في دمعة الأم شيءٌ من الصبر… كم نزفت غزّة أطفالها، وكم كان مقدار صبرها؟
في دمعة الأم شيءٌ من الصبر… كم نزفت غزّة أطفالها، وكم كان مقدار صبرها؟
في دمعة الأم شيءٌ من الصبر، وفي انكسار صوتها حكايةُ عمرٍ لم يعد كما كان، وفي عينيها حين تبحثان بين الوجوه عن وجهٍ صغير، سرٌّ لا يعرفه إلا مَن جرّب أن يخاف على قطعةٍ من روحه أكثر مما يخاف على روحه نفسها.
فكم نزفت غزّة أطفالها؟ وكم مرّةً احتضنت أمٌّ جسدَ صغيرها، وهي تحاول أن تُقنع قلبها بأنّ ما بين ذراعيها ليس حلمًا عابرًا، وأنّ هذا الوجه الذي طالما قبّلته قبل النوم لن يفتح عينيه بعد قليل، وأنّ تلك اليد التي كانت تتعلّق بثوبها لن تمتدّ إليها طالبةً الماء أو الطعام أو الحنان؟
كم أمًّا في غزّة حفظت ملامح أطفالها في ذاكرتها، بعدما لم يعد في وسعها أن تحفظهم من الموت؟ وكم واحدةً منهنّ صارت تُحصي أبناءها بالصبر، بعدما كانت تُحصيهم بالضحكات والخطوات الصغيرة، وتطمئنّ إلى أصواتهم حين يملؤون البيت شغبًا وحياة؟
حين تبكي الأمّ مستقبل طفلها

في غزّة، لا تبكي الأمّ طفلها فحسب؛ إنّها تبكي العالم الذي كان ينبغي أن يكبر فيه، والمدرسة التي كان يجب أن يحمل حقيبته إليها، والأحلام التي كانت تُخبّئها له في قلبها، والثياب التي اشترتها لمناسبةٍ قادمة، والأسماء التي كانت تتخيّل أنّ الناس سينادونه بها حين يكبر ويصبح رجلًا، أو حين تصير طفلتها شابّةً تملأ البيت ضحكًا وتُضيء زواياه.
تبكي عيد ميلاده القادم، وخطواته الأولى التي ما زالت تسمع صداها في أذنيها، ونداءه الذي كان يخرج من آخر البيت: أمّي!
تبكي تفاصيل صغيرةً لا يلتفