العرب في بريطانيا | الشباب وصعود اليمين: هل بدأت الموجة تنعكس من صر...

تحليل: من بلغراد إلى ساو باولو.. هل بدأ الشباب في قلب الموجة اليمينية؟

تحليل: من بلغراد إلى ساو باولو.. هل بدأ الشباب في قلب الموجة اليمينية؟

تحليل: من بلغراد إلى ساو باولو.. هل بدأ الشباب في قلب الموجة اليمينية؟

استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

في مساء الأحد 25 أكتوبر/تشرين الأول، جاءت نتيجتان انتخابيتان من بلدين تفصل بينهما قارات وتجارب سياسية شديدة الاختلاف.

في صربيا، أنهت حركة بدأت باحتجاجات طلابية هيمنة ألكسندر فوتشيتش وحزبه على السلطة، بعدما تحولت خلال عامين من الجامعات والشوارع إلى قائمة انتخابية حصلت، وفق أحدث بيانات لجنة الانتخابات، على 52.65 في المئة من الأصوات. وبلغت المشاركة 68.78 في المئة، وهي الأعلى منذ تفكك يوغوسلافيا.

وفي البرازيل، فعل الشباب شيئًا مختلفًا. لم يقدموا مرشحًا من جيلهم، بل لعبوا دورًا بارزًا في موجة التعبئة التي أعادت الزخم إلى حملة الرئيس لولا دا سيلفا، البالغ من العمر 80 عامًا، بعد تأخره أمام فلافيو بولسونارو في الجولة الأولى. وفي جولة الإعادة قلب لولا النتيجة، وفاز بـ51.79 في المئة مقابل 48.21 في المئة، وفق النتيجة الرسمية، محولًا تأخره بأكثر من مليوني صوت إلى تقدم بنحو 4.4 ملايين صوت.

النتيجتان لا تعنيان أن جيلًا كاملًا انتقل فجأة إلى اليسار، ولا أن موجة صعود اليمين التي ظهرت خلال الأعوام الأخيرة قد انتهت.

لكن اجتماعهما في يوم واحد يطرح سؤالًا مختلفًا: هل بدأ الشباب، بعدما ظهروا في السنوات الأخيرة ضمن روايات صعود الشعبوية واليمين، في التحول أيضًا إلى قوة قادرة على تعطيل هذا الصعود حين يجدون قضية وتنظيمًا يدفعانهم إلى المشاركة؟

صربيا.. من غضب الشارع إلى صندوق الاقتراع

صورة توضيحية (AI)

بدأت القصة الصربية بعيدًا عن الانتخابات.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أدى انهيار مظلة خرسانية في محطة قطارات نوفي ساد إلى مقتل 16 شخصًا. وتحولت المطالبة بكشف المسؤولية عن الحادث سريعًا إلى احتجاج أوسع على الفساد وغياب المحاسبة وطريقة إدارة الدولة.

قاد الطلاب الحركة، وأغلقوا الجامعات ونظموا مسيرات واعتصامات امتدت إلى مدن وبلدات خارج المراكز الكبرى، قبل أن تتحول الاحتجاجات إلى أكبر تحدٍّ يواجه منظومة فوتشيتش منذ وصوله إلى السلطة.

الجديد لم يكن فقط قدرة الطلاب على الاحتجاج لفترة طويلة، بل قرارهم في النهاية الانتقال من الضغط على النظام إلى منافسته.

أنشأت الحركة «قائمة الطلاب»، وقدمت 250 مرشحًا لشغل مقاعد البرلمان الـ250، وضمت القائمة أكاديميين ورياضيين ومزارعين وشخصيات من خارج النخبة الحزبية التقليدية. وقبل الاقتراع بأيام، تجمع نحو 150 ألف شخص في بلغراد في آخر التجمعات الكبرى للحركة، بحسب الغارديان.

وفي يوم الانتخابات ظهرت طوابير طويلة أمام مراكز الاقتراع، وانتهى الأمر بأعلى نسبة مشاركة تشهدها البلاد منذ 1992.

