الحكومة تخفّض.. والمطارات ترفع: هل يتحرك القطاع الخاص عكس سياسة أندي بيرنهام؟
في بريطانيا اليوم، تبدو الصورة الاقتصادية للوهلة الأولى وكأنها تحمل رسالتين متناقضتين.
في الوقت الذي تسعى فيه حكومة رئيس الوزراء أندي بيرنهام إلى تقديم إجراءات تخفف الضغط عن الأسر وتعيد بعض المال إلى جيوب المواطنين، يجد المسافر نفسه أمام واقع مختلف عند بوابات المطارات.
الحكومة تقول إنها تريد خفض كلفة الحياة اليومية.
لكن في المقابل، ترتفع رسوم بعض الخدمات التي يستخدمها ملايين البريطانيين والمسافرين، ومن بينها رسوم إنزال الركاب بالسيارات أمام المطارات.
في غاتويك وستانستد، أصبح إنزال المسافر في منطقة الـDrop-off يكلف 10 باوند، في وقت تتحدث فيه الحكومة عن تخفيض تكاليف الكهرباء والحافلات.
فهل نحن أمام قطاع خاص يتحرك عكس الحكومة؟
أم أن المسألة أكثر تعقيدًا؟
الإجابة تبدأ من قرارات الحكومة نفسها.
في 21 يوليو/تموز 2026، أعلنت حكومة أندي بيرنهام إزالة ضريبة القيمة المضافة البالغة 5% عن فواتير الكهرباء المنزلية، على أن يبدأ الإجراء في الأول من أكتوبر/تشرين الأول، في خطوة قالت الحكومة إنها تهدف إلى منح ملايين الأسر مساحة أكبر للتنفس في مواجهة أزمة كلفة المعيشة.
وبحسب الحكومة، فإن هذه الخطوة ستكون مؤقتة، وتموّل من الوفورات الناتجة عن إلغاء برنامج الهوية الرقمية الحكومي.
وبعد يوم واحد فقط، أعلنت الحكومة خطوة أخرى في الاتجاه نفسه.
اعتبارًا من الأول من يناير/كانون الثاني 2027، ستُخفض قيمة الحد الأقصى لتذكرة الرحلة الواحدة بالحافلة إلى 2 باوند في إنجلترا خارج لندن، مقارنة بسقف حالي يبلغ 3 باوند، وذلك حتى نهاية عام 2027.
وتقول الحكومة إن القرار قد يوفر على بعض الركاب ما يصل إلى ثلث تكلفة الرحلة، وقد خصصت له 400 مليون باوند من التمويل الإضافي. كما تشير إلى أن الإجراء يستهدف خصوصًا الرحلات الأطول، حيث تكون أسعار الحافلات في المناطق الريفية والساحلية أعلى في العادة.
إذن، هناك بالفعل سياسة حكومية واضحة: تخفيض تكلفة بعض الخدمات الأساسية، وخصوصًا تلك التي تستطيع الحكومة التأثير فيها من خلال الضرائب أو التمويل العام.
لكن، في الجهة الأخرى من المشهد، يقف قطاع الطيران والمطارات.
فالمسافر الذي يقرر أن يقود سيارته لإيصال أحد أفراد عائلته إلى المطار قد يدفع اليوم 10 باوند فقط مقابل التوقف لفترة قصيرة في منطقة الإنزال.
وبحسب بيانات محدثة في يونيو/حزيران 2026، أصبحت غاتويك وستانستد من أغلى المطارات البريطانية في هذا النوع من الرسوم، مع رسم يبلغ 10 باوند مقابل مدة محدودة من الوقت في منطقة الإنزال. وتشير بيانات موقع MoneySavingExpert إلى أن 25 من أصل 29 مطارًا بريطانيًا كبيرًا تفرض رسومًا على إنزال الركاب، وأن معظم المطارات الكبرى تتقاضى ما بين نحو 5 و10 باوند لهذه الخدمة.
هنا تحديداً تظهر المفارقة؛ فكيف يمكن للحكومة أن تقول للمواطن: سنخفّض عنك تكلفة الكهرباء، وسنجعل الحافلة أرخص، بينما يقول المطار في الوقت نفسه: إذا أردت أن توصل شخصًا إلى بوابة السفر بسيارتك، فعليك أن تدفع 10 باوند؟
الجواب هو أن هذه الأسعار لا تأتي من الجهة نفسها، ولا تخضع للمنطق الاقتصادي نفسه.
