عمدة لندن يوقف صفقة “بالانتير” الأمنية المشبوهة
في خطوة حملت أبعاداً وتداعيات سياسية وقانونية واسعة النطاق، تدخل عمدة لندن، صادق خان، بشكل حاسم لإحباط صفقة تكنولوجية ضخمة بقيمة 50 مليون باوند بين شرطة المتروبوليتان وشركة “بالانتير” (Palantir) الأمريكية المثيرة للجدل. وجاء هذا التدخل بعد أن رصدت بلدية لندن “خرقاً واضحاً وجسيماً” لآليات المشتريات والتعاقدات الرسمية.
وكانت شرطة “سكوتلاند يارد” تخوض مفاوضات سرية — كشفت عنها الصحافة البريطانية مؤخراً — لاعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بالشركة الأمريكية بهدف أتمتة وتحليل البيانات الاستخباراتية في التحقيقات الجنائية. ويمثل قرار العمدة ضربة قوية للشركة، إذ كان هذا العقد ليكون الأكبر لها في قطاع الأمن داخل بريطانيا.
المبررات القانونية والمالية لإلغاء العقد

أعلن “مكتب العمدة للشرطة والجريمة” (Mopac)، وهو الجهة القانونية المخولة بإقرار العقود بهذا الحجم، عن حجب موافقته الرسمية على الصفقة. وجاء القرار بعد ثبوت عدم التزام الشرطة بالإجراءات التنافسية، حيث ركزت “سكوتلاند يارد” مفاوضاتها على مورد واحد فقط هو “بالانتير”، دون إتاحة الفرصة لشركات أخرى أو اختبار السوق للتأكد من تحقيق “القيمة مقابل المال”.
وفي هذا السياق، وجهت نائبة عمدة لندن للشرطة والجريمة، كايا كومر-شوارتز، رسالة شديدة اللهجة إلى مفوض شرطة المتروبوليتان، سير مارك رولي، أكدت فيها عدم تلقيها أي تبرير مقبول لهذا الخلل الإجرائي، واصفة ما حدث بأنه خرق إجرائي جسيم يضع الشرطة ومكتب العمدة تحت طائلة “المخاطر القانونية ومخاطر السمعة”. كما كشفت نائبة العمدة أن الشرطة كانت قد قدرت قيمة العقد سابقاً بين 15 إلى 25 مليون باوند سنوياً، إلا أن الصفقة النهائية جاءت عند الحد الأقصى لهذا النطاق وبشكل غير مبرر.
السيرة الجدلية لـ “بالانتير” وصراع القيم
إلى جانب المخالفات الإدارية، اصطدمت الصفقة برفض سياسي وشعبي مرتبط بالخلفية الأخلاقية للشركة الأمريكية. وأوضح المتحدث باسم عمدة لندن أن أموال دافعي الضرائب في العاصمة يجب ألا تذهب إلا للشركات التي “تشارك المدينة قيمها”، مشيراً إلى أن العمدة يعتزم مناقشة الحكومة البريطانية في إمكانية تعديل قوانين المشتريات العامة لتشمل تقييم الجوانب الأخلاقية للشركات مستقبلاً.
وتواجه “بالانتير” انتقادات حادة في بريطانيا رغم امتلاكها عقوداً تتجاوز قيمتها 600 مليون باوند مع قطاعات حيوية مثل هيئة الصحة الوطنية (NHS)، ووزارة الدفاع، وسلطة السلوك المالي. وتعود جذور هذا القلق إلى ارتباطات الشركة؛ حيث شارك في تأسيسها الملياردير بيتر ثيل الداعم لترامب، فضلاً عن تقديمها خدمات تقنية للجيش الإسرائيلي ولوكالة إنفاذ قوانين الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في عمليات الملاحقة الحدودية.
وزاد من حدة الهجوم تصريحات رئيسها التنفيذي، أليكس كارب، الذي نشر بياناً دافع فيه عن الهيمنة الأمريكية ملمحاً إلى “دونية” بعض الثقافات، وهو ما دفع برلمانياً بريطانياً لوصف تلك التصريحات بأنها تشبه ‘ترهات الأشرار في أفلام الخيال’ كما ارتبطت الشركة سابقاً بشركة الضغط السياسي “غلوبال كونسيل” المملوكة لبيتر ماندلسون، والذي رتب سابقاً زيارة لرئيس الوزراء الحالي، كير ستارمر، إلى مقر الشركة في واشنطن قبل انهيار شركة الضغط.
تجارب سرية سابقة داخل “سكوتلاند يارد”

