أطباء في لندن يحتشدون أمام المجلس الطبي العام دعماً لغسان أبو ستة
وسط هتافات مؤيدة لفلسطين، وقرع الطبول، وصفوف من الأطباء والممرضين بزيهم الطبي والكوفيات الفلسطينية، تحوّل محيط مقر المجلس الطبي العام البريطاني (GMC) في وسط لندن، مساء الخميس 3 يوليو، إلى منصة احتجاج حملت رسالة واحدة “ارفعوا أيديكم عن الدكتور غسان أبو ستة”.

الوقفة، التي نظّمتها Healthcare Workers 4 Palestine، لم تكن مجرد فعالية تضامنية مع جرّاح عائد من ساحات الحرب، بل جاءت لتسليط الضوء على ما وصفه المشاركون بأنه استهداف متواصل للدكتور غسان أبو ستة، ومحاولة لترهيب الأطباء والعاملين في القطاع الصحي الذين يواصلون توثيق ما يشهدونه في غزة والدفاع عن مرضاهم.

ويرى المنظمون أن القضية تجاوزت الدكتور أبو ستة نفسه لتتحول إلى نقاش أوسع حول استقلالية المهنة الطبية وحق الأطباء في التعبير عن شهاداتهم في مناطق النزاع دون خشية من الملاحقة المهنية.
من التبرئة إلى الاستئناف… لماذا خرج الأطباء إلى الشارع؟

جاءت الوقفة على خلفية القضية التي يواجهها الدكتور أبو ستة أمام المجلس الطبي العام البريطاني General) (Medical Council، بعد سلسلة من الشكاوى التي ارتبطت بجماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل واتهمته بدعم الإرهاب ومعاداة السامية.

وأشار المتحدثون إلى أن لجنتين مستقلتين برّأتا أبو ستة من هذه الادعاءات، إلا أن المجلس الطبي العام اختار الطعن في تلك القرارات أمام المحكمة العليا، في خطوة قال المحتجون إنها تثير تساؤلات حول استقلالية المؤسسة واستخدام الإجراءات التنظيمية لإسكات الأصوات الطبية المنتقدة للحرب على غزة.

وتكررت خلال الوقفة شعارات مثل “احموا المرضى لا السياسيين”، و”المجلس الطبي قم بعملك الحقيقي”، و“غسان ينقذ الأرواح والأطراف”، إلى جانب لافتات اتهمت المجلس بإساءة استخدام صلاحياته والانحراف عن مهمته الأساسية في حماية المرضى.
غسان أبو ستة: “يريدون أن يجعلوا الفلسطينيين غير مرئيين”

في الكلمة الرئيسية، اعتبر الدكتور غسان أبو ستة أن ما يتعرض له لا ينفصل عن السياق الأوسع للحرب على غزة، قائلاً إن الإبادة تبدأ عندما “يُجعل شعبٌ ما فائضاً عن حاجة العالم”.
وأضاف أن استهداف الأطباء الذين يقدّمون شهاداتهم من غزة هو محاولة لإخفاء معاناة الفلسطينيين عن الرأي العام، وقال أمام الحشود، وقال ” أصبح المجلس الطبي العام أداة لتسهيل الإبادة الجماعية من خلال إسكات الأطباء الذين تحدثوا عن وحشية القتل في غزة.”

وفي انتقاد مباشر للمجلس، وصف المجلس بأنه “يسعى إلى أن يكون مؤسسة جيم كرو في القرن الحادي والعشرين تغسل عنصريتها، عبر سياسات وإجراءات تنظيمية”، معتبراً أن القضية تتعلق بكل طبيب يشهد على ما يراه في مناطق النزاع، لا بمستقبله الشخصي فقط. وأضاف “وظيفتنا كناشطين أن نجعل مستقبلهم المهني مرتبطاً بفعل الشيء الصحيح، لأننا نعلم أنهم لن يفعلوه من تلقاء أنفسهم.”
نيك ماينارد: “غزة خذلتها مؤسساتنا الطبية”

