العرب في بريطانيا | الغارة الأردنية جنوب سوريا بعيون الإعلام البريطاني

الغارة الأردنية جنوب سوريا بعيون الإعلام البريطاني

الغارة الأردنية جنوب سوريا بعيون الإعلام البريطاني
فريق التحرير أكتوبر 27, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

احتلّت الغارات الجوية الأردنية على جنوب سوريا، مساء الإثنين 26 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مساحة لافتة في تغطية وسائل الإعلام البريطانية صباح الثلاثاء. وتعاملت معظم هذه الوسائل مع الحدث بوصفه قصة “روايتين متعارضتين”: رواية عمّان التي تقول إنها ضربت مواقع “تنظيمات إرهابية” مرتبطة بمنفذي هجوم كنيسة الكرك، ورواية دمشق التي تتحدث عن ضحايا مدنيين بينهم أطفال، وتنفي أي تنسيق مسبق.

يرصد هذا التقرير كيف قدّمت أبرز المنابر البريطانية الحدث، وما الذي أبرزته، وما الذي غاب عن تغطيتها.

ماذا حدث؟

Churches & Christian heritage in Jordan

يوم الجمعة 23 أكتوبر، أطلق ثلاثة مسلحين النار على مشيّعين في جنازة داخل كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في قرية حمود بمحافظة الكرك جنوبي الأردن، ما أدى إلى مقتل تسعة أشخاص وإصابة العشرات. وتعهّد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بالرد بـ”قبضة من حديد”.

صباح الإثنين، أعلنت السلطات الأردنية القبض على ثلاثة مشتبه بهم، هم شقيقان وصهرهما، بعد اشتباك مسلح. وفي المساء، أعلن الجيش الأردني تنفيذ عملية جوية باسم “الردع الأردني – حمود”، قال: إنها استهدفت مواقع تنظيمات يرتبط بها منفذو الهجوم، وإنها نُفذت بالتنسيق مع دمشق.

في المقابل، قالت الحكومة السورية: إن العملية جرت دون أي تنسيق مسبق، وأبلغت عمّان “تحفظها الكامل”، وفتحت تحقيقًا، ثم أغلقت معبر نصيب (جابر) الحدودي أمام المسافرين والبضائع في الاتجاهين.

أما حصيلة الضحايا فتغيّرت أكثر من مرة خلال ساعات: بدأت بخمسة قتلى، ثم ثمانية، ثم عدّلتها مديرية صحة درعا إلى ستة بينهم ثلاثة أطفال وامرأة، فيما تحدث الدفاع المدني السوري عن سبعة قتلى، ستة في درعا وواحد في السويداء. وأفاد الدفاع المدني بأن خمسة من القتلى، رجلًا وامرأة وثلاثة أطفال، من عائلة واحدة أصابت غارةٌ خيمتَها في قرية الطف بمنطقة اللجاة.

بي بي سي: عنوانان مختلفان لخدمتين

اللافت في تغطية هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) هو الفرق في زاوية العنوان بين خدمتها الإنجليزية وخدمتها العربية.

فالخدمة الإنجليزية قدّمت في عنوانها رواية الجيش الأردني، أي أن “إرهابيين” قُتلوا في سوريا ضمن ضربة انتقامية، مع وضع الكلمة بين علامتي تنصيص. ثم نقلت في متن الخبر عن مسؤولي الصحة السوريين مقتل خمسة أشخاص بينهم نساء وأطفال ورجل مسن، ونبّهت إلى أن الأردن لم يقدّم تفاصيل إضافية عن هوية القتلى من “الإرهابيين“. كما عرضت الروايتين بشأن التنسيق جنبًا إلى جنب.

أما بي بي سي عربي فقدّمت في عنوانها رواية دمشق عن سقوط “ضحايا مدنيين”، وفصّلت الأرقام نقلًا عن وكالة سانا: ثلاثة أطفال وامرأة وثلاثة رجال بينهم مسن، إضافة إلى ثلاثة جرحى بينهم طفل. ونقلت أسف وزارة الخارجية السورية على الضحايا، ووضعت عبارتي “تنظيمات إرهابية” و”انتقامًا” بين علامتي تنصيص، وأرفقت بالخبر مادة خلفية عن أبرز الهجمات التي شهدها الأردن.

