الضرائب أرهقت أورويل… وترهقنا
الضرائب أرهقت أورويل... وترهقنا
في التاسع من أغسطس/آب 1940، وبينما كانت بريطانيا تعيش واحدة من أحلك لحظات الحرب العالمية الثانية، دوّن جورج أورويل في يومياته اعترافًا يندر أن نجده في كتب التاريخ الأدبي. لم يكن يشكو المرض، ولا القصف الألماني، ولا حتى الخوف من مستقبل البلاد، بل كان يشكو ضريبة الدخل.
كتب أورويل: «أصبحت الحالة المادية غير محتملة على الإطلاق… كتبت رسالة طويلة إلى العاملين في ضريبة الدخل أشير فيها إلى أن الحرب قطعت سبيل رزقي، وفي الوقت نفسه فإن الحكومة رفضت تسليمي أي عمل من الأعمال». بل إنه عرض نفسه للتطوع آنذاك ورُفض طلبه. قال لهم: أنا أفضل بكثير من الأغبياء لديكم في شؤون الكتابة والمراسلات التي يحتاجها الجيش، لكن عرضه قوبل بالإهمال.
ثم يضيف بجملة تكاد تختصر قلق الكاتب في كل زمان: «الواقع الذي يعيشه الكاتب، استحالة كتابة الكتب مع هذا الكابوس الذي يجري، لن يكون له أي أهمية رسمية».
الكاتب خلف الكتب العظيمة

في هذه الكلمات لا نرى صاحب «1984» ولا مؤلف «مزرعة الحيوان»، بل نرى رجلًا يحاول دفع فواتيره. نرى تلك الحقيقة التي يتعمد التاريخ الأدبي إخفاءها أحيانًا: أن الكاتب، مهما بلغ شأنه، يبقى عاملًا يعيش من ثمرة عقله وقلمه، وأن العبقرية لا تمنح صاحبها إعفاءً ضريبيًا ولا حصانة من القلق المالي.
في هذه الأسطر من يوميات أورويل لا يتحدث الكاتب عن ضريبة دخل فحسب، بل عن ذلك الصدع الخفي الذي ينشأ عندما تصطدم المهنة الأدبية بوقائع الحياة القاسية. فالرجل الذي سيُعد لاحقًا أحد أهم كتّاب القرن العشرين لا يظهر هنا كنبي سياسي أو روائي عظيم، بل كعامل بالكلمات يخشى نهاية الشهر، ويحسب ما ستقتطعه الخزانة من دخله فيما الطائرات الألمانية تمطر لندن بالقنابل. إنها لحظة نادرة يسقط فيها القناع الرومانسي عن الكتابة؛ فالكاتب ليس ذلك الكائن المتفرغ للتأملات الكبرى، وإنما إنسان محاصر بالفواتير والضرائب وضرورات العيش مثل أي موظف آخر. لذلك تبدو عبارة أورويل عن «استحالة كتابة الكتب وسط هذا الكابوس» أكثر صدقًا من آلاف الخطب عن عظمة الأدب، لأنها تضع الإصبع على الحقيقة التي ظل القراء يتناسونها دائمًا: أن الأدب نفسه يحتاج إلى مساحة من الطمأنينة كي يولد.
ومن اللافت أن أورويل، رغم تبرمه الواضح، لم يتحول إلى ثائر على الدولة. فهو يكتب في اليوميات نفسها: «لن أتردد في التضحية بنفسي من أجل إنكلترا عندما أجد أن هذا ضروري. لا أحد وطني فيما يتعلق بالضرائب». إنها واحدة من أكثر الجمل البريطانية صدقًا وطرافة في آن واحد. فالمواطن البريطاني قد يقاتل دفاعًا عن بلاده، لكنه نادرًا ما يدفع ضريبته من دون تذمر. ولهذا ظلت الضرائب جزءًا أصيلًا من الثقافة السياسية البريطانية، لا باعتبارها إجراءً ماليًا فقط، بل باعتبارها موضوعًا دائمًا للجدل والسخط والشكوى.

ضرائب العصر الرقمي
والحقيقة أن ما كتبه أورويل قبل أكثر من ثمانين عامًا يبدو معاصرًا بصورة مدهشة. فالكتّاب والصحافيون اليوم يعيشون أزمة مختلفة في شكلها، لكنها متشابهة في جوهرها. لم تعد الحرب هي التي تقطع أرزاقهم بالضرورة، بل فعل ذلك الاقتصاد الرقمي نفسه. تراجعت عوائد الصحف، وتقلصت أجور النشر، وتحوّل الانتباه إلى سلعة تلتهمها المنصات العملاقة. وإذا كان أورويل يخشى عجزه عن الكتابة بسبب الحرب والضرائب، فإن كثيرًا من كتّاب اليوم يخشون العجز عن العيش من الكتابة نفسها.
بل إن المفارقة أكثر مرارة اليوم. فأورويل كان يعرف على الأقل من يجبي الضريبة ومن يقتطع دخله. أما الكاتب المعاصر فغالبًا ما يدفع «ضرائب» غير معلنة لشركات التكنولوجيا العملاقة التي تستحوذ على القراء والإعلانات والانتباه العام، من دون أن تمنحه مقابلًا يتناسب مع القيمة التي ينتجها. تغير اسم الجابي، لكن الشعور بالاستنزاف بقي هو ذاته.
ولعل ما يثير التأمل في هذه الصفحة الصغيرة من يوميات أورويل أن الزمن لم ينجح في حل المعضلة القديمة بين الإبداع والعيش الكريم. فالناس يتذكرون الكتب العظيمة، لكنهم ينسون غالبًا أن أصحابها كانوا يقفون في طوابير الضرائب مثل الجميع، ويقلقون على دخولهم مثل الجميع، ويكتبون أحيانًا تحت ضغط الحاجة لا تحت إلهام العبقرية فقط.
لذلك لا تبدو شكوى أورويل من ضريبة الدخل مجرد حادثة عابرة في دفتر يوميات قديم، بل شهادة دائمة على هشاشة مهنة الكتابة نفسها. فبين لندن المقصوفة عام 1940 ولندن اليوم، تغيرت الحكومات والحروب والعملات، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا: الكاتب ما زال يطارد الجملة المثالية بيد، ويدفع مطالب الحياة باليد الأخرى. وربما لهذا السبب لم تفقد ملاحظة أورويل بريقها بعد كل هذه العقود، لأنها تذكرنا بأن الأدب لا يُكتب فوق الغيوم، بل على الأرض، تحت وطأة الضرائب والفواتير والقلق الإنساني اليومي.
الرابط المختصر هنا ⬇



