العرب في بريطانيا | آندي بيرنام وخطة العشر سنوات.. هل تصبر بريطانيا...

تحليل: عشر سنوات لإصلاح بريطانيا.. هل يملك آندي بيرنام وقتًا لا تمنحه السياسة؟

تحليل: عشر سنوات لإصلاح بريطانيا.. هل يملك آندي بيرنام وقتًا لا تمنحه السياسة؟
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لا يطلب آندي بيرنام من البريطانيين وعدًا عابرًا أو فرصة قصيرة، بل يطلب عشر سنوات.

في السياسة العادية، قد تبدو هذه مدة منطقية لإصلاح اقتصاد متعب، ورفع مستويات المعيشة، وإعادة توزيع السلطة والمال بعيدًا عن لندن، وبناء نموذج حكم أقل مركزية وأكثر قربًا من الأقاليم.

لكن في بريطانيا ما بعد بريكست، تبدو عشر سنوات أقرب إلى رفاهية سياسية نادرة.

فالبلد الذي ابتلع رؤساء وزراء واحدًا بعد آخر، واعتاد تغيير الزعماء قبل أن تكتمل مشاريعهم، لم يعد يمنح أحدًا زمنًا طويلًا بسهولة. ولهذا تبدو رسالة بيرنام الجديدة أكبر من مجرد خطاب اقتصادي. إنها اختبار لفكرة الزمن في السياسة البريطانية: هل يمكن لرئيس وزراء محتمل أن يطلب عقدًا كاملًا من الثقة في بلد فقد صبره على طبقته السياسية؟

Mayors And Investors Gather For The Great North Investment Summit
آندي بيرنام.

بحسب صحف بريطانية، سيعرض بيرنام “مهمة لعشر سنوات” لرفع مستويات المعيشة في مختلف أنحاء بريطانيا، مع طرح فكرة “داونينغ ستريت الشمال” في مانشستر. وبحسب الجارديان، تقوم الخطة على وعد بـ”نمو جيد في كل منطقة”، عبر نقل مزيد من السلطة من المركز في وايتهول بلندن إلى الحكومات المحلية والإقليمية، مع التركيز على الإسكان، والبنية التحتية، والتعليم، والمهارات، وإعادة التصنيع.

هذه ليست وعودًا تصلح لمئة يوم أولى، بل وعود تحتاج سنوات، وهنا تبدأ المعضلة.

مشروع طويل في سياسة قصيرة النفس

الفكرة المركزية في خطاب بيرنام ليست فقط نقل جزء من عمل رئاسة الحكومة إلى مانشستر؛ فهذه رمزية مهمة، لكنها ليست جوهر المشروع.

الجوهر هو أن بيرنام يريد تغيير طريقة إدارة بريطانيا: أن ينتقل جزء من القرار والمال من المركز إلى الأقاليم، وأن يصبح رؤساء البلديات والسلطات المحلية جزءًا من إدارة النمو، والعمل، والرعاية، والإسكان، والمهارات.

Aerial view of Manchester city in UK
مدينة مانشستر حققت طفرة حضرية في عهد بيرنام.

وهو لا يطرح ذلك من فراغ؛ فقوة بيرنام السياسية نابعة جزئيًا من تجربته في مانشستر الكبرى، حيث بنى صورته كزعيم محلي قادر على تحويل اللامركزية من شعار إلى أدوات حكم. فقد فاز في 2024 بولاية ثالثة عمدةً لمانشستر الكبرى بنسبة 63 في المئة من الأصوات، وقاد سلطة محلية تملك صلاحيات في النقل، ودعم التوظيف، والتخطيط، والتجديد العمراني، والشرطة، والإطفاء.

هذه التجربة تمنحه حجة مهمة، وهي أن السلطة المحلية قد تعرف احتياجات الناس أفضل من وايتهول في لندن، لكنها تكشف أيضًا الوجه الأصعب للمشروع.

فاللامركزية لا تنجح بالشعار وحده. تحتاج إلى تمويل، وقدرات محلية، ومؤسسات تستطيع تنفيذ ما يُنقل إليها من صلاحيات. وإصلاح التعليم الفني، أو ربط الرعاية بالعمل والتدريب، أو إعادة التصنيع، لا يعطي نتائج خلال شهور. إنه عمل طويل في بلد لا يثق بسهولة في الوعود الطويلة.

عشر سنوات أم انتخابات واحدة؟

مشكلة بيرنام أنه يتحدث بلغة الحساب الإجمالي في نهاية فترة طويلة، بينما يعيش خصومه، والإعلام، وأسواق المال، بلغة المحاسبة اليومية.

ديلي تلغراف تختصر رسالته في عبارة: “امنحوني عشر سنوات لإصلاح بريطانيا”. وديلي ميل ترد من الزاوية المقابلة، فتتحدث عن “غارات ضريبية” على الطبقة الوسطى، وعن “مخلّص بلا تفويض”.

