تقرير: من يصنع أفكار ريفورم؟ خريطة العقول والشبكات خلف حزب نايجل فاراج
حين يعلن حزب ريفورم سياسة جديدة بشأن الهجرة أو الضرائب أو مؤسسات الدولة، يبدو نايجل فاراج في الغالب الوجه الذي يقدمها إلى الجمهور. لكن خلف الخطاب الذي يهيمن عليه زعيم الحزب، تشكلت شبكة أكثر تعقيدًا لصناعة الأفكار، تضم سياسيين انتقلوا من المحافظين، ومستشارين متخصصين، ومراكز أبحاث، وشخصيات فكرية ترتبط بتيارات محافظة عابرة للأطلسي.
ومع انتقال ريفورم من حزب احتجاج إلى حزب يتحدث علنًا عن الوصول إلى الحكومة، لم يعد السؤال فقط عما يريده فاراج، بل عن الأفكار التي تحيط به، ومن ينتجها، وكيف تتحول من تصورات فكرية إلى سياسات وبرامج لإدارة الدولة.
وتكشف متابعة هذه الشبكة عن ثلاث دوائر رئيسية: قيادة سياسية تحدد الاتجاه العام، وجهاز يعمل على تحويله إلى خطط تنفيذية، وبيئة فكرية أوسع توفر الأفكار والكوادر والعلاقات. غير أن هذه الدوائر ليست متطابقة، ولا يعني ارتباط شخصيات الحزب بمؤسسة أو مفكر تبني ريفورم جميع أفكاره.
جيمس أور.. بوابة بين ريفورم واليمين الجديد

Own work Author Xuthoria
يقف جيمس أور، أستاذ الفلسفة الدينية المشارك في جامعة كامبريدج، عند نقطة التقاء عدد من هذه الدوائر. فقد انتقل من العمل الفكري والأكاديمي إلى دائرة فاراج، ثم تولى رئاسة السياسات في ريفورم.
وفي الرابع من سبتمبر/أيلول، تنحى أور عن مهامه مع المستشار دان جوكس على ذمة تحقيق داخلي عقب تحقيق استقصائي بشأن مزاعم تتعلق بتمويل استطلاعات رأي من مصدر أجنبي. وينفي الحزب ارتكاب مخالفات، ولم تثبت هذه المزاعم بحكم قضائي. ولا تزال أهمية أور في فهم تطور أفكار ريفورم قائمة، حتى مع توقفه عن أداء مهامه.
عمل أور سابقًا مع Centre for a Better Britain، وهو مركز أبحاث تأسس لتطوير سياسات تهدف إلى إعادة تشكيل مؤسسات الدولة والاقتصاد. لكن أهميته لا تأتي من هذا الدور وحده؛ فهو أيضًا رئيس الفرع البريطاني لمؤسسة Edmund Burke Foundation، التي تقف خلف مؤتمرات National Conservatism الدولية.
وتضعه هذه الصفة في موقع رسمي داخل شبكة فكرية تتجاوز بريطانيا، لا مجرد مشارك عابر في مؤتمراتها. كما تربطه علاقات بشخصيات بارزة في اليمين الأمريكي، بينها نائب الرئيس جيه دي فانس والملياردير بيتر ثيل، وبشبكات محافظة مرتبطة بالمجر، وهي علاقات تناولتها فايننشال تايمز في بروفايل موسع لأور.
وهنا تصبح قصة ريفورم أكبر من حزب بريطاني واحد.
ليست ظاهرة بريطانية فقط.. شبكة يمينية تعبر الأطلسي

الأفكار التي تدخل ريفورم لا تنشأ كلها داخل بريطانيا. فقد تشكل خلال السنوات الأخيرة فضاء سياسي وفكري يجمع أجزاء من اليمين الأمريكي والبريطاني والأوروبي حول قضايا متشابهة: الهجرة، والهوية الوطنية، والأسرة التقليدية، والدين، وانتقاد النخب الليبرالية والمؤسسات فوق الوطنية.
وتعد حركة National Conservatism إحدى أبرز ساحات هذا التلاقي. فهي تجمع سياسيين ومفكرين وأكاديميين يدافعون عن الدولة القومية بوصفها الإطار الأساسي للسيادة والديمقراطية، وينتقدون العولمة السياسية والثقافية، ويدعون إلى استعادة دور الدين والتقاليد الوطنية في الحياة العامة.
وتكتسب علاقة أور بهذه الحركة أهمية خاصة لأنه لا يكتفي بالانتماء إليها، بل يشغل موقعًا قياديًا في مؤسستها البريطانية، بالتوازي مع دوره السابق في رئاسة سياسات ريفورم.
