تحليل: رئيس وزراء بشرعية منقوصة.. هل يطارد سؤال التفويض آندي بيرنام؟
حتى قبل أن يدخل آندي بيرنام داونينغ ستريت، إذا وصل إليه، بدأت الأسئلة تسبقه إلى الباب.
هل يستطيع رئيس وزراء جديد، لم يخض انتخابات عامة باسمه، أن يطلق مشروعًا كبيرًا لنقل مزيد من السلطة والمال داخل إنجلترا؟ هل يملك الحق السياسي، لا القدرة الدستورية فقط، في تغيير مسار العلاقة مع أوروبا، أو النفقات الحكومية، أو سياسات الهجرة؟
هل يمكن أن يأخذ أي قرار كبير دون أن يطارده السؤال الأكبر: ما الشرعية التي يستند إليها؟
وهل تكفي “قفزة بيرنام” في استطلاعات الرأي لتمنحه قوة سياسية، أم أنها تكشف حدود لحظته بقدر ما تؤكد صعوده؟
في الظاهر، تبدو القصة انتقالًا داخل حزب العمال بعد استقالة كير ستارمر. لكن في العمق، تبدو بريطانيا أمام سؤال أقدم وأخطر: متى يكون تغيير الزعيم كافيًا، ومتى تحتاج الدولة إلى تفويض جديد؟
هذا هو الفيل في الغرفة.
بيرنام قد يصل إلى رئاسة الحكومة بطريقة دستورية كاملة.
لكن ذلك لا يعني أنه سيبدأ حكمه بشرعية سياسية كاملة.
شرعية قانونية لا تكفي وحدها
النظام البريطاني يسمح بأن يتغير رئيس الوزراء من دون انتخابات عامة إذا ظل الحزب الحاكم محتفظًا بأغلبية مجلس العموم.
حدث ذلك أكثر من مرة.
تيريزا ماي جاءت بعد ديفيد كاميرون.
بوريس جونسون جاء بعد ماي.
ليز تراس جاءت بعد جونسون.
ريشي سوناك جاء بعد تراس.
وفي كل مرة، كان الجدل نفسه يعود بدرجات مختلفة: هل يملك رئيس الوزراء الجديد حق الحكم من دون أن يُختبر مباشرة أمام الناخبين؟
صحيح أن بيرنام، إذا وصل، لن يبدأ من فراغ.
فحزب العمال يملك أغلبية كبيرة في مجلس العموم، وهذه الأغلبية تمنح أي زعيم جديد سندًا برلمانيًا حقيقيًا.
لكن قوة الأغلبية لا تلغي السؤال السياسي الأوسع: هل انتخب الناس هذا البرنامج، أم انتخبوا حزبًا بقيادة ستارمر ثم وجدوا أنفسهم أمام زعيم جديد واتجاه جديد؟
هنا تظهر الشرعية المنقوصة. فالشرعية القانونية تقول إن الطريق مفتوح. والشرعية البرلمانية تقول إن الأغلبية موجودة.
لكن السياسة ستسأل: من فوّضك لتغيير الاتجاه؟
“قفزة بيرنام” ليست تفويضًا
الاستطلاعات قد تمنح بيرنام دفعة نفسية وسياسية.
لكنها لا تمنحه تفويضًا.
فما تسميه بعض الصحف “قفزة بيرنام” -أي تفوقه في استطلاعات الرأي على حزب ريفورم- مهم؛ لأنه يعني أن حزب العمال بقيادته قد يستعيد جزءًا من الثقة التي خسرها في عهد ستارمر. كما يعني أن ريفورم يوكيه لم يعد وحده القادر على ادعاء تمثيل الغضب الشعبي.
لكن القفزة في الاستطلاعات ليست انتخابات.
والتقدم على ريفورم، حتى لو كان حقيقيًا، لا يعني أن البلاد منحت بيرنام شيكًا مفتوحًا.
بل يعني أن فرصته حقيقية، وأن صعوده يمنح العمال متنفسًا سياسيًا واضحًا، لكنه لا يتحول وحده إلى تفويض انتخابي.
فإذا كان حزب العمال يتقدم بفارق محدود، وإذا كان ريفورم لا يزال قريبًا، وإذا كان المحافظون يبحثون عن أي ثغرة لإعادة تعريف المعركة، فإن سؤال التفويض سيصبح السلاح الأسهل في يد خصومه.
لن يحتاجوا دائمًا إلى تفنيد كل سياسة.
يكفي أن يقولوا: لم ينتخبك أحد على هذا البرنامج.
حين يكون المشروع أكبر من انتقال القيادة
تزيد خطط بيرنام لنقل مزيد من السلطة والمال من لندن إلى الأقاليم من حدة هذا السؤال.
فهو لا يتحدث فقط عن رمزية “داونينغ ستريت في الشمال” -أي مقر أخر لرئاسة الحكومة في شمال إنجلترا- أو نقل جزء من عمل رئاسة الوزراء إلى مانشستر.
يتحدث عن منح الحكومات المحلية والمناطقية قدرة أكبر على إدارة المال، والسكن، والتعليم، والنقل، وبعض ملفات النمو الاقتصادي.
