بيانية “مشبوهة” وبيانات مجتزأة.
كشف تحقيق استقصائي أجرته مؤسسة “Full Fact” لصالح صحيفة “الجارديان” عن استخدام الأحزاب لاستطلاعات رأي وطنية وعمليات مسح عشوائية لدعم ادعاءات كاذبة حول فرص فوزها في الانتخابات المحلية.
هذا الأسلوب المتبع يهدف بشكل مباشر إلى توجيه “التصويت التكتيكي” بناءً على أرقام غير دقيقة، مما يضع النزاهة العملية الانتخابية تحت مجهر النقد.
بيانات مجهولة المصدر

أظهر التحقيق أن المنشورات التي وزعها سياسيون محليون في مختلف أنحاء إنجلترا تروج لمقولات مثل “حزبنا هو الوحيد القادر على الفوز” أو “المنافس لا فرصة له هنا”، في حين تؤكد الوقائع عدم وجود أدلة تدعم هذه المزاعم.
وأوضحت “Full Fact” أن الكثير من المواد الدعائية تضمنت رسوماً توضيحية فشلت في تقديم أدلة موثوقة حول نوايا التصويت المحلية، بل إن بعضها كان مجهول المصدر أو مضللاً بشكل متعمد، وهي ممارسات تورطت فيها جميع الأحزاب الكبرى دون استثناء.
وقد رصد الناخبون نماذج مثيرة للريبة، حيث تعمد حزب المحافظين طباعة منشورات باللون الأخضر مع شعار حزبي صغير جداً للإيحاء بأنها تابعة لحزب الخضر، بينما نشر الديمقراطيون الأحرار إحصائيات وصفها قراء بأنها “مشكوك فيها للغاية” لإقناع الناس بأنهم الخيار الوحيد المنطقي.
غياب الرقابة التجارية على الوعود السياسية

وصف بيتر كيلنر، المحلل السياسي والرئيس السابق لـ “YouGov”، البيانات المستخدمة في المنشورات بأنها “مشوهة”، مشيراً إلى أن الادعاءات الزائفة المدعومة ببيانات غير موثوقة باتت ظاهرة شائعة.
وقال كيلنر: “نظراً لتعدد الأحزاب وصعوبة تحديد الوجهة الصحيحة للتصويت التكتيكي، تستميت الأحزاب لإقناع الناخب بأنها الخيار الأوحد، ولو كانت شركات تجارية هي من تروج لهذه الادعاءات لما سُمح لها بالإفلات من العقاب”.
من جانبه، أكد ستيف نوتني، محرّر “Full Fact”، أنه لا ضير في محاولة الأحزاب إقناع الناخبين، لكن المشكلة تكمن في الاعتماد على بيانات “منتقاة بعناية” أو “مشبوهة” لتقديم ادعاءات مبالغ فيها، خاصة وأن البيانات الدقيقة حول الانتخابات المحلية غالباً ما تكون غير متوفرة.
كواليس التلاعب بالأرقام في الدوائر المحلية

قامت المؤسسة بتحليل 331 منشوراً انتخابياً وُزعت في أوائل أبريل، ووجدت أن 59 منها تضمنت رسوماً بيانية، منها 14 رسماً مضللاً تماماً.
وتبرز عدة أمثلة صارخة على هذا التلاعب:
- تضليل حزب العمال في “إيلينج”: استخدم الحزب رسماً بيانياً يحذر من “تسلل حزب ريفورم” مدعياً أن “الخضر لا يمكنهم الفوز”، ووصف التصويت لهم بـ “الصوت الضائع”.
واعتمد الحزب في ذلك على نتائج انتخابات لندن لمنطقة واسعة جداً لا تعبر عن واقع الدائرة المحلية، وهو ما وصفه كيلنر بالعمل “غير النزيه”.
- مغالطات حزب الخضر في “جيتسهيد”: نشر الحزب رسماً يظهره في المركز الثاني خلف “ريفورم” بناءً على استطلاع لـ “YouGov”، بينما الحقيقة أن الاستطلاع نفسه يضع الخضر في المركز الثالث، فضلاً عن أن الاستطلاعات الوطنية لا تصلح كدليل للنتائج المحلية.
- خداع بصري في منشورات “ريفورم”: قدم حزب “ريفورم” في “تشيلمسفورد” رسماً بيانياً يمنحه 34%، لكن التحليل الرقمي للأعمدة أظهر أن أحجامها لا تتناسب مع الأرقام المعلنة، مما يمثل تضليلاً بصرياً فاضحاً للناخب.
- تناقضات الديمقراطيين الأحرار والمحافظين: ادعى الديمقراطيون الأحرار في “سوفولك” أن المنافسة تنحصر بينهم وبين “ريفورم” رغم أن رسمهم البياني يضعهم في المركز الثالث، بينما اعتمد المحافظون في “هازلسمير” على بيانات عامة للمقاطعة للادعاء بأن خصومهم لا يمكنهم الفوز، وهي أدلة اعتبرها التحقيق غير موثوقة بتاتاً.
أزمة الثقة وتآكل القيم الديمقراطية

يرى الخبراء أن هذه الممارسات لا تمثل مجرد أخطاء عابرة، بل هي جزء من مشهد أكبر أدى لتآكل الثقة في السياسيين والمؤسسات على مدار عقدين.
واختتم بيتر كيلنر قائلاً: “إذا كانت الديمقراطية الصحية تقوم على التبادل الحر للمعلومات الصادقة التي تسمح للناخب بالاختيار بناءً على الحقيقة لا الكذب، فإن ما يحدث الآن يضر بالديمقراطية بشكل مباشر”.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