وهنا تكمن خصوصية التجربة الصربية: الشباب لم يساعدوا المعارضة على الفوز؛ بل بنوا الحركة التي تحولت هي نفسها إلى المعارضة الرئيسية ثم إلى القوة الأكبر في صناديق الاقتراع.

ساو باولو.. عندما أعاد الشباب الحياة إلى حملة رجل في الثمانين

صورة توضيحية (AI)

في البرازيل كانت الصورة معكوسة تقريبًا.

دخل لولا جولة الإعادة وهو الذي يحتاج إلى تغيير اتجاه السباق. فقد تصدر فلافيو بولسونارو الجولة الأولى بـ47.03 في المئة، مقابل 45.16 في المئة للرئيس، بحسب المحكمة الانتخابية.

ولم تكن بداية الجولة الثانية سهلة. ففي أول استطلاع لـDatafolha بعدها، تقدم فلافيو عدديًا على لولا، فيما بدا أن حملة الرئيس بحاجة إلى استعادة المبادرة.

لكن شيئًا آخر كان يحدث خارج المقرات الانتخابية.

بدأت مجموعات من الطلاب والشباب تنظيم تحركات في الشارع وعلى المنصات الرقمية، قبل أن تستوعب حملة لولا جزءًا من هذه الموجة وتعمل معها. وذكرت فوليا أن جانبًا مهمًا من المبادرات التي ظهرت بعد الجولة الأولى جاء من خارج البنية التقليدية للحملة، مع حضور واضح للشباب والطلاب.

وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول، تحولت «مسيرة من أجل الديمقراطية»، التي دعت إليها مجموعات طلابية إلى جانب حركات اجتماعية وقوى سياسية، إلى أحد أكبر مشاهد الجولة الثانية. وامتدت الحشود عبر أجزاء واسعة من أفينيدا باوليستا في ساو باولو، فيما شهدت 76 مدينة تحركات متزامنة، ووجه لولا جانبًا كبيرًا من خطابه يومها مباشرة إلى الشباب.

واستمرت التحركات في الأسابيع التالية، من برازيليا إلى جامعات ساو باولو، وشاركت فيها اتحادات طلابية وطنية ومحلية، قبل أن تعود باوليستا في الأيام الأخيرة إلى مركز للتعبئة الانتخابية.

ماذا حدث بين الشباب؟

الشارع وحده لا يخبرنا كيف صوّت الناس، لكن استطلاعات الرأي تعطينا مؤشرًا مهمًا.

ففي بداية الجولة الثانية، أظهر Datafolha تقدم فلافيو بين الناخبين من 16 إلى 24 عامًا بـ50 في المئة مقابل 43 للولا. وخلال الأسابيع التالية تغيرت الصورة، حتى أصبح لولا متقدمًا بين الشباب في استطلاعات لاحقة، مع بقاء هامش الخطأ داخل هذه الفئة مرتفعًا.

وكانت الفئة نفسها أكثر سيولة من غيرها خلال الحملة. فقبل الجولة الأولى مباشرة، قال 32 في المئة من الناخبين بين 16 و24 عامًا الذين حددوا اختيارهم إنهم ما زالوا قادرين على تغييره، وهي نسبة أعلى بوضوح من المتوسط العام، بحسب Datafolha.

واللافت كذلك هو سبب التصويت. ففي استطلاع آخر، قال 20 في المئة من الشباب المؤيدين للولا إن القيم والأيديولوجيا والديمقراطية تدخل في دوافع اختيارهم، بينما ركز جزء أكبر من ناخبيه عمومًا على الحماية الاجتماعية.

ولا يكفي ذلك للقول إن الشباب وحدهم منحوا لولا الفوز. فقد استفاد أيضًا من ناخبي الشمال الشرقي والفئات الأقل دخلًا والنساء، ومن انخفاض الامتناع عن التصويت وتحسن أدائه في مناطق وشرائح أخرى.

لكن من الصعب فصل تحسن موقعه خلال الجولة الثانية عن التعبئة الشبابية التي نقلت جزءًا من الحملة من حالة الدفاع بعد الجولة الأولى إلى الشارع والمنصات الرقمية.