وفي شهادة أمام لجنة بمجلس العموم، وصف الصحفي الاستقصائي بيتر غيوغان الشبكة المحيطة باليمين الجديد بأنها أكثر تنظيمًا مما يدركه كثيرون في بريطانيا، وأشار إلى علاقات أور الأمريكية وإلى رغبة Centre for a Better Britain في الاستفادة من تجربة مؤسسة Heritage Foundation، التي لعبت دورًا رئيسيًا في إعداد مشروع “Project 2025” الأمريكي اليميني الذي تربطه تقارير بإدارة الرئيس ترامب.
ولا يعني ذلك أن ريفورم ينقل نموذج ترامب حرفيًا. فالنظام السياسي البريطاني مختلف، وكذلك موقع هيئة الخدمات الصحية والمعاشات والدولة الاجتماعية في الثقافة السياسية البريطانية. لكن المقارنة تكشف اهتمامًا مشتركًا لدى أجزاء من اليمين الجديد بسؤال يتجاوز الفوز بالانتخابات: كيف يمكن تغيير المؤسسات التي تنفذ السياسات وتحد من سلطة الحكومة المنتخبة؟
ومن هذه الزاوية، يصعب تفسير صعود ريفورم باعتباره مجرد رد فعل بريطاني على الهجرة أو إخفاق المحافظين. فهو يتطور أيضًا داخل موجة غربية أوسع من القومية المحافظة، تتبادل فيها الشخصيات والمؤسسات الأفكار والخبرات عبر الحدود.
ويذهب بعض الباحثين أبعد من ذلك. ففي دراسة أكاديمية نشرت في أغسطس/آب 2026 في مجلة Political Quarterly، يضع الباحث كيان أسبينال صعود ريفورم ضمن تاريخ أطول لما يسميه “القومية العرقية البريطانية”، ويرى أن خطاب الحزب يستدعي عناصر تتكرر تاريخيًا في اليمين القومي، بينها الخوف من التحول الديموغرافي، ومظلومية البيض، ورفض النخب الكوزموبوليتانية، والدعوة إلى استعادة السيادة.
وهذه قراءة أكاديمية وليست توصيفًا يتبناه الحزب، الذي يرفض اتهامات العنصرية ويقدم مشروعه باعتباره قومية قائمة على المواطنة والثقافة البريطانية. كما أن القومية المحافظة العابرة للأطلسي ليست تيارًا واحدًا متجانسًا، ولا يصح اختزال جميع المشاركين فيها في القومية البيضاء.
لكن الجدل يكشف أن السؤال حول ريفورم لا يتعلق فقط بمدى تشدده في الهجرة، وإنما أيضًا بنوع القومية التي يسعى إلى جعلها أساسًا للسياسة البريطانية.
القومية المسيحية.. من الهوية إلى السياسات العامة

البعد الديني لهذه الشبكة ليس تفصيلًا هامشيًا.
أور عالم لاهوت جاء إلى السياسة بعد تحول ديني شخصي، ويحيط نفسه بشبكة من الأكاديميين والناشطين المسيحيين المحافظين. وكشفت فايننشال تايمز عن مجتمع فكري وديني أقامه في كامبريدج، يجمع طلبة وباحثين محافظين ويتضمن لقاءات وصلوات ونشاطًا فكريًا وسياسيًا، فيما وصف مقربون منه المشروع باعتباره مساحة لتكوين جيل جديد من المحافظين المسيحيين.
ولا يخفي تيار National Conservatism هذا البعد. فـبيان مبادئه يعتبر الكتاب المقدس أحد المصادر الأساسية للحضارة الغربية، ويدعو إلى أن تكون الحياة العامة في الدول ذات الأغلبية المسيحية متجذرة في المسيحية ورؤيتها الأخلاقية، مع ضمان حقوق الأقليات الدينية.
وتختلف هذه الرؤية عن التعامل مع المسيحية بوصفها تراثًا تاريخيًا أو شأنًا شخصيًا فحسب؛ فهي تمنحها دورًا في تعريف الهوية الوطنية وتوجيه السياسة العامة.
وتظهر أفكار قريبة من ذلك داخل ريفورم في الدعوة إلى حماية الكنائس، وإبراز التراث المسيحي في التعليم، ومنح الأسرة والزواج مكانة أكبر في السياسات الاجتماعية. كما يعرف داني كروغر، المسؤول عن استعداد الحزب للحكومة، بمواقفه المسيحية المحافظة، خصوصًا في ملفات الأسرة.
لكن ينبغي التمييز بين هذه الروابط وبين القول إن ريفورم يتبنى برنامجًا دينيًا متكاملًا أو أن جميع سياساته تنبع من القومية المسيحية. فالحزب يضم تيارات وشخصيات تختلف في مواقفها الدينية والاقتصادية، وتبقى الصلة الأقوى هنا هي وجود شخصيات مؤثرة في صناعة أفكاره تنتمي إلى هذا الفضاء الفكري.