ركز جرّاح الحرب البروفيسور نيك ماينارد على الكلفة الإنسانية للحرب في غزة، مشيراً إلى مقتل آلاف المدنيين والعاملين الصحيين. وقال إن ما يحدث لا يمثل فشلاً سياسياً فقط، وإنما أيضاً فشلاً أخلاقياً للمؤسسات الطبية البريطانية، مضيفاً “لقد خذلت مؤسساتنا الأكاديمية غزة، وخذلتها كليات الطب، وخذلها المجلس الطبي العام”.
ورأى أن القضية المطروحة اليوم تتجاوز الدكتور أبو ستة نفسه، قائلاً “الأمر يتعلق بما إذا كان الأطباء قادرين على الدفاع عن مرضاهم دون خوف، وما إذا كان الممرضون والأطباء سيشعرون بأن عليهم الصمت خشية التعرض للعقوبات التنظيمية”. كما حذر من أن منع أبو ستة من مواصلة عمله سيحرم بعضاً من أكثر أطفال العالم ضعفاً من الجراحات المنقذة للحياة التي يقدمها في مناطق النزاع.
“واجب الطبيب أن يشهد”… رسالة من المنظمين

قال الدكتور عمر عبد المنان، مؤسس Healthcare Workers 4 Palestine UK، إن غسان أبو ستة “عاد إلى بريطانيا وفعل ما يفرضه عليه ضميره المهني، وهو أن يشهد على ما رآه”.
وأضاف” إذا أصبح الأطباء يخشون أن يكلفهم قول الحقيقة تسجيلهم المهني، فإن المرضى هم من سيدفعون الثمن، وستفقد المهنة استقلاليتها”.

ودعا عبد المنان إلى مواصلة الضغط الشعبي عبر ثلاث خطوات، تمثلت في إرسال رسائل إلكترونية إلى إدارة المجلس الطبي العام للمطالبة بسحب القضية، والتبرع لصندوق CrowdJustice الخاص بتغطية التكاليف القانونية للدكتور أبو ستة، إضافة إلى المشاركة في الوقفة المزمع تنظيمها أمام المحكمة العليا خلال جلسات القضية المقررة في سبتمبر المقبل. وأضاف أن “التاريخ لا يحاسب الأطباء على كيفية علاج مرضاهم فقط، بل على امتلاكهم الشجاعة لقول الحقيقة حول ما يُرتكب بحقهم”.
أميرة نمرواي: “المعركة تتجاوز الفرد”

في السياق نفسه، أكدت أميرة نمرواي، الرئيسة التنفيذية لتجمع Healthcare Workers 4 Palestine، أن ما يجري لا يمكن اختزاله في قضية فردية، بل يمثل اختباراً واسعاً لحدود حرية التعبير داخل القطاع الصحي في بريطانيا، موضحة بصرامة ان “إذا استمرت هذه القضية ضد الدكتور غسان أبو ستة، فإن ذلك يعني توسيع دائرة إسكات الأصوات داخل المهنة الطبية.”
وشددت على أن ما يجري يطرح سؤالاً أوسع حول استقلالية القرار الطبي وحدود المساءلة المهنية. وختمت قائلة “احموا المرضى، لا السياسيين.”
غسان أبو ستة في قلب المشهد

ظل اسم الدكتور غسان أبو ستة محور الوقفة منذ لحظتها الأولى وحتى نهايتها، حيث ربط المتحدثون بين مسيرته الطبية في غزة وبيروت وبين ما وصفوه بمحاولة تحويله إلى “مثال تحذيري”.
وتكررت الهتافات المطالبة بوقف الإجراءات بحقه، فيما رفع المشاركون لافتات حملت عبارات مثل؛ “ارفعوا أيديكم عن الدكتور غسان”، و“المجلس الطبي غير مؤهل للتنظيم”، و“غسان ينقذ الأرواح والأطراف”، إضافة إلى شعارات تربط بين الممارسة الطبية والالتزام الإنساني في مناطق الحرب.

واختتمت الوقفة وسط هتافات وقرع الطبول ورفع الأعلام الفلسطينية، بينما غادر المشاركون الموقع تدريجياً.
وبقيت الرسالة الأساسية حاضرة: أن ما يجري أمام المجلس الطبي العام يتجاوز الخلاف المهني، ليطرح سؤالاً أوسع حول حدود ما يمكن للطبيب قوله، وما إذا كان قول الحقيقة قد يصبح سبباً للمساءلة.
اقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