ليست عودة بسيطة إلى اليسار

هنا تظهر المشكلة في قراءة النتيجتين باعتبارهما «انتفاضة يسارية شبابية».

الحركة الصربية ليست حزبًا يساريًا بالمعنى التقليدي أصلًا. فقد بنت جاذبيتها أساسًا حول الفساد وسيادة القانون والمحاسبة وتغيير نظام سياسي ترسخ على مدى أكثر من عقد، وتجنبت لفترة طويلة الانقسام حول ملفات مثل كوسوفو والعلاقة مع روسيا والاتحاد الأوروبي.

أما في البرازيل، فالشباب الذين تحركوا خلف لولا لم يكونوا ينتخبون وجهًا جديدًا، بل رئيسًا حكم البلاد للمرة الأولى قبل أكثر من عشرين عامًا.

ما يجمع الحالتين، إذن، ليس اليسار ولا العمر.

إنه الشعور بأن نتيجة سياسية بعينها تستحق الخروج من حالة المتفرج إلى المشاركة.

في صربيا، كان الهدف إنهاء نظام ربط الطلاب بينه وبين الفساد وغياب المحاسبة. وفي البرازيل، كان جانب من التعبئة موجهًا إلى منع عودة عائلة بولسونارو إلى الرئاسة، في سباق أصبح أيضًا جزءًا من مواجهة أوسع حول الديمقراطية والسيادة وعلاقة البلاد بإدارة ترامب.

وماذا عن ترامب؟

قاضٍ يُلزم ترامب بالإجابة عن أسئلة محامي BBC تحت القسم قبل 11 ديسمبر
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب

تضيف البرازيل بعدًا آخر إلى النتيجة. فقد احتفظت عائلة فلافيو بولسونارو احتفظت بعلاقة وثيقة بإدارته. وكشف تحقيق لـرويترز عن جهود قادها مسؤولون في وزارة الخارجية الأمريكية لإعادة العائلة إلى السلطة، قبل أن يتحول الدعم إلى فلافيو بعد تعذر عودة والده، إلى جانب الدفع نحو إجراءات أمريكية استهدفت حكومة لولا ومؤسسات برازيلية.

لكن ذلك لا يحول انتخابات البرازيل إلى استفتاء على ترامب، مثلما لا تجعل نتيجة صربيا ناخبيها جزءًا من موجة يسارية عالمية.

الدرس الأهم ربما هو أن الشبكات الدولية والدعم الخارجي والاتجاهات الإقليمية لا تلغي قدرة التعبئة المحلية على تغيير المسار.

ومن لندن.. لماذا تُراقَب هذه النتائج؟

لا تبدو بلغراد وساو باولو بعيدتين تمامًا عن النقاش السياسي البريطاني.

ففي اليوم نفسه الذي جرت فيه الانتخابات، وضعت الغارديان استحقاقي صربيا والبرازيل ضمن سلسلة انتخابات رأت فيها اختبارًا أوسع لمسار التراجع الديمقراطي وقدرة القوى المناوئة له على استعادة المبادرة.

وتكتسب هذه القراءة معنى إضافيًا في الداخل البريطاني. فبعد فترة بدا فيها صعود Reform UK جزءًا من موجة يمينية أوسع، بدأت استطلاعات الخريف ترسم مسارًا أقل خطية؛ إذ وضع أحدث استطلاع لـIpsos حزب العمال عند 32 في المئة، والمحافظين عند 24 في المئة، وReform UK عند 20 في المئة.

وبين ناخبي الجيل Z، يتقدم الخضر على Labour بـ33 مقابل 28 في المئة، فيما تشير Ipsos إلى أن الشباب ما زالوا أكثر استعدادًا للنظر إلى أحزاب اليسار من أحزاب اليمين.

وهذا لا يعني أن المسار الصربي أو البرازيلي سيتكرر في بريطانيا. لكنه يجعل السؤال نفسه أكثر صلة بها: هل القوى التي استفاد منها اليمين الشعبوي — الغضب من الأحزاب التقليدية، وضعف الولاءات الحزبية، والتعبئة الرقمية للناخبين الأصغر سنًا — تظل حكرًا عليه، أم يمكن لمنافسيه استخدام الأدوات نفسها؟

جيل لا يمكن وضعه في خانة واحدة

صورة توضيحية (AI)

خلال السنوات الأخيرة، أصبح الحديث عن تحول قطاعات من الشباب نحو اليمين جزءًا من تفسير صعود الشعبوية في دول كثيرة.

