“بداخل المنزل فتيات صغيرات”.. ليلة من الرعب تعيشها عائلات المهاجرين في بلفاست
عاشت عائلات المهاجرين والأقليات العرقية في بلفاست ليلة شديدة الوطأة؛ بسبب الاعتداءات العنصرية، حيث اقترب رجال ملثمون من منزل نوافذه مغطاة بالألواح الخشبية ومزود بكاميرا أمنية في الخارج، في شارع سكني يغص بالأعلام الموالية للاتحاد (الويلزي) بالقرب من شارع “شانكيل” الشهير في المدينة.
وفي تلك الأثناء، كانت امرأة تنتمي إلى أقلية عرقية تراقب المشهد بذعر شديد من نافذة الطابق العُلوي، حيث اندفع المهاجمون نحو الباب الأمامي وحطموه بالكامل، ليعيثوا في المكان فساداً وسط أجواء خانقة ملأتها أدخنة الألعاب النارية، قبل أن يهاجموا نوافذ الطابق السفلي بالحجارة والطوب.
وخلال اقتحامهم للمبنى، زعم بعض مثيري الشغب أنهم يقومون بـ”تحريره”، في حين كُتبت عبارات غرافيتي على الجدران القريبة تطالب بـ”منازل محلية للسكان المحليين”، ووسط هذه الفوضى العارمة، صرخت امرأة من بين الحشود متوجهة لصديقتها بذعر: “بداخل المنزل فتيات صغيرات”.
وبالقرب من موقع الحادث، أُضرمت النيران في إحدى السيارات، ومع تتابع فصول الفوضى، أمر رجل يرتدي قناعاً على شكل جمجمة الحاضرين بإخفاء هواتفهم المحمولة وعدم التصوير، في حين كانت المروحيات تحلق في الأجواء، واكتفى شرطيان بمراقبة الموقف من داخل دوريتهم مع تصاعد أعمدة الدخان في السماء، بعد أن بدا أنهما استنتجا أن التدخل في تلك اللحظة لم يكن آمناً، ولم تصل التعزيزات الأمنية المتمثلة في أربع عربات تابعة للشرطة إلا بعد أن تفرق معظم الحشد الذي ضم المئات في بلفاست.
خلفيات المشهد ومنصات التواصل تُشعل الغضب في بلفاست

تأتي هذه المشاهد العنيفة بعد توجيه اتهام رسمي للاجئ سوداني بالشروع في القتل، على خلفية هجوم مروع بسكين وُثق في مقطع فيديو جرى تداوله على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وعمد اليميني المتطرف تومي روبنسون وشخصيات يمينية متطرفة أخرى إلى نشر تلك اللقطات، ما أدى إلى إطلاق دعوات واسعة النطاق للاحتجاج. كما شارك إيلون ماسك، مالك منصة (X)، منشوراً لروبنسون (واسمه الحقيقي ستيفن ياكسلي لينون) يعلن فيه عن مواقع الاحتجاجات، إلى جانب منشور آخر من حزب “استعادة بريطانيا” اليميني المتطرف جاء فيه: “لا تصالحوا الشر، بل دمروه”.
واتسم سلوك الحشود في شارع “شانكيل” بعدائية شديدة تجاه أي محاولة للتصوير، وهو ما ناقض تماماً الاضطرابات التي اندلعت في “ساوثبورت” سابقاً، حيث كان المشاركون يوثقون الأحداث بهواتفهم؛ وهنا في بلفاست، سُحِب مراهق من بين الحشود واعتُدي عليه لمجرد أنه كان يستخدم هاتفه، فصرخ مستغيثاً: “أنتم تؤلمونني.. لا أستطيع التنفس”.
بالتزامن مع ذلك، امتدت الاحتجاجات إلى أجزاء أخرى من بريطانيا، ويشمل ذلك مدينة “ساوثهامبتون” التي شهدت أعمال شغب عقب صدور حكم بإدانة رجل بتهمة قتل الشاب هنري نوفاك (18 عاماً)، ونُشرت عشرات من قوات الشرطة لقطع الطريق أمام المتظاهرين في شارع “بورتسوود”، ليردد المحتجون عبارة “لا أستطيع التنفس”، وهي الكلمات الأخيرة التي رددها نوفاك، الطالب في جامعة ساوثهامبتون، عندما كان يصارع الموت مكبل اليدين بعد تعرضه للطعن.
تدمير واسع واهتزاز السلم الأهلي بشرق بلفاست

