بريطانيا تواجه خطر “الصدمات الكبرى”.. تحذيرات من عجز الإمدادات في حال اندلاع حرب
تواجه بريطانيا تحذيرات شديدة اللهجة عن عدم جاهزية سلاسل الإمداد الحيوية في البلاد للتعامل مع أي “صدمات كبرى” محتملة، لا سيما سيناريو اندلاع حرب مع روسيا.
ودعا خبراء وزراء الحكومة البريطانية إلى اتخاذ “خطوات جريئة”؛ لتدارك الموقف واللحاق بركب الدول الأوروبية التي بدأت بالفعل التخطيط لـ”أسوأ السيناريوهات المحتملة”، بالتزامن مع تراجع موثوقية الحليف الأمريكي التقليدي في ظل تحولات سياسة “أمريكا أولاً” التي يتبناها دونالد ترامب.
أزمة الإمداد: تحذيرات من العمق
جاءت هذه المخاوف الصارخة في تقرير حديث أصدرته “اللجنة الوطنية للاستعداد” (NPC)، وهي هيئة تعنى بالتخطيط للأزمات الوطنية ويشرف عليها فريق يضم كبار المسؤولين في خدمات الطوارئ، وهيئة الصحة الوطنية (NHS)، وخبراء في مجالي الأمن والمخاطر.
وتتزامن هذه الدعوات مع قلق مستمر داخل الأوساط البريطانية بشأن تداعيات الصراعات في الشرق الأوسط على تكاليف الوقود وأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية؛ وهو ما دفع الحكومة مؤخرًا إلى أن تطلب من المتاجر الكبرى (السوبرماركت) النظر في تجميد أسعار بعض السلع الضرورية لتخفيف العبء عن المستهلكين.
فجوة الإمداد الحيوية بين بريطانيا وأوروبا

سلط التقرير، الذي أُطلق في جلسة خاصة داخل قصر وستمنستر، الضوء على مدى مرونة سلاسل الإمداد البريطانية وسعتها في تحمل الأخطار المحتملة، والتي تتنوع بين خطر تفشي وباء جديد، وأزمة المناخ، وصولاً إلى الهاجس الأكبر الذي يشغل المسؤولين حاليًا: احتمال المواجهة العسكرية مع روسيا.
وأكد التقرير أن بريطانيا تتخلف عن نظيراتها من الدول الأوروبية في ما يتصل بتخزين الإمدادات الحيوية، مثل الأدوية الأساسية، داعيًا إلى تبني نهج وفكر جديدين.
وجاء في التقرير: “يجب أن يتغير محور النقاش داخل الحكومة من مبررات ’عدم التخزين‘ إلى آليات ’كيف وأين‘ يمكننا التخزين بطريقة أكثر عقلانية. من السهل أن ننسى أن بريطانيا استفادت خلال الوباء من الأدوية التي خُزّنت مسبقًا لمواجهة أي اضطرابات محتملة في الإمدادات عقب مغادرة الاتحاد الأوروبي (بريكست)”.
- القطاع الصحي: أشار التقرير إلى أنه على الرغم من إلزام موردي الأدوية بالاحتفاظ بمخزون احتياطي يكفي المستشفيات لثمانية أسابيع على الأقل، فإن الالتزام بهذا القرار يبدو “متفاوتًا”، فضلاً عن أنه ليس إلزاميًا للصيدليات التي تقدم خدمات الرعاية الأولية.
- الموقف الحكومي: كشف التقرير أن الحكومة لا تعتزم إعداد قائمة بالأدوية الحيوية، أو إنشاء مخزون استراتيجي للأدوية والمُعَدات الطبية الحرجة، باستثناء ما تجمعه لدعم الأفراد العسكريين في حالة التعرض لهجوم كيميائي، أو بيولوجي، أو إشعاعي، أو نووي (CBRN).
- المقارنة الأوروبية: في المقابل، يُلزم كثير من دول الاتحاد الأوروبي شركات الأدوية بالاحتفاظ بمخزون احتياطي من أدوية محددة لفترات تتراوح بين شهر وستة أشهر.
هشاشة الإمدادات الغذائية وأمنها
وفي ما يتعلق بالإمدادات الغذائية، تُصنف بريطانيا واحدة من أقل الدول اكتفاءً ذاتيًا في أوروبا؛ إذ لا تملك الحكومة مخزونًا استراتيجيًا، كما أنها لا تُلزم كبار تجار الجملة والموزعين بالاحتفاظ بمخزونات احتياطية.
وعلى النقيض من ذلك، بدأت دول مثل النرويج والسويد إعادة بناء احتياطيات الطوارئ من الحبوب والأغذية، في حين تشجع دول أوروبية أخرى مواطنيها بنشاط على تخزين طعام وماء يكفي لعدة أيام؛ تحسبًا لحالات الطوارئ.
أمن الإمداد في مواجهة الجغرافيا السياسية المعقدة