كيف يلتقي مسلمون مع مشروع يدافع عن بريطانيا المسيحية؟
تظهر إحدى أكثر المفارقات لفتًا للانتباه في وجود شخصيات مسلمة بارزة داخل ريفورم، تتبنى في الوقت نفسه خطابًا يدعو إلى استعادة التراث المسيحي البريطاني.
أبرز هذه الشخصيات ضياء يوسف، مسؤول ملف الداخلية والهجرة في الحزب، الذي يصف نفسه بأنه مسلم ممارس. وقد دافع في مقابلة مع صحيفة تايمز عن أهمية المسيحية في تاريخ بريطانيا وثقافتها، وربط تراجعها بما وصفه بأزمة معنى، كما أيد منع تحويل الكنائس إلى مساجد ومنح المسيحية حضورًا أكبر في المناهج المدرسية.
ولا يقدم يوسف هذه المواقف باعتبارها تحولًا في عقيدته الشخصية، بل باعتبارها دفاعًا عن التراث الثقافي والتاريخي للبلاد التي ينتمي إليها.
وتظهر مواقف قريبة لدى ليلى كانينغهام، المرشحة المسلمة لريفورم لمنصب عمدة لندن، التي دعت إلى احتفاء أكبر بالمسيحية في المجال العام، واتخذت مواقف متشددة تجاه الهجرة والتطرف الإسلامي.
وتتيح هذه التصريحات فهمًا أكثر تعقيدًا للقومية التي يعرضها بعض أعضاء الحزب من الأقليات. فهي لا تشترط بالضرورة أن يكون الفرد مسيحيًا أو من أصل بريطاني معين، لكنها تمنح الثقافة الوطنية التاريخية، بما فيها تراثها المسيحي، موقعًا مركزيًا في تعريف الانتماء.
غير أن هذا النموذج يثير سؤالًا آخر: أين ينتهي الدفاع عن ثقافة وطنية مشتركة، وأين تبدأ الشروط التي قد تجعل انتماء بعض المواطنين موضع تشكيك؟
وقد ظهر هذا التوتر مؤخرًا عندما أثار يوسف جدلًا بمنشور عن سغال عبدالولي، زعيمة مجلس كامدن ذات الأصول الصومالية، تساءل فيه عن ترشيحها المحتمل لمقعد هولبورن وسانت بانكراس. ووصف وزير الأعمال جوناثان رينولدز المنشور بأنه عنصرية صريحة، بينما انتقدته شخصيات داخل ريفورم نفسه، بينها كانينغهام.
وتكشف الواقعة أن وجود شخصيات من الأقليات داخل الحزب لا يحسم الجدل بشأن طبيعة قوميته أو حدود الانتماء التي يرسمها خطابه. بل يجعل السؤال أكثر تحديدًا: هل يقوم الانتماء على المواطنة والولاء السياسي، أم على تصور ثقافي قد يُستخدم أحيانًا للتشكيك في مواطنين آخرين رغم انتمائهم القانوني والاجتماعي إلى البلاد؟
داني كروغر.. تصميم الدولة التي يريدها ريفورم
إذا كان أور يمثل أحد جسور الحزب إلى عالم الأفكار، فإن داني كروغر يعمل على السؤال التنفيذي: كيف سيحكم ريفورم إذا وصل إلى السلطة؟
يقود كروغر مشروع Preparing for Government، الذي نشر أوراقًا تفصيلية بشأن إعادة هيكلة مؤسسات الدولة والخدمة المدنية. وفي ورقة “Fixing the Centre”، يقترح إلغاء مكتب مجلس الوزراء بصورته الحالية ومنصب أمين مجلس الوزراء، وإنشاء مكتب جديد لرئيس الوزراء تحت قيادة رئيس موظفين سياسي قوي، إلى جانب منح الوزراء سلطات أوسع في تعيين كبار الموظفين المدنيين وإقالتهم.
وتتضمن المقترحات أيضًا تقليص أعداد العاملين في الخدمة المدنية، وتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي، وإعادة صلاحيات بعض الهيئات العامة إلى الوزارات. وفي ورقة سابقة، قدر كروغر إمكانية خفض عدد موظفي الخدمة المدنية بنسبة 13 في المئة وتحقيق وفورات سنوية تبلغ نحو 5.2 مليارات باوند.
وهذه ليست مجرد شعارات انتخابية؛ إنها محاولة لصياغة نموذج مؤسسي مختلف، يمنح الوزراء المنتخبين سيطرة أكبر على جهاز الدولة ويقلص استقلال بعض المؤسسات الإدارية.