هذه ليست تفاصيل إدارية عابرة.
إنها محاولة لتعديل طريقة توزيع القرار والمال داخل إنجلترا، لا مجرد تغيير في عنوان المكتب أو مكان الاجتماعات.
ومن هنا تصبح الشرعية السياسية أكثر أهمية.
لأن كل مشروع كبير لإعادة توزيع الموارد والصلاحيات ينتج رابحين وخاسرين.
إذا أعطيت الأقاليم صلاحيات أوسع، سيسأل المركز عما بقي له.
وإذا أعطيت الشمال أموالًا أكثر، سيسأل الجنوب من يدفع الثمن.
وإذا قلت إن إنعاش الشمال يخدم بريطانيا كلها، سيطلب الناخبون في المدن الساحلية والريفية والضواحي دليلًا سريعًا على أن المشروع لا يخص مانشستر وحدها.
هنا يتحول مشروع بيرنام من وعد جذاب إلى اختبار صعب.
كلما كان طموحه أكبر، كان سؤال الشرعية أقوى.
كعب أخيل في كل قرار
ستكون الشرعية المنقوصة بمثابة كعب أخيل الذي سينفذ منه خصوم بيرنام في كل ملف تقريبًا.
في الهجرة، ستلاحقه من اليمين واليسار معًا. إذا دعم مسارات آمنة وقانونية للاجئين، سيقول خصومه إنه يفتح الباب لمزيد من الهجرة من دون تفويض شعبي.
وإذا قبل بقيود صارمة على اللجوء ولمّ الشمل والإقامة، سيقول جناح من حزبه إنه يكرر لغة اليمين ويخون وعود حزب العمال الأخلاقية.
وفي العلاقة مع أوروبا، سيكون السؤال أشد حساسية. فأي محاولة لإصلاح العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، أو الاقتراب من السوق الأوروبية الموحدة، ستُقرأ فورًا بوصفها محاولة للالتفاف على بريكست. حتى لو كان الهدف اقتصاديًا لا أيديولوجيًا.
وحتى لو كان كثيرون يرون أن بريطانيا لا تستطيع إصلاح اقتصادها من دون علاقة أوثق بأوروبا.
سيظل السؤال حاضرًا: هل يملك رئيس وزراء لم يخض انتخابات باسمه حق إعادة فتح واحدة من أكثر القضايا انقسامًا في تاريخ بريطانيا الحديث؟
أما في الاقتصاد، فالأمر لن يكون أسهل.
الأسواق ستراقب وعوده. والناخبون سيراقبون جيوبهم. وأي تعثر مبكر سيعيد إنتاج الاتهام نفسه: كان عليه أن يطلب تفويضًا قبل أن يطلب من البلاد أن تتحمل تكلفة مشروعه.
انتخابات مبكرة أم حكم تحت المطاردة؟
لهذا قد يواجه بيرنام خيارًا صعبًا منذ البداية.
إذا دعا إلى انتخابات عامة مبكرة، فقد يحصل على الشرعية التي يحتاج إليها، لكنه يخاطر بخسارة اللحظة قبل أن يثبت نفسه في الحكم.
فالاستطلاعات متحركة. وريفورم يوكيه لا يزال قويًا.
والناخب البريطاني غاضب من الطبقة السياسية التقليدية كلها، لا من ستارمر وحده.
أما إذا قرر الحكم من دون انتخابات، فقد يكسب وقتًا لتثبيت نفسه، لكنه سيمنح خصومه جملة جاهزة تطارده في كل خطوة: أنت لم تحصل على تفويض شعبي.
هنا تكمن معضلة بيرنام.
وهي أن الطريق الدستوري إلى الحكم لا يحل مشكلة الشرعية السياسية.
بل ربما يجعلها أكثر وضوحًا.
سيحتاج بيرنام، إذا وصل، إلى شرعية سياسية واسعة. وهذه لا تُمنح بالاستطلاعات وحدها. ولا بالخطابات الكبيرة. ولا حتى بالحماس الذي يرافق صعود زعيم جديد.
الشرعية تُختبر حين تبدأ القرارات الصعبة. وحين يسأل الخاسرون من التغيير: لماذا نقبل بهذا؟ وحين يقول الخصوم: من أعطاك الحق؟
لهذا قد يصبح سؤال التفويض هو الظل الذي يرافق بيرنام منذ يومه الأول.
فالمشكلة ليست أن وصوله بلا انتخابات سيكون غير دستوري.
المشكلة أنه قد يكون دستوريًا بالكامل، ومدعومًا بأغلبية برلمانية كبيرة، لكنه سياسيًا لا يزال أمام سؤال لم يُحسم بعد عن الشرعية السياسية ومن يملك الحق في تنفيذ برنامج لا يملك له تفويض مباشر من الشارع؟
وهذا السؤال -لا طريقه إلى داونينغ ستريت- هو ما قد يحدد مصير حكمه من اليوم الأول.
اقرأ أيضاً:
الرابط المختصر هنا ⬇