البرغوثي من جامعة أكسفورد: هم لا يريدون فقط نزع سلاح المقاومة بل أيضاً تجريدنا من حقنا في النضال من أجل الحرية و ضد الاحتلال بأي شكل من الأشكال
أكد الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، الدكتور مصطفى البرغوثي، أن الضغوط المتزايدة التي تُمارس على الفلسطينيين تحت عنوان نزع سلاح المقاومة لا تستهدف فقط وسائل المقاومة، بل تسعى في جوهرها إلى تجريد الشعب الفلسطيني من حقه الأساسي والمشروع في النضال من أجل الحرية و مقاومة الاحتلال بأي شكل من الأشكال.
جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها مساء الخميس في مقر اتحاد طلبة جامعة أكسفورد، بحضور حشد من الطلبة والأكاديميين والمهتمين بالشأن الفلسطيني، حيث تناول التطورات السياسية والإنسانية في فلسطين، ومستقبل القضية الفلسطينية في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة.
وأدارت اللقاء رئيسة اتحاد طلبة جامعة أكسفورد، أروى الريس، التي استهلت الأمسية بالترحيب بالدكتور البرغوثي، مؤكدة أن الاتحاد يحرص على تعريف الطلبة بالقضايا الإنسانية الكبرى من خلال الاستماع المباشر إلى روايات أصحابها والشهود عليها، بما يسهم في بناء فهم أعمق للقضايا الدولية المعاصرة.
وقالت الريس إن اتحاد أكسفورد يواصل تقليده العريق في استضافة شخصيات فكرية وسياسية وحقوقية من مختلف أنحاء العالم، بما يتيح للطلبة فرصة الاطلاع على وجهات نظر وتجارب مباشرة من مناطق النزاعات والأزمات الإنسانية، مشيرة إلى أن الاستماع إلى شهادات من يعيشون هذه الأحداث يشكل جزءاً أساسياً من أي نقاش أكاديمي جاد ومسؤول.
وفي مستهل حديثه، شدد البرغوثي على أن القضية الفلسطينية ليست نزاعا سياسيا تقليديا، بل قضية نضال شعب من أجل الحرية و تقرير المصير في مواجهة عدوان شرس و استعمار استيطاني احلالي منذ ١٢٠ عاما و أصبحت اختباراً حقيقياً لمصداقية منظومة القانون الدولي وحقوق الإنسان التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية.
وقال: “هم لا يريدون فقط نزع سلاح المقاومة، بل يريدون أيضاً نزع حقنا في مقاومة الاحتلال من أساسه. لم يحدث في التاريخ أن طُلب من شعب واقع تحت الاحتلال أن يتخلى عن حقه في المقاومة فيما يستمر الاحتلال في ممارسة إرهاب الدولة و امتلاك كل أدوات القوة العسكرية والسياسية.”
وأضاف أن ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في قطاع غزة والضفة الغربية، يكشف أزمة عميقة في النظام الدولي، الذي بات عاجزاً عن تطبيق المبادئ التي يدّعي الدفاع عنها، وفي مقدمتها حماية المدنيين وصون حقوق الإنسان.
فلسطين واختبار القانون الدولي

ورأى البرغوثي أن فلسطين أصبحت اليوم المعيار الأوضح لقياس مدى احترام العالم للقانون الدولي، معتبراً أن ما يحدث يعكس تغلّب معايير سطوة القوة على مبادئ العدالة والقانون.
وقال إن الانتهاكات المتواصلة ضد الفلسطينيين، بما في ذلك الإبادة الجماعية و استهداف المدنيين والتجويع والتهجير وتدمير البنية التحتية، تمثل دليلاً صارخاً على فشل المجتمع الدولي في الوفاء بالتزاماته القانونية والأخلاقية.
وأضاف أن الخطورة لا تكمن فقط في حجم المأساة الإنسانية، وإنما في ما تتركه من آثار على النظام الدولي برمته، محذراً من أن استمرار الإفلات من العقاب يقوض أسس القانون الدولي ويهدد مستقبل منظومة حقوق الإنسان العالمية.
نهاية حل الدولتين

وفي الجانب السياسي، أكد البرغوثي أن إسرائيل دمرت حل الدولتين و تقوض إمكانية تطبيقه عملياً نتيجة التوسع و الإرهاب الاستيطاني الإسرائيلي المتواصل.
وأوضح أن مئات المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي أقيمت في الأراضي الفلسطينية المحتلة مزقت التواصل الجغرافي اللازم لقيام دولة فلسطينية مستقلة، الأمر الذي يجعل الحديث عن حل الدولتين منفصلاً عن الواقع القائم على الأرض.
وقال إن البديل الواقعي الوحيد أصبح يتمثل في إقامة دولة ديمقراطية واحدة يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية كاملة بغض النظر عن الدين أو القومية أو الخلفية العرقية شريطة تطبيق حق العودة واسقاط نظام الاستعمار الاستيطاني الإحلالي.
تغيير عالمي في الرأي العام

