العرب في بريطانيا | بعد حظر الصفقة المشبوهة .. "بالانتير"...

بعد حظر الصفقة المشبوهة .. “بالانتير” تتهم عمدة لندن بتهديد الأمن العام

5103d234-7667-46eb-94da-2e632949dade
ديمة خالد مايو 23, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

شهدت الأوساط السياسية والأمنية في بريطانيا موجة من تبادل الاتهامات الحادة، بعد قرار عمدة لندن، صادق خان، حظر صفقة تكنولوجية ضخمة بقيمة 50 مليون باوند كانت مخصصة لشرطة العاصمة (متروبوليتان). الصفقة، التي ألغيت بداعي وجود “شبهات قانونية” وخرق صريح لقواعد المشتريات والتعاقدات، فجّرت خلافاً علنياً بين بلدية لندن وشركة “بالانتير” (Palantir) الأمريكية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، كما تسببت في إحداث انقسامات وتوترات واضحة داخل حزب العمال الحاكم.

اتهامات متبادلة: بين “تسييس التعاقدات” و”التربح من الأزمات”

بعد حظر الصفقة المشبوهة .. "بالانتير" تتهم عمدة لندن بتهديد الأمن العام
(الأناضول/ Imtiyaz Shaikh)

عقب قرار الحظر، شن لويس موزلي، رئيس شركة “بالانتير” في بريطانيا وأوروبا، هجوماً عنيفاً على عمدة لندن، متهماً إياه بـ “تسييس المشتريات الحكومية وتقديم المصالح السياسية على حساب الأمن العام”. وفي تصريحات صحفية مثيرة للجدل، اعتبر موزلي أن الأولوية القصوى لسكان لندن هي مكافحة الجرائم الخطيرة مثل السرقة بالإكراه والاغتصاب -في إشارة إلى الفضائح الأخيرة التي تورط فيها ضباط في الخدمة- محذراً من أن عرقلة التقنيات الحديثة سيعرض سلامة المواطنين للخطر.

في المقابل، واجهت تصريحات موزلي رداً لا يقل حدة من الأوساط السياسية؛ حيث هاجمت النائبة عن حزب العمال، ستيلا كريسي، رئيس الشركة مؤكدة أنه “ينبغي عليه الخجل من نفسه”. وأوضحت كريسي أن استغلال شركة “بالانتير” لقضايا حساسة ومؤلمة مثل الاعتداءات الجنسية من قبل بعض أفراد الشرطة لمهاجمة عمدة لندن -فقط بسبب تقلص أرباح الشركة بعد إلغاء العقد- يثبت افتقارها للأهلية الأخلاقية التي تسمح لها بإعطاء دروس في القيم.

صراع القيم والروابط الدولية المثير للجدل

تأتي هذه الأزمة في وقت تواجه فيه “بالانتير” انتقادات حقوقية واسعة بسبب طبيعة أنشطتها الدولية؛ حيث تتعاون الشركة تكنولوجياً مع الجيش الإسرائيلي، إلى جانب دعمها لإدارة ترامب في حملاتها الصارمة لإنفاذ قوانين الهجرة. وكان عمدة لندن، صادق خان، قد أكد سابقاً أن أموال دافعي الضرائب في العاصمة لن تذهب إلا للشركات التي “تتطابق مع قيم المدينة”. وما يزيد من حساسية الموقف، التصريحات السابقة للرئيس التنفيذي للشركة، أليكس كارب، الذي اعترف علناً العام الماضي بأن تقنيات شركته تساهم في استهداف الفلسطينيين بغزة تحت ذريعة “ملاحقة الإرهابيين”.

ورداً على هذه الانتقادات، دافع موزلي عن شركته متسائلاً عن سبب استهداف “بالانتير” وحدها دون بقية عمالقة التكنولوجيا مثل “أمازون” و”مايكروسوفت” الذين يتعاونون أيضاً مع إسرائيل وإدارة ترامب في ملف الهجرة.