كشفت التحقيقات التي أجراها مكتب (Mopac) أن شرطة المتروبوليتان كانت قد أبرمت قبل فترة وجيزة عقداً مباشراً سرياً مع “بالانتير” دون طرحه في مناقصة علنية، وكان مخصصاً لتجربة نظام ذكاء اصطناعي لمراقبة سلوك أفراد الشرطة ورصد الفاسدين والمقصرين. وقد تم تمرير هذا العقد بقيمة مالية تقل بشكل طفيف عن الحد الأدنى الذي يستلزم موافقة بلدية لندن.
ورغم التحايل الإجرائي، كانت الشرطة قد تفاخرت بنجاح التجربة، مؤكدة أنها قادت إلى فتح تحقيقات مع مئات الضباط بتهم تشمل استغلال نظام المناوبات المحوسب لتحقيق مكاسب مالية، والادعاء الكاذب بالتواجد في العمل، بالإضافة إلى إخفاء انتمائهم للمحافل الماسونية.
انقسام حول فاعلية التقنية ومستقبل الذكاء الاصطناعي
على المستوى الشعبي، يواجه التمدد التقني للشركة رفضاً كبيراً؛ حيث وقع مئات الآلاف من المواطنين البريطانيين على عرائض تطالب الحكومة بفسخ العقد البالغ 330 مليون باوند المخصص لإدارة منصة البيانات الطبية لهيئة الصحة الوطنية (NHS)، في وقت تصف فيه أطراف برلمانية الصفقة بأنها “مخزية”، مع اعتراف الحكومة بأنها لا تؤيد التوجهات السياسية للشركة.
في المقابل، يقود الرئيس التنفيذي لشركة “بالانتير” في بريطانيا، لويس ميرفي، حملة علاقات عامة مضادة للدفاع عن شركته، مستنداً إلى أرقام تزعم أن أنظمتهم ساعدت المستشفيات البريطانية في إجراء 110 آلاف عملية جراحية إضافية وقصّرت فترات انتظار خروج المرضى. كما أشادت قوات شرطة محلية أخرى في بريطانيا بالمنظومة، حيث أكدت شرطة “بيدفوردشير” أن التقنية مكنتها من معالجة أطنان من البيانات المأخوذة من الهواتف المحمولة وترجمتها سريعاً، مما أسهم بشكل مباشر في تفكيك عصابة منظمة سرقت 800 ألف باوند من الصرافات الآلية.
ضربة لخطط الحكومة الطموحة

يمثل قرار صادق خان حجر عثرة أمام مساعي حكومة حزب العمال الرامية إلى دمج التكنولوجيا الحديقة في المنظومة الأمنية. وكانت وزيرة الداخلية، شابانا محمود، قد دعت مطلع العام الجاري إلى “تسريع وتوسيع نطاق اعتماد الذكاء الاصطناعي في الشرطة”. وتتضمن الاستراتيجية الحكومية استثمار 115 مليون باوند لتأسيس منصة وطنية موحدة تُعرف بمشروع “Police.AI” لتجربة وتوسيع نطاق التقنيات الذكية، وهو المشروع الذي بات يواجه تعقيدات إجرائية وسياسية بعد سقوط صفقة العاصمة.
المصدر: الغارديان
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