وهكذا دخل بيرنام قلب الجدل مبكرًا.

يدخل بيرنام هذه اللحظة من موقع قوة. فقد فاز بانتخابات فرعية أعادته إلى البرلمان، وتحول في الصحف إلى “رئيس الوزراء المحتمل المنتظر”، ويحظى بدعم واضح من قطاعات داخل حزب العمال تبحث عن زعيم قادر على مواجهة صعود ريفورم يوكيه.

لكن قوة البداية لا تضمن طول العمر السياسي.

فإذا تحدث عن نقل المال إلى الأقاليم، سيُسأل عن الجنوب، والطبقة الوسطى، والضرائب.

وإذا تحدث عن رؤساء البلديات ودورهم في خفض فاتورة الإعانات، سيُسأل عن النتائج السريعة: كم ستوفر؟ ومتى؟ ومن سيتحمل الفشل إذا لم تنجح الخطة؟

وإذا تحدث عن “النمو في كل المناطق”، سيُسأل الناخب العادي: متى أشعر أنا بهذا النمو في راتبي، أو إيجاري، أو فاتورة الطاقة، أو موعد الطبيب؟

هذه هي فجوة الزمن. الإصلاح يحتاج سنوات، لكن الغضب الشعبي يريد جوابًا الآن.

اللامركزية كاختبار لا كشعار

مقر رئاسة الوزراء البريطانية-10 داونينغ ستريت.

تملك فكرة اللامركزية جاذبية واضحة في بريطانيا؛ فالمركزية الشديدة في لندن أصبحت رمزًا لفشل أوسع: فجوة بين الشمال والجنوب، وبين المدن الكبرى والمناطق المنسية، وبين من يعيشون قرب السلطة ومن يشعرون أن الدولة لا تراهم إلا في الانتخابات.

ولهذا تبدو فكرة “داونينغ ستريت الشمال” جذابة سياسيًا.

إنها تقول للناس خارج لندن إن الحكم لن يبقى حبيس مركز الحكومة في وايتهول.

لكن الخطر أن تتحول اللامركزية إلى شعار جديد يحل محل شعارات قديمة، من دون أن يغير حياة الناس فعلًا.

فبريطانيا سمعت من قبل وعود “رفع مستوى المناطق” في عهد بوريس جونسون، وسمعت من حزب العمال وعودًا عن النمو والاستقرار والتجديد. المشكلة لم تعد في نقص الشعارات، بل في نقص الثقة بأن الدولة قادرة على تحويل الشعار إلى نتيجة.

إذا نجحت خطة بيرنام، فقد تعيد تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم. وإذا تعثرت، فستبدو كنسخة أخرى من شعارات كبرى وعدت بالكثير ولم تحقق شيئًا.

هل يملك بيرنام الزمن؟

BRITAIN-POLITICS-VOTE

السياسة أحيانًا لا تُسقط المشاريع لأنها خاطئة، بل لأنها بطيئة.

والسياسي الذي يطلب عشر سنوات يضع نفسه أمام معادلة قاسية: يحتاج إلى أن يقنع الناس بمشروع طويل، وأن يعطيهم في الوقت نفسه إشارات مبكرة إلى أن الطريق صحيح.

سيحتاج بيرنام، إذا وصل إلى داونينغ ستريت، إلى نتائج سريعة لا تقتل مشروعه الطويل، وإلى طمأنة الأسواق من دون خنق الإنفاق، وإلى إقناع الأقاليم بأن السلطة المنقولة حقيقية، لا مجرد تفويض بالمسؤولية من دون موارد. كما سيحتاج إلى إقناع لندن والجنوب بأن اللامركزية ليست عقابًا لهما، بل إعادة توازن تفيد البلد كله.

وهذا كله في بلد تطارده أزمة ثقة عميقة.

فبريطانيا لا تسأل اليوم فقط: ما خطة بيرنام؟

بل تسأل سؤالًا أصعب: هل بقي في السياسة البريطانية زمن يسمح لأي خطة أن تنضج؟

قد يكون بيرنام محقًا في أن إصلاح مستويات المعيشة يحتاج عقدًا كاملًا، لكن بريطانيا الغاضبة، المتعبة من الوعود، لا تمنح عقدًا كاملًا مقدمًا.

إنها تمنح شهورًا قليلة من الاختبار، ثم تبدأ المحاكمة.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل يستطيع آندي بيرنام إصلاح بريطانيا في عشر سنوات؟

بل: هل يستطيع أن يصمد سياسيًا طويلًا بما يكفي حتى تبدأ خطته في الظهور؟


اقرأ أيضاً:

اترك تعليقا