وتكشف هذه الأوراق، بصرف النظر عن الجدل حولها، أن ريفورم لم يعد يكتفي بالقول إن المؤسسات القائمة لا تعمل، بل بدأ يضع تصورًا محددًا لكيفية تغييرها.
من المحافظين إلى ماكينة سياسات أكثر اتساعًا
ساعد انتقال سياسيين من المحافظين إلى ريفورم على تحويل الأفكار العامة إلى ملفات حكومية أكثر تفصيلًا.
يتولى روبرت جينريك ملف الخزانة، وسويلا برافرمان التعليم والمهارات والمساواة، وريتشارد تايس الأعمال والتجارة والطاقة، بينما يتولى ضياء يوسف الداخلية والهجرة.
لكن هذه التشكيلة لا تعمل ككتلة فكرية متجانسة. فالجناح الاقتصادي داخل الحزب يميل إلى خفض الضرائب وتحرير الأسواق وتقليص التنظيمات، بينما تقبل القومية المحافظة تدخلًا أكبر للدولة في مجالات مثل حماية الصناعات والأسرة والهوية الوطنية.
وتظهر هنا واحدة من المعضلات التي لم يحسمها ريفورم بعد: كيف يمكن الجمع بين دولة أصغر اقتصاديًا ودولة أقوى ثقافيًا وأمنيًا، من دون أن تتعارض الوعود المختلفة عندما تتحول إلى موازنة وقرارات حكومية؟
ومن يمول بناء هذه الماكينة؟
لا يمكن فصل تطور جهاز السياسات عن الموارد التي تسمح للأحزاب بتوظيف المستشارين وإعداد الأبحاث وتنظيم الشبكات.
وقد أظهرت بيانات التبرعات الأخيرة اعتماد ريفورم بدرجة كبيرة على عدد محدود من كبار المانحين، بينهم رجل الأعمال بن ديلو، الذي قدم نحو أربعة ملايين باوند من أصل 5.3 ملايين جمعها الحزب في الربع الثاني من عام 2026، وفق بيانات تناولتها رويترز.
لكن تركّز التمويل لا يثبت أن المانحين يكتبون سياسات الحزب أو يحصلون على قرارات مقابل أموالهم. والأدق هو أن المال يوفر الموارد اللازمة لبناء المؤسسات وتجنيد الكوادر وتوسيع النشاط الفكري والسياسي، بينما يحتاج إثبات تأثير مباشر على سياسة بعينها إلى أدلة مستقلة.
فاراج في المنتصف.. لكن المشروع أصبح أكبر منه

يبقى نايجل فاراج مركز الجاذبية السياسية في ريفورم، والرجل الذي يحدد إلى حد بعيد القضايا التي تمنح الحزب هويته الجماهيرية: الهجرة، والسيادة، والحدود، ومعارضة صافي الصفر، وانتقاد المؤسسة السياسية التقليدية.
لكن حوله أصبحت توجد بنية فكرية وسياسية أكثر اتساعًا، يمكن تمييز ثلاثة اتجاهات رئيسية داخلها: شعبوية قومية يقودها فاراج، وقومية محافظة ذات بعد مسيحي ومؤسساتي، ويمين اقتصادي يدفع نحو خفض الضرائب والتنظيمات.
ولا تتطابق هذه الاتجاهات دائمًا، كما أن وجودها داخل الحزب لا يعني أنها تمتلك الوزن نفسه أو أنها ستتمكن جميعًا من فرض رؤيتها إذا وصل ريفورم إلى السلطة.
ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر أهمية بشأن مستقبل الحزب ليس فقط ما إذا كان قادرًا على الفوز بعدد أكبر من المقاعد، وإنما أي دائرة من هذه الدوائر ستحدد شكل سياساته عندما تصبح الوعود الانتخابية قرارات حكومية.
فخلف شعار “استعادة بريطانيا” تدور أسئلة أكثر تعقيدًا حول شكل الدولة والاقتصاد والهوية الوطنية: هل يريد الحزب دولة قومية مدنية مفتوحة لكل من يندمج في ثقافتها، أم دولة تمنح التراث المسيحي موقعًا سياسيًا أوضح، أم مشروعًا اقتصاديًا يقلص دور الدولة، أم مزيجًا جديدًا من هذه العناصر؟
والإجابة لا تزال قيد التشكل. لكن ما أصبح واضحًا هو أن ريفورم لم يعد مجرد ظاهرة انتخابية تتمحور حول شخصية فاراج؛ بل أصبح أيضًا إحدى الساحات البريطانية التي تتفاعل فيها أفكار يمينية غربية أوسع، وتُختبر فيها قدرة هذه الأفكار على التحول من شبكات ومؤتمرات وأوراق بحثية إلى برنامج للحكم.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