الحكومة عندما تلغي ضريبة القيمة المضافة عن الكهرباء، فإنها تتدخل مباشرة في بند ضريبي موجود على فاتورة الطاقة.
وعندما تخفض سقف تذكرة الحافلة من 3 إلى 2 باوند، فإنها تستخدم التمويل العام للتأثير في سعر خدمة النقل العام.
أما رسوم المطار، فهي في الأساس قرار تجاري وتشغيلي تتخذه الجهة المشغلة للمطار.
وهذا يعني أن الحكومة لا تملك ببساطة أن تقول لمطار خاص أو تجاري: لا ترفع رسومك.
لكن المسألة لا تتعلق بالمال فقط؛ فالمطارات تقول، في العادة، إن رسوم الإنزال تساعد أيضاً على تنظيم حركة السيارات وتقليل الازدحام أمام مباني الركاب.
فمنطقة الـDrop-off هي واحدة من أكثر النقاط ازدحامًا في أي مطار كبير. عشرات الآلاف من السيارات قد تمر عبرها، وبعض السائقين قد يبقون لفترة أطول من اللازم، ما يؤدي إلى اختناقات مرورية ويزيد الضغط على البنية التحتية.
ولهذا، فإن فرض رسوم على الإنزال يمكن أن يؤدي وظيفة اقتصادية وسلوكية في الوقت نفسه.
كلما ارتفعت كلفة التوقف أمام المبنى، أصبح بعض السائقين أكثر ميلًا إلى استخدام البدائل، سواء كانت مواقف أبعد مع حافلات النقل المجانية، أو القطارات، أو الحافلات العامة، أو سيارات الأجرة.
وبحسب MoneySavingExpert، فإن المطارات التي تفرض هذه الرسوم تقول إن من بين أسبابها تقليل حركة المرور أمام المطار أو ارتفاع تكاليف التشغيل، كما أن معظمها يوفر خيارات بديلة مجانية أو أقل كلفة، وإن كانت تتطلب المشي لمسافة أطول أو استخدام حافلة نقل.
وهنا نصل إلى الجزء الأكثر إثارة للاهتمام في القصة؛ ففي الوقت الذي تحاول فيه حكومة بيرنهام جعل النقل العام أرخص، قد تكون المطارات، من خلال رفع رسوم إنزال السيارات، تدفع المسافرين بشكل غير مباشر إلى البحث عن وسائل نقل بديلة.
بمعنى آخر، قد لا تكون هناك مواجهة مباشرة بين الحكومة والمطار، بل ربما يعمل الطرفان، كل من موقعه، على تغيير سلوك المواطن.
الحكومة تقول: استخدم الحافلة، وسنحاول أن نجعلها أرخص.
والمطار يقول: إذا أردت استخدام سيارتك الخاصة للوصول إلى مبنى الركاب، فستدفع أكثر.
النتيجة المحتملة هي أن يصبح النقل العام أكثر جاذبية، ليس فقط لأنه أرخص، وإنما لأن استخدام السيارة الخاصة أصبح أكثر تكلفة.
لكن هذا لا يعني أن رفع رسوم المطارات جاء تنفيذاً لسياسة الحكومة، أو أن الحكومة طلبت من المطارات زيادة رسومها.
الفارق هنا مهم جداً.
الحكومة لديها هدف سياسي واقتصادي يتعلق بتخفيف كلفة المعيشة وتشجيع النقل العام.
أما المطار فلديه أهداف مختلفة: إدارة الازدحام، تقليل الضغط على مناطق الإنزال، تغطية تكاليف التشغيل، وربما زيادة الإيرادات.
وقد تلتقي النتيجة النهائية للقرارين، حتى لو لم يكن هناك تنسيق مباشر بينهما.
وهذا يقودنا إلى سؤال أوسع: هل يستطيع المواطن فعلًا أن يشعر بانخفاض كلفة المعيشة إذا خفضت الحكومة أسعار بعض الخدمات بينما ترتفع أسعار خدمات أخرى؟
هنا تصبح الحسابات أكثر تعقيدًا؛ فالحكومة تقول إن إزالة ضريبة القيمة المضافة عن الكهرباء ستوفر على الأسر أموالًا، بينما تقول إن سقف تذكرة الحافلة عند 2 باوند سيمنح ملايين الركاب رحلات أرخص.
لكن الأسرة لا تدفع فقط فاتورة الكهرباء أو تذكرة الحافلة.