والحالتان الصربية والبرازيلية لا تنفيان وجود هذا الاتجاه، لكنهما تضعان حدًا للمبالغة فيه. فالشباب ليسوا كتلة أيديولوجية واحدة، لكنهم أيضًا ليسوا كتلة بلا اتجاه؛ إذ ما زالت قطاعات واسعة منهم في ديمقراطيات عديدة تميل إحصائيًا أكثر من الفئات الأكبر سنًا إلى اليسار أو إلى مواقف اجتماعية وسياسية أكثر تقدمية.

ما يبدو أكثر سيولة هو الولاء الحزبي والاختيار الانتخابي. فالناخب الأصغر سنًا أقل ارتباطًا في كثير من الأحيان بالأحزاب التقليدية، وأكثر استعدادًا للانتقال بين قوى مختلفة، بما فيها قوى جديدة على اليمين واليسار.

ومن هنا تأتي أهمية الحالتين. ففي صربيا لم يكن الميل إلى التغيير كافيًا حتى تحول الاحتجاج الطلابي إلى شبكة وطنية ثم قائمة انتخابية. وفي البرازيل لم يكن وجود قاعدة شبابية قابلة للتصويت لليسار كافيًا بدوره؛ إذ احتاجت حملة لولا إلى إعادة تعبئتها بعد الجولة الأولى.

وفي الحالتين لم يكن العامل الحاسم مجرد وجود الشباب، وإنما قدرة التنظيم السياسي على تحويل استعداد موجود إلى مشاركة فعلية.

هل بدأت الموجة تنعكس؟

سيكون من المبكر إعلان نهاية صعود اليمين.

فاليمين ما زال قويًا في البرازيل نفسها؛ فاز فلافيو بولسونارو بأكثر من 48 في المئة من أصوات الجولة الثانية، فيما خرجت الانتخابات بكونغرس أكثر محافظة. وفي صربيا أيضًا، سيكون على حركة قامت حول إسقاط نظام قائم أن تثبت قدرتها على الحكم، وأن تتحول من اتفاق على ما ترفضه إلى برنامج لما تريد فعله.

وفي بريطانيا، لا يعني تراجع حزب ريفورم اليميني في استطلاع أو اثنين اختفاء قاعدته أو القضايا التي غذت صعوده.

لكن نتيجتي الأحد تضيفان شيئًا مهمًا إلى الصورة.

الموجة السياسية ليست طريقًا في اتجاه واحد.

فإذا كان اليمين قد نجح في السنوات الأخيرة في استثمار الغضب من الأحزاب والمؤسسات التقليدية، فإن صربيا تظهر أن حركة طلابية تستطيع استخدام الغضب نفسه ضد حكومة يمينية راسخة. والبرازيل تظهر أن تعبئة شبابية واسعة تستطيع منح حياة جديدة لحملة يسارية بدت في بداية الجولة الثانية أقرب إلى الدفاع منها إلى الهجوم.

لهذا ربما لا تكون قصة بلغراد وساو باولو أن الشباب انتقلوا إلى اليسار؛ فهم، في قطاعات واسعة منهم، كانوا أصلًا أكثر ميلًا إلى المواقف التقدمية من الأجيال الأكبر سنًا.

الأقرب أن القصتين تكشفان أن صعود اليمين بين الشباب لم يكن تحولًا نهائيًا أو شاملًا، وأن السيولة الأكبر قد تكون في كيفية ترجمة ميولهم إلى اختيار حزبي ومشاركة انتخابية. وفي هذا المستوى تحديدًا، يصبح التنظيم مهمًا: ليس لأنه يصنع اتجاه الشباب من الصفر، بل لأنه قد ينجح — أو يفشل — في تحويل ميول وغضب موجودين أصلًا إلى قوة سياسية داخل صندوق الاقتراع.

اترك تعليقا

↑