احتدام الخلاف داخل حكومة ستارمر بشأن مقترح تجميد زيادة الإيجارات
في ظل التداعيات الاقتصادية القاسية التي فرضتها الحرب الأميركية الإسرائيلية في الشرق الأوسط على ميزانيات الأسر البريطانية، برز انقسامٌ حاد داخل أروقة الحكم في “داونينغ ستريت”. ففي الوقت الذي تدرس فيه وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، خيارات “راديكالية” للحدّ من تكاليف السكن، سارع متحدث باسم رئاسة الوزراء إلى نسف هذه التوجهات، ما كشف عن حالة من عدم التناغم داخل الحكومة بشأن كيفية مواجهة أزمة غلاء المعيشة التي باتت تهدد وعود الحزب الحاكم.
النفي الرسمي مقابل غموض الحكومة
وبينما أكد متحدث رسمي باسم “داونينغ ستريت” يوم الثلاثاء أن “تجميد إيجارات القطاع الخاص ليس المسار الذي ستتخذه الحكومة”، وأن التركيز ينصب بدلًا من ذلك على خفض فواتير الطاقة، بدت وزيرة الخزانة راشيل ريفز أكثر مراوغة في مجلس العموم.
وعندما واجهتها النائبة العمالية والاقتصادية يوان يانغ بسؤال مباشر عن إمكانية تجميد الإيجارات لحماية المستأجرين، امتنعت ريفز عن نفي الفكرة، مؤكدة أنها ستستخدم “كل أداة متاحة” للضغط من أجل تخفيف تكاليف المعيشة للمستأجرين في القطاع الخاص. هذا التباين في الخطاب بين رئاسة الوزراء ووزارة الخزانة يعكس مداولات مغلقة بشأن خيار تجميد الإيجارات لمدة عام -باستثناء العقارات الجديدة- كإجراء لمواجهة آثار الصراع في الشرق الأوسط.

يمثل هذا المقترح حال تنفيذه تحولًا جذريًّا في نهج ريفز، التي كانت قد قاومت سابقًا إدراج ضوابط الإيجارات ضمن إصلاحات حقوق المستأجرين المرتقبة. ومن منظور اقتصادي، يثير هذا التوجه جدلًا واسع النطاق:
• المؤيدون: يرون فيه ضرورة ملحة لحماية الأسر من الارتفاع الجنوني في تكاليف السكن.
• المحذرون: ينبه الخبراء على أن التجميد قد يؤدي إلى نتائج عكسية؛ إذ سيقلص المعروض من العقارات المؤجرة، وهو ما يتصادم مع وعد “العمال” ببناء 1.5 مليون منزل.
• رأي الخبراء: يشير الباحث قسطنطين خولوديلين من المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية إلى ظاهرة معروفة: بينما تنخفض الإيجارات الخاضعة للرقابة، تتسارع وتيرة ارتفاع الإيجارات في العقارات غير الخاضعة للرقابة بالمناطق المجاورة بنسبة 5 في المئة إضافية، ما يؤدي إلى سوق مشوهة.
هذا الخلاف لم يبقَ داخل أروقة السلطة، بل انتقل إلى مقاعد نواب حزب العمال، ما أظهر شرخًا في الأيديولوجية الاقتصادية للحزب:
1. تيار الإصلاح الجذري: يرى فيه النائب دان كاردن (رئيس حركة “العمال الزرق”) خطوة مرحبًا بها، داعيًا إلى نظام “ضبط إيجارات” أكثر ديمومة واستهدافًا عبر المجالس المحلية.
2. تيار النمو: في المقابل، يرفض كريس كيرتس، رئيس “مجموعة نمو العمال”، الفكرة جملة وتفصيلًا، واصفًا ضوابط الإيجارات بأنها “طريق مسدود”، مؤكدًا أن الحل الوحيد المستدام هو “بناء ما يكفي من المنازل”.
رد فعل الأسواق
لم تنتظر الأسواق المالية وضوح الرؤية الحكومية؛ إذ شهدت أسهم كبار المقرضين في قطاع “الشراء بغرض التأجير” (buy-to-let)، مثل شركتي “باراغون” و”ون سيفينغز بنك”، تراجعًا فوريًّا.
ومع ترقب البلاد لتداعيات الحرب في الشرق الأوسط التي عطّلت ممرات الشحن ورفعت أسعار النفط، تجد الحكومة البريطانية نفسها أمام اختبار صعب: هل تمضي في سياسة “التدخل المباشر” التي قد تثير غضب قطاع العقارات، أم تلتزم بالحلول التقليدية التي قد لا تصمد أمام ضغوط الشارع المتصاعدة؟ المؤشرات الحالية تشير إلى أن المعركة بشأن “تكلفة السكن” قد تكون الاختبار الحقيقي الأول لتماسك الفريق الاقتصادي في “داونينغ ستريت”.
المصدر: الغارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