انقسام داخل حزب العمال وتضارب في المواقف الحكومية

بعد حظر الصفقة المشبوهة .. "بالانتير" تتهم عمدة لندن بتهديد الأمن العام
عمدة مدينة لندن صادق خان
(وكالة الأناضول/ Dursun Aydemir)

وضعت هذه الأزمة عمدة لندن في مسار تصادمي ليس فقط مع جهاز الشرطة، بل مع الحكومة البريطانية نفسها؛ إذ ترتبط الحكومة بصفقات ضخمة مع “بالانتير”، تشمل عقداً بقيمة 330 مليون باوند مع هيئة الصحة الوطنية (NHS)، وآخراً بقيمة 240 مليون باوند مع وزارة الدفاع.

وقد انعكس هذا التضارب على وحدة حزب العمال، حيث انقسمت الآراء بين مؤيد ومعارض:

  • جبهة التأييد لعمدة لندن: وصفت النائبة روزينا ألين خان، والنائب كلايف لويس، قرار إلغاء الصفقة بـ “الخطوة الشجاعة والصائبة”، مؤكدين على ضرورة إبعاد الشركات التي لا تحترم حقوق الإنسان وقيم المجتمع عن المنظومة الأمنية.
  • جبهة الدعم للشركة: عبّر وزير العمل والأعمال، بيتر كايل، عن إعجابه الشديد بالقدرات التكنولوجية الفريدة لشركة “بالانتير”. ودعا كايل (الذي تشير السجلات الوزارية إلى تعرضه لضغوط ترويجية “لوبي” من الشركة) عمدة لندن للخروج وتبرير هذا “القرار الكبير”.

كواليس الصفقة: من “التجسس على الضباط” إلى العقد المجهض

بدأت العلاقة بين شرطة العاصمة و”بالانتير” عبر عقد أولي صغير قيمته دون 500 ألف باوند، وهو رقم سمح للشرطة بتمرير الصفقة دون الحاجة إلى موافقة أو تدقيق من عمدة لندن. وكان الهدف من هذا النظام استخدام الذكاء الاصطناعي لمراقبة الضباط داخلياً ورصد الفاسدين منهم عبر تتبع استغلال جداول المناوبات والأنظمة الحيوية. غير أن هذا المشروع واجه هجوماً لاذعاً من “اتحاد شرطة العاصمة” (الذي يمثل الأفراد والضباط)، حيث وصفوا المنظومة بأنها أشبه بنظام “الأخ الأكبر” المستبد للتجسس على الموظفين دون رقابة قانونية.

وكانت محاولة قادة الشرطة توسيع نطاق العقد ليصل إلى 50 مليون باوند لمدة عامين، بهدف منح الذكاء الاصطناعي صلاحية مسح وتحليل كل البيانات الاستخباراتية الجنائية لمكافحة الجريمة. وعند مراجعة العقد، اكتشف مكتب عمدة لندن (City Hall) أن عملية التمديد تمت بشكل يخرق قواعد المنافسة الشريفة، حيث صُممت الشروط لإقصاء أي موردين أو منافسين آخرين، مما دفع خان لإلغاء الصفقة فوراً باعتبارها مشبوهة وغير قانونية.

المساعي البريطانية نحو “السيادة التكنولوجية”

بعد حظر الصفقة المشبوهة .. "بالانتير" تتهم عمدة لندن بتهديد الأمن العام

أعادت هذه القضية فتح ملف حاسم يتعلق بمدى اعتماد الخدمات العامة في بريطانيا على الشركات التكنولوجية الأجنبية. وفي هذا السياق، أقر وزير الأعمال، بيتر كايل، بالحاجة الملحة لتقليل هذا الاعتماد وبناء بدائل محلية، كاشفاً أن الحكومة بدأت بالفعل في الاستحواذ على حصص ملكية في شركات تكنولوجيا وذكاء اصطناعي بريطانية ناشئة، بهدف تسريع نموها وتأهيلها لإدارة الخدمات الحساسة في المستقبل لحماية الأمن القومي.

المصدر: الغارديان


إقرأ أيضًا:

اترك تعليقا