وفي منطقة موالية للوحدويين بشرق بلفاست، أضرم رجال ملثمون النيران في حاويات النفايات ودفعوها باتجاه حافلة من طراز “غليدر” (Glider) في شارع “نيوتاوناردز”، ما تسبب في تعليق خدمات الحافلات حتى إشعار آخر، وظهر بعضهم يضعون الأقنعة (البالاكلافا) ويلوحون بالمشاعل المضيئة، وسط دوي عدة انفجارات سُمعت في دقائق معدودة.
وتجمع مئات الأشخاص لمشاهدة هيكل الحافلة المتفحم وثلاثة منازل على الأقل التهمتها النيران بالكامل، وأشارت امرأة بيدها نحو منزل مدمر لا يزال الدخان يتصاعد منه قائلة: “كانت تسكن في هذا المنزل عائلة غجرية رومانية”.
واختلطت عائلات بصحبة أطفالها الصغار بالرجال الملثمين والأزواج الشبان في أجواء وصفتها التقارير بأنها تشبه “الكرنفال”، حيث التقطوا الصور وشربوا الجعة، بل إن رجلاً رفع ابنه البالغ من العمر سبع سنوات على كتفيه ليمنحه رؤية أفضل لأحد المنازل المدمرة قائلاً له: “ألقِ نظرة على هذا”، ليرد الطفل: “مذهل!”.
وظلت أصوات سيارات الإسعاف والشرطة تقطع صمت الليل، بينما كُتبت عبارات مسيئة على جدار قريب من حطام الحافلة تقول “تباً للإسلام”؛ ونقلت شبكة (BBC) عن صاحب أحد المنازل المستهدفة، وهو رجل ثلاثيني يعيش هناك منذ 10 سنوات، قوله: “لقد أُضرمت النيران في السيارات على الطريق، وامتدت الحرائق لتلتهم منزلي، في حين كان رجال ملثمون يحطمون الأبواب بعنف”.
استنفار أمني لضبط الانفلات الميداني في بلفاست وخارجها

وعلى وقع النيران المشتعلة في سيارة بأحد الشوارع الموازية، حيث كانت رائحة البلاستيك المحترق تزكم الأنوف، تمركزت مجموعة من عربات وسيارات الشرطة عند نهاية شارع “نيوتاوناردز” الأقرب إلى وسط المدينة؛ تأهباً للرد على أي تصعيد محتمل.
وفي الطرف الآخر من الشارع، بدا هيكل الحافلة المتفحمة شاهداً على عنف الليلة بجوار رصيف مغطى بالزجاج المهشم وحاويات النفايات المقلوبة، بينما كان علم الاتحاد (Union Jack) يرفرف فوق سارية قريبة، حيث توقف رجال ملثمون لالتقاط الصور بجانب الحطام أثناء انسحابهم من مسرح العمليات.
ولم تقتصر الاضطرابات على وسط المدينة، بل عمد متظاهرون آخرون إلى قطع الطريق على السيارات؛ لمنعها من دخول الطريق السريع (M2)، كما وردت تقارير عن احتجاجات مماثلة في مناطق أنترم، وبانغور، وباليمينا، وفي منطقة “نيوتاون آبي”، أُحرقت سيارتان بالكامل.
ودفعت هذه الفوضى العارمة بوزير التعليم في أيرلندا الشمالية، بول جيفان، إلى إطلاق مناشدة عاجلة من مدينة “ليزبرن” لمطالبة المتورطين بالامتناع عن العنف قائلًا: “هناك صدمة حقيقية وعميقة مما حدث الليلة الماضية، وأعتقد أن ما جرى أحدث موجات صدمة ارتدادية في جميع أنحاء المجتمع، ومن الضروري أن يتصرف الناس بطريقة سلمية؛ لضمان إيصال القضايا الكبرى المتعلقة بالهجرة دون الانجرار وراء العنف الذي لن يؤدي إلا إلى تشتيت الانتباه عن القضية الأساسية”.
مخاوف وحظر تجوال ذاتي للجالية السودانية في بلفاست

عبر أفراد من الجالية السودانية في بلفاست عن قلقهم البالغ إزاء تصاعد حدة التوترات العنصرية في المدينة، وبحلول الساعة الرابعة من عصر يوم الثلاثاء، كانت جميع المتاجر المملوكة لأجانب في منطقة “ساندي رو” قد أغلقت أبوابها بالكامل عبر إنزل السواتر الحديدية، وأسرع الموظفون العائدون إلى منازلهم للاحتماء داخلها طوال الليل، وهو مشهد تكرر في أجزاء كبيرة ومختلفة من المدينة.
وقال محمد محمود، وهو موظف سوداني في أحد متاجر البقالة: “لقد كنا نتبادل الرسائل والتحذيرات ذاتها طوال اليوم: عد إلى منزلك مبكراً، ابقَ في الداخل، ولا تخرج أبداً.. لا أحد يدرك ما الذي سيحدث تالياً”.
من جانبه أكد علي أدان (38 عاماً)، وهو صاحب متجر من أصول سودانية يعيش في المنطقة منذ 18 عاماً، أن العلاقات العرقية شهدت تدهوراً ملحوظاً، حيث باتت التوترات العنصرية في إنجلترا تنتقل مباشرة إلى أيرلندا الشمالية والعكس صحيح، مضيفاً بحسرة: “بمجرد وقوع أي حادث، يوجه الجميع أصابع الاتهام مباشرة إلى كل مهاجر يعيش هنا”.
المصدر:الجارديان
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