هي تدفع أيضًا تكاليف السكن والتأمين والطعام والوقود والسفر ورسوم الخدمات المختلفة.
ولهذا، فإن انخفاض تكلفة بند واحد لا يعني بالضرورة أن الميزانية الشهرية للأسرة أصبحت أقل، وهذه النقطة هي جوهر الجدل الاقتصادي حول سياسات كلفة المعيشة.
فالمواطن لا يعيش الاقتصاد في صورة قرارات منفصلة.
هو لا يقول في نهاية الشهر: لقد وفرت 5% من ضريبة الكهرباء، وخسرت 3 باوند في رسوم المطار، وربحت باوند في رحلة الحافلة.
هو ينظر ببساطة إلى حسابه المصرفي، وإلى المبلغ المتبقي بعد دفع جميع الفواتير.
من هذه الزاوية، فإن التناقض الظاهر بين سياسات الحكومة ورسوم المطارات يكشف شيئًا أكبر من مجرد قصة عن 10 باوند يدفعها المسافر.
إنه يكشف حدود قدرة أي حكومة على التحكم في كلفة المعيشة.
الحكومة تستطيع أن تخفض ضريبة، وتستطيع أن تقدم دعماً، وتستطيع أن تضع سقفًا لسعر خدمة معينة.
لكنها لا تستطيع، في اقتصاد مفتوح، أن تتحكم في كل سعر يدفعه المواطن.
فالشركات ترفع أسعارها عندما ترتفع تكاليفها، أو عندما ترى أن الطلب يسمح بذلك، أو عندما تريد إدارة الضغط على خدماتها.
والمطارات، مثل غيرها من الشركات، تملك مساحة لاتخاذ قراراتها التجارية ضمن القواعد المعمول بها.
لذلك، فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كان القطاع الخاص يتحرك ضد حكومة أندي بيرنهام.
الأدق هو أن نقول إن الحكومة والقطاع الخاص يعملان وفق منطقين مختلفين.

الحكومة تنظر إلى المواطن باعتباره أسرة تحتاج إلى تخفيف الأعباء، وإلى الاقتصاد باعتباره منظومة تحتاج إلى دعم الطلب والنقل والخدمات.
أما الشركات، فتنظر إلى السعر باعتباره أداة لإدارة التكاليف والطلب والازدحام وتحقيق الإيرادات.
وفي حالة المطارات تحديدًا، يمكن أن يكون رفع رسوم الـDrop-off جزءًا من سياسة لتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، وهو هدف قد يتقاطع، بشكل غير مباشر، مع رغبة الحكومة في جعل النقل العام خيارًا أكثر استخدامًا.
لكن المفارقة تبقى قائمة بالنسبة للمواطن.
فالحكومة تقول له: الحافلة ستكون أرخص.
والمطار يقول له: السيارة ستكون أغلى.
والأسرة تقول: في النهاية، نحن ندفع من جيبنا.
وهنا ربما يكون الاختبار الحقيقي لسياسة أندي بيرنهام.
ليس فقط أن تعلن الحكومة عن خفض ضريبة الكهرباء أو تخفيض سقف تذكرة الحافلة، وإنما أن تنجح في جعل المواطن يشعر بأن مجموع تكاليف حياته اليومية أصبح أقل بالفعل.
فإذا انخفضت فاتورة في جهة، ثم ارتفعت رسوم أخرى في جهة ثانية، فقد تختفي الفائدة التي يشعر بها المواطن في حساباته اليومية.
أما إذا نجحت الحكومة في خفض تكلفة النقل العام والطاقة، وفي الوقت نفسه تمكنت من احتواء الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الخدمات الأخرى، فعندها فقط يمكن القول إن سياسة تخفيف كلفة المعيشة بدأت تتحول من شعارات وإجراءات منفصلة إلى تغيير حقيقي يشعر به الناس.
وبينما تستمر الحكومة في محاولة خفض بعض الأسعار التي تستطيع التأثير فيها، ستبقى المطارات والشركات الأخرى تتحرك وفق حساباتها الخاصة.
وهكذا، فإن ما يبدو تناقضًا بين حكومة تخفض الأسعار ومطارات ترفعها، قد يكون في الواقع صورة مصغرة للاقتصاد البريطاني نفسه: الحكومة تحاول أن تخفف كلفة الحياة من جهة، والسوق يعيد تسعير الخدمات من جهة أخرى، والمواطن هو من يواجه المحصلة النهائية لكل هذه القرارات في ميزانيته اليومية.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