وأشار البرغوثي إلى ما وصفه بالتحول الكبير في الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، لافتاً إلى أن الدعم الشعبي للحقوق الفلسطينية يشهد توسعاً ملحوظاً في الجامعات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني والحركات الشبابية في مختلف أنحاء العالم.
وأضاف أن فلسطين لم تعد قضية سياسة خارجية بعيدة بالنسبة لكثير من المجتمعات الغربية، بل أصبحت قضية داخلية ترتبط بقيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان، وهو ما يفسر اتساع رقعة التضامن الشعبي مع الفلسطينيين خلال السنوات الأخيرة.
استحالة التغيير من الداخل الإسرائيلي

وفي معرض حديثه عن مستقبل الصراع، أبدى البرغوثي تشككه في إمكانية حدوث تغيير جوهري من داخل إسرائيل نفسها والتي تحولت نحو الفاشية ، معتبراً أن التحولات المطلوبة تحتاج إلى ضغط دولي فعّال ومستمر وفرض العقوبات و المقاطعة و سحب الاستثمارات.
ودعا إلى تعزيز حملات التضامن والمقاطعة والضغط السياسي والقانوني على إسرائيل من أجل إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية الفلسطينية، مؤكداً أن الرهان على تغيير داخلي سريع لا يستند إلى معطيات واقعية في المرحلة الراهنة.
التجربة الشخصية والعمل الطبي

وردًّا على أحد الأسئلة تطرق البرغوثي إلى تجربته الشخصية كطبيب، مستذكراً إصابته بالرصاص خلال مشاركته في إسعاف الجرحى أثناء المواجهات في تسعينيات القرن الماضي، مؤكداً أن هذه التجربة عززت قناعته بضرورة حماية الطواقم الطبية والعاملين في المجال الإنساني في مناطق النزاعات.
كما استعرض جانباً من عمل جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية، مشيراً إلى الجهود التي تبذلها المؤسسة للوصول إلى التجمعات الفلسطينية المعزولة وتقديم الخدمات الصحية رغم الظروف الصعبة والدمار الواسع الذي طال القطاع الصحي في الضفة الغربية و قطاع غزة .
أزمة اقتصادية متفاقمة

وحذر البرغوثي من التداعيات الخطيرة للخنق الاقتصادي و الأزمة اقتصادية التي تواجه الفلسطينيين، موضحاً أن القيود المالية وتراجع الإيرادات واستمرار الإجراءات الإسرائيلية أدت إلى إضعاف المؤسسات العامة وتهديد قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم.
وأشار إلى أن استمرار هذا الواقع يفاقم من معاناة الفلسطينيين اليومية ويزيد من التحديات التي تواجه صمودهم على أرضهم.
أولوية وقف الحرب وإنهاء الاحتلال

وخلال جلسة الأسئلة والنقاش التي أعقبت المحاضرة، تناول البرغوثي قضايا وقف إطلاق النار ومستقبل قطاع غزة والحديث المتكرر عن نزع السلاح.
وأكد أن الأولوية العاجلة يجب أن تكون وقف الحرب بشكل كامل، و اجبار إسرائيل على تنفيذ وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود، وإنهاء الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع.
وشدد على أن أي نقاش جدي حول السلام لا يمكن أن يتجاهل السبب الجوهري للصراع والمتمثل في استمرار الاحتلال.
وقال: “المشكلة الأساسية ليست السلاح، بل الاحتلال نفسه. ومن يريد سلاماً حقيقياً عليه أن يبدأ بمعالجة جذور المشكلة لا مظاهرها.”
دعوة إلى الصمود وإعادة البناء

وفي ختام المحاضرة، دعا البرغوثي الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى تعزيز التكافل والتعاون والعمل المشترك من أجل إعادة البناء ودعم صمود المجتمع الفلسطيني.
وأكد أن البقاء على الأرض وإعادة إعمار ما دمره الاحتلال والحفاظ على الوجود الفلسطيني تمثل اليوم أهم أهداف النضال الوطني.
وقال مخاطباً الحضور: “أعظم أشكال المقاومة اليوم هو الصمود. أن نبقى، وأن نعيد البناء، وأن ندعم بعضنا بعضاً، وأن نحافظ على وجودنا في فلسطين، فهذه مسؤولية جماعية تقع على عاتق جميع الفلسطينيين أينما كانوا.”
واختُتمت الأمسية بحوار مطول بين البرغوثي وطلبة جامعة أكسفورد، تناول قضايا القانون الدولي ومستقبل القضية الفلسطينية والتحولات السياسية الجارية في المنطقة والعالم.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