بريطانيا تدرس فرض حد أقصى لأسعار الأغذية.. ومخاوف من نتائج عكسية
تواجه الحكومة البريطانية تحدياً اقتصادياً واجتماعياً متزايداً في ظل مساعيها لحماية مواطنيها من موجة التضخم الراهنة، والتي يعزوها الخبراء إلى تداعيات العدوان الصهيوني الأمريكي في المنطقة وما تبعه من انعكاسات جيوسياسية واقتصادية واسعة. وفي هذا السياق، تبحث لندن مقترحاً يقضي بفرض تجميد طوعي لأسعار بعض السلع الغذائية الأساسية، وهو التحرك الذي قوبل برفض قاطع وتحذيرات شديدة من كبرى شركات التجزئة في البلاد.
قطاع التجزئة يحذر: “التدخل في السوق سينعكس سلباً على المستهلك”

أثار المقترح الحكومي موجة من الانتقادات الحادة بين المديرين التنفيذيين لسلاسل السوبرماركت في بريطانيا؛ حيث وصف أحدهم الفكرة بأنها “جنون مطلق”، في حين اعتبرها مسؤول آخر “تدخلاً غير مبرر وغير مطلوب في آليات السوق الحرة”.
ويرى قطاع التجزئة أن إجبار المتاجر على تثبيت الأسعار سيتسبب في تكاليف باهظة وأضرار تشغيلية واسعة، لا سيما في وقت تعاني فيه هذه الشركات بالفعل من ضغوط مالية متزايدة ناتجة عن رفع الضرائب، وصعود أسعار الوقود، وارتفاع فواتير الطاقة. وحذر المسؤولون من أن هذه الخطوة قد تؤدي – على عكس المستهدف منها – إلى زيادة أسعار سلع أخرى على المتسوقين بشكل عام لتعويض الخسائر.
وفي السياق ذاته، أكدت هيلين ديكنسون، الرئيسة التنفيذية لـ “جمعية بيع التجزئة البريطانية” (BRC) التي تمثل السوبرماركتات الكبرى، على كفاءة المنظومة الحالية قائلة: “إن بريطانيا تمتلك أسعار البقالة الأكثر ملاءمة وقدرة شرائية في غرب أوروبا بفضل المنافسة الشرسة بين المتاجر. وبدلاً من العودة إلى سياسات التحكم في الأسعار التي ميزت فترة السبعينيات وإجبار التجار على البيع بخسارة، يتعين على الحكومة التركيز على خفض تكاليف السياسات العامة التي تُعد المحرك الأساسي لارتفاع أسعار الغذاء”.
تفاصيل الخطة المقترحة وتحديات التنفيذ
كشفت مصادر مطلعة في قطاع التجزئة أن الحكومة لم تفرض حتى الآن قيوداً رسمية، ولكن المباحثات ركزت على إبرام اتفاق طوعي تلتزم بموجبه المتاجر بتوفير نسخة واحدة على الأقل من السلع الأساسية اليومية (مثل الخبز، والحليب، والزبدة) بسعر منخفض وثابت ومتاح طوال الوقت.
ورغم بساطة الفكرة نظرياً، إلا أن المصادر أكدت أن تطبيقها ينطوي على تعقيدات لوجستية ومالية ضخمة؛ ففي حال نفاد الأصناف الرخيصة والمحددة سعرياً، ستضطر المتاجر إلى خفض أسعار المنتجات الفاخرة أو تلك التي تحمل علامات تجارية شهيرة لتوفيرها بنفس السعر المنخفض للمستهلكين، وهو ما يكبّدها خسائر فادحة. فضلاً عن أن السوبرماركتات الكبرى لا تبيع كافة فئات وأحجام المنتجات في جميع فروعها، مما يجعل إدارة هذا المخزون أمراً معقداً للغاية.
“تداعيات غير مقصودة” تهدد ميزانية العائلات

نبه خبراء ومديرون في القطاع إلى أن تجميد أسعار نحو 20 سلع أساسية فقط قد يدفع الشركات غريزياً إلى البحث عن قنوات أخرى لاستعادة أرباحها المفقودة. ونتيجة لذلك، قد تلجأ المتاجر إلى رفع أسعار سلع أخرى تصنفها الحكومة على أنها “غير أساسية”، في حين أنها قد تكون ضرورية جداً لمعيشة واحتياجات بعض الأسر، مما يعني أن السياسة الحمائية قد تؤدي إلى نتائج عكسية تضر بالفئات الأكثر احتياجاً.
وتأتي هذه التطورات بعد اجتماع عقدته وزيرة الخزانة البريطانية، راشيل ريفز، الشهر الماضي مع رؤساء السوبرماركتات لبحث سبل الحد من آثار وتداعيات العدوان في المنطقة على كلفة المعيشة وأسعار الغذاء. ورغم أنه كان مأمولاً أن تعلن الوزيرة رسمياً عن هذه الإجراءات الحمائية يوم الخميس المقبل ضمن حزمة دعم الأسر، إلا أن تقارير صحيفة “فاينانشال تايمز” أكدت عدم التوصل إلى اتفاق نهائي بعد بين الحكومة والتجار.
وفي مقابل ذلك، يطلق المزارعون، وتجار التجزئة، ومنتجو الأغذية صرخات تحذير متتالية، مؤكدين أنه بدون دعم حكومي مباشر لمواجهة قفزات الكلفة (سواء بالباوند أو غيره من تكاليف التشغيل)، فإن الأسواق البريطانية ستشهد حتماً موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، ونقصاً محتملاً في بعض المواد الغذائية.
الصدام السياسي: مقترح اسكتلندا يُشعل أزمة دستورية
بالموازاة مع التحركات في لندن، أخذت الأزمة بعداً سياسياً ودستورياً؛ إذ تعهد “الحزب الوطني الإسكتلندي” (SNP) باستخدام صلاحياته المفوضة في قطاع الصحة العامة لفرض تسعيرة جبرية ومثبتة على ما يتراوح بين 20 إلى 50 سلعة غذائية (من بينها اللحوم والدجاج، والأرز، والبيض، والألبان والأجبان)، مبرراً ذلك بأن الغلاء بات يهدد السلامة الغذائية والصحية للمواطنين.
هذا التعهد، الذي جاء متزامناً مع فوز الحزب بولاية خامسة تاريخية وحصده 58 مقعداً في برلمان “هوليرود”، وصفه تجار التجزئة فوراً بأنه “خدعة مجنونة وغير عملية”. علاوة على ذلك، يضع هذا التوجه حكومة اسكتلندا في مسار تصادمي مباشر مع الحكومة المركزية في لندن، لكونه قد يمثل خرقاً صريحاً لـ “قانون اسكتلندا لعام 1998” الذي يحدد الصلاحيات القانونية والدستورية للبرلمان المفوض.
ومن جهتها، سارعت مصادر حكومية في لندن إلى النأي بنفسها عن الأسلوب الإسكتلندي؛ حيث نفى مصدر مسؤول في الحكومة البريطانية أن تكون وزيرة الخزانة راشيل ريفز بصدد فرض سقف إلزامي أو قسري للأسعار، مؤكداً أن المباحثات تتركز فقط على “تجميد طوعي وبشكل توافقي” مع قطاع التجزئة، مشيراً إلى أن المحادثات ما تزال في أطوارها الأولى. وختم متحدث باسم وزارة الخزانة بالقول: “إن المستشارة واضحة تماماً بشأن رغبتها في تخفيف الأعباء المالية عن كاهل العائلات، وسيتم الإعلان عن التفاصيل والخطوات المقبلة في الوقت المناسب”.
المصدر: الغارديان
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