أزمة “شبكات استغلال الأطفال” تلاحق ستارمر: تمويل الملايين قد “لا يكفي” الشرطة
تواجه حكومة كير ستارمر ضغوطاً سياسية متصاعدة إزاء ملف “عصابات الاستغلال الجنسي للأطفال”، وسط تحذيرات أمنية من عدم كفاية الدعم المالي الأخير لمواجهة هذه الظاهرة؛ فرغم إعلان الحكومة عن قفزة هائلة تقارب عشرة أضعاف في تمويل المحققين المسؤولين عن ملاحقة هذه الشبكات، إلا أن مصادر في الشرطة أكدت أن المبالغ المرصودة “ستفشل على الأرجح” في تغطية النفقات الفعلية نظراً لضخامة وتعقيد الملفات المستهدفة بالمراجعة.
قفزة التمويل ومخاوف العجز الأمني

وفقاً لبيان رسمي صادر عن وزارة الداخلية، تقرر رفع ميزانية “عملية بيكونبورت” (Operation Beaconport) ــ وهي الآلية التي تشكلت العام الماضي لإعادة فتح ومراجعة قضايا الاستغلال الجنسي الجماعي المغلقة في إنجلترا وويلز ــ لتصل إلى نحو 38 مليون باوند، مقارنة بـ 4 ملايين باوند فقط خصصت لها العام الماضي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن حزمة دعم أوسع تبلغ 100 مليون باوند مخصصة لمكافحة الاعتداء الجنسي على الأطفال، تشمل تخصيص 9 ملايين باوند لتزويد قوات الشرطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي بهدف رصد المتورطين عبر الإنترنت بسرعة أكبر. ورغم هذه الملايين، تنبأت مصادر الشرطة بحدوث عجز مالي، موجهةً الأنظار إلى أن حجم التحقيقات وطبيعتها المعقدة سيتطلبان استنزافاً كبيراً للعنصر البشري من الضباط وعلى فترات زمنية ممتدة، مؤكدة أن هذه الزيادة لن تفِ بالتكاليف المطلوبة لتشكيل فرق عمل أمنية مخصصة ومستقلة.
ضغوط المعارضة واستقالات الداخل
تأتي هذه التحركات المالية في وقت يرزح فيه رئيس الوزراء كير ستارمر تحت وطأة ضغوط سياسية شديدة، حيث تحول ملف “عصابات الاستغلال” إلى ورقة هجومية كبرى يستغلها نايجل فاراج، زعيم حزب “ريفورم بريطانيا” (Reform UK)، لحشد التأييد في المعاقل التقليدية لحزب العمال الحاكم ببريطانيا.
ولم تقتصر الضغوط على المعارضة الخارجية بل امتدت لداخل الحكومة، إذ يندرج التمويل الجديد كمحاولة لاحتواء تداعيات الاستقالة المدوية والمنتقدة التي تقدمت بها جيس فيليبس، وزيرة الدولة بوزارة الداخلية الأسبوع الماضي؛ حيث وجهت حينها سهام النقد لستارمر متهمة إياه بالتباطؤ وغياب الجرأة في مواجهة الانتهاكات الرقمية. وفي تعليقها الجديد على ميزانية الدعم، رحبت فيليبس بالخطوة معتبرة أنها ستسهم في “تصحيح المظالم التاريخية”، مشددة في الوقت ذاته على ضرورة تركيز الجهود المستقبلية على استراتيجيات المنع والوقاية قبل وقوع الضرر.
إلى جانب ذلك، يعود أصل الارتباك الحكومي في هذا الملف إلى مطلع عام 2025، حينما تعرض الوزراء لانتقادات حادة عقب تسليط إيلون ماسك، مالك منصة (X)، الضوء على رفض الحكومة لطلب مجلس بلدية “أولدهام” تنظيم تحقيق وطني ثانٍ.
ورغم تعهد ستارمر لاحقاً في يونيو بإطلاق تحقيق خاص، إلا أن صحيفة الغارديان كشفت في أكتوبر عن تعثر الجهود الحكومية وتوقفها نتيجة خلافات حول الصلاحيات وصعوبة اختيار رئيس للجنة.
تحقيق مستقل وأدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي

عقب هذه السلسلة من التعثرات، جرى التوافق أخيراً على تعيين آن لونغفيلد، المفوضة السابقة لشؤون الأطفال في إنجلترا، لتتولى رئاسة التحقيق القانوني المستقل الذي رُصدت له ميزانية تبلغ 65 مليون باوند. وسيركز التحقيق بشكل مباشر وحساس على تفكيك أبعاد الأزمة، وبحث ما إذا كانت الخلفيات العرقية، الثقافية، أو الدينية قد لعبت دوراً في ارتكاب هذه الجرائم أو أثرت على طريقة استجابة وصمت المؤسسات الرسمية حيالها.
ومن المقرر أن يمتد نطاق أعمال اللجنة لفحص آليات عمل تلك العصابات، وتقييم ردود فعل الهيئات المعنية، بما في ذلك جهاز الشرطة، السلطات المحلية، القطاعات الصحية، خدمات الرعاية الاجتماعية، والمؤسسات التعليمية.
وفي سياق متصل، تعول وزارة الداخلية على حزمة التقنيات الجديدة لدعم الميدان الأمني؛ حيث سيتاح لضباط الشرطة استخدام أدوات استخباراتية متطورة تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تمنحهم القدرة على تحليل البيانات الضخمة، وترجمة المواد الأجنبية، ورصد خيوط العلاقات والأنماط المشتركة بين المشتبه بهم، مما يمكن القوات من ملاحقة المفترسين قضائياً بغض النظر عن حجم الموارد المحلية المتاحة للشرطة في مناطقهم.
اختراق الإنترنت المظلم وتعهدات صارمة
على صعيد الأمن الرقمي، تم تخصيص 11.7 مليون باوند لصالح “شبكة التخفي عبر الإنترنت” (Undercover Online Network) التي تركز جهودها على تتبع واصطياد المتورطين داخل “الإنترنت المظلم” (Dark Web). وتظهر البيانات الرسمية نجاح هذه الشبكة في حماية 1748 طفلاً وتنفيذ 1797 عملية اعتقال خلال الفترة الممتدة بين أبريل 2024 و2025 بفضل آليات التدخل المبكر.
وفي إطار التعقيب الرسمي على هذه التطورات، وصفت شابانا محمود، وزيرة الداخلية ببريطانيا، فضيحة عصابات الاستغلال بأنها “واحدة من أحلك المحطات في تاريخ البلاد”، متعهدة بملاحقة من وصفتهم بـ”الوحوش المفترسين ومغتصبي الأطفال الأشرار” مؤكدة أنه لن يكون لهم أي مأوى أو مخبأ.
من جانبه، أكد جاف أومير، المسؤول في الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA)، ترحيب الوكالة باستمرار الدعم المالي من وزارة الداخلية، مشيراً إلى تصاعد خطورة وتعقيد الجرائم المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال نتيجة التطور التكنولوجي للمجرمين، ونزوعهم لإنتاج مواد وصور “أكثر قسوة وسادية”، ومؤكداً في الوقت ذاته أن الوكالة ستسخر كافة أدواتها وقدراتها لحماية الأطفال والوصول للجناة.
المصدر: الغارديان
إقرأ أيضًا:
الرابط المختصر هنا ⬇