الغارديان: “مسلّحون” لا “إرهابيون”

An Israeli Soldier looks over the Syrian and Jordian — NARA and DVIDS Public Domain Archives

اختارت صحيفة الغارديان في عنوانها كلمة “مسلّحين” (militants) لوصف المستهدفين، وربطت الضربات صراحة بالانتقام لهجوم الكنيسة. ولاحظت الصحيفة أن بيان الجيش الأردني لم يحدد أسماء الجماعات المستهدفة ولا مواقعها بدقة، ونقلت عن الإعلام الرسمي السوري مقتل خمسة مدنيين على الأقل بينهم نساء وأطفال ورجل في الخامسة والستين، وتوقفت عند إغلاق معبر نصيب.

رويترز: الرابط الأمني أولًا

ركّزت وكالة رويترز، التي تتخذ من لندن مقرًا، في عنوانها على أن الأردن نفّذ الضربات بعد أن ربط منفذي هجوم الكنيسة بـ”جماعات إرهابية” في جنوب سوريا، أي أنها قدّمت المبرر الأمني الأردني مفتاحًا للقصة، مع الإشارة إلى الرواية السورية المناقضة.

سكاي نيوز والصحف المحلية: الكنيسة في الواجهة

في تغطية سكاي نيوز التي رصدناها، كان هجوم الكنيسة نفسه هو محور الاهتمام: تفاصيل إطلاق النار على الجنازة، ووعيد الملك بالرد الحازم، والتذكير بأن مثل هذه الهجمات نادرة جدًا في الأردن، وبهجوم قلعة الكرك عام 2016. ونشرت صحف ومواقع بريطانية أخرى تقارير وكالة أسوشيتد برس عن الهجوم بالتفاصيل نفسها.

العربي الجديد بالإنجليزية: سياق سوريا ما بعد الأسد

أما موقع The New Arab، الذي يصدر من لندن، فنقل عن سانا مقتل ثمانية مدنيين بينهم نساء وأطفال، وأبرز نفي دمشق للتنسيق، وصنّف الخبر ضمن ملف “سوريا ما بعد الأسد”. كما أشار إلى زيارة الملك للجرحى ببزّته العسكرية وسلاحه الشخصي على خصره، في تفصيل يعكس أجواء الرد.

كيف قرأ الإعلام البريطاني الحدث؟

Jordan Armed Forces soldiers from the 10th Border Guard — NARA and DVIDS Public Domain Archives

من مجمل التغطيات التي راجعناها حتى صباح الثلاثاء، يمكن رصد خمس ملاحظات:

  1. مسافة لغوية من الرواية الرسمية: وُضعت كلمة “إرهابيين” بين علامتي تنصيص في أغلب العناوين، أو استُبدلت بكلمة “مسلّحين”، وهي ممارسة تحريرية معتادة في الإعلام البريطاني حين لا يمكن التحقق من وصف تطلقه جهة رسمية.
  2. أرقام الضحايا منسوبة لا مؤكَّدة: نُقلت كل الأرقام عن مصادر سورية رسمية (سانا، مديرية صحة درعا، الدفاع المدني)، دون تحقق مستقل، مع تذبذب واضح في الحصيلة بين خمسة وثمانية.
  3. إطار “الانتقام” هو المدخل: قدّمت معظم العناوين الضربات باعتبارها ردًا على هجوم الكنيسة، فجاء الحدث امتدادًا لقصة الكرك أكثر منه قصة قائمة بذاتها عن ضحايا في درعا.
  4. البعد الدبلوماسي حاضر بقوة: الخلاف بين عمّان ودمشق حول التنسيق، وإغلاق معبر نصيب بوصفه المنفذ البري الوحيد للمسافرين والتجارة بين البلدين، كانا من أبرز عناصر التغطية.
  5. الجانب الإنساني أقل حضورًا: قصة العائلة التي قُتلت داخل خيمتها، وهوية الأطفال الضحايا، جاءت أساسًا عبر منابر عربية مثل تلفزيون سوريا والجزيرة، بينما بقيت أقل حضورًا في التغطية البريطانية بالإنجليزية. كما لم نرصد حتى الآن أسئلة جدية حول قواعد القانون الدولي الإنساني، أو تعليقاً من منظمات حقوقية.

ليست المرة الأولى

تأتي هذه الضربات في سياق سلسلة غارات أردنية سابقة في الجنوب السوري، ارتبطت في معظمها بمكافحة تهريب المخدرات والسلاح. ففي يناير/كانون الثاني 2024، قُتل نحو عشرة أشخاص بينهم نساء وأطفال في غارات نُسبت إلى الأردن على بلدة عرمان في ريف السويداء، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان ومقره بريطانيا.


 

اترك تعليقا

↑