حذر التقرير، الذي حمل عنوان “تحصين أمن الإمدادات مستقبلًا في عالم متنازع عليه”، من أن الأحداث العالمية الأخيرة -ويشمل ذلك المواجهة مع إيران والتقلبات المتكررة في العلاقات الدولية- تثير تساؤلات عميقة عن قدرة بريطانيا المستقبلية على الوصول إلى المواد الخام والمكونات الأساسية.
كما تواجه بريطانيا خطر الوقوع تحت وطأة ضغوط متعددة وصفها التقرير بـ”القومية الصارمة” للولايات المتحدة، والتحالفات المشتركة لدول الاتحاد الأوروبي، والقدرات التصنيعية الهائلة للصين، فضلًا عن تحول روسيا إلى اقتصاد الحرب.
ورغم مرور قرابة عام على نشر الحكومة استراتيجيتها للأمن القومي، وإطلاق مبادرات تمنح الأوروبية للموردين البريطانيين في العقود الحيوية للأمن القومي، ودعوات رئيس الوزراء كير ستارمر لتبني نهج “المجتمع بأسره” لتعزيز الأمن والمرونة؛ فإن هناك مخاوف حقيقية من فقدان التركيز على هذه القضية وسط التجاذبات والملهيات السياسية الأخرى.
وكان رئيس لجنة الدفاع بمجلس العموم قد أشار في تقرير سابق إلى أن “الحوار الوطني” الذي سعى إليه رئيس الوزراء لم يبدأ بعد، وسط ضعف التفاعل العام وغياب التوجيه المركزي الواضح.
مرونة الإمداد.. جرس الإنذار الأخير
وجاء في تقرير اللجنة الوطنية للاستعداد تحذير صريح: “من الخطأ افتراض أن الأحداث الكارثية لن تقع. إن إغلاق مضيق هرمز واضطراب حركة الملاحة الجوية الإقليمية بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران في مارس 2026 ليس إلا أحدث الضربات في سلسلة من نواقيس الخطر التي تدق للتنبيه بضرورة مرونة سلاسل الإمداد”.
وأضاف التقرير أن هذه الأحداث، إلى جانب الحرب في أوكرانيا ووباء كوفيد، ساهمت جميعها في “كشف نقاط الضعف المعروفة وإظهار الهشاشة التي لم يكن يُسلَّط الضوء عليها بما يكفي”.
من جانبه صرح كاتب التقرير، ريتشارد سميث-بينغهام -وهو مستشار استراتيجي في مجال المخاطر والمرونة والرئيس السابق لقسم الأفكار والرؤى في شركة “مارش” للاستشارات التأمينية والمخاطر- بأن بريطانيا تخاطر حاليًا بالتخلف عن الدول الأخرى في مساعيها لتأمين إمدادات المواد والمكونات الحيوية والسلع الأساسية على المديين المتوسط والطويل.
وأضاف: “يجب اتخاذ خيارات صعبة وإجراءات أكثر جرأة لتقليل تعرضنا للضغوط، وضمان استعدادنا على نحو أفضل للأزمات المستدامة التي قد نواجهها”.
الموقف الحكومي من سلامة الإمدادات

في المقابل، قلَّل متحدث باسم الحكومة البريطانية من شأن هذه المخاوف قائلًا: “إن سلاسل الإمداد في بريطانيا قوية ومرنة، ونحن نراقب المخاطر بنشاط”.
وتابع المتحدث مدافعًا عن الأداء الحكومي: “عندما تظهر الضغوط، فإننا نثبت قدرتنا على التحرك السريع؛ وخير دليل على ذلك إعادة تشغيل مصنع لثاني أكسيد الكربون في شمال شرق البلاد مؤخرًا لزيادة الإنتاج وحماية الإمدادات”.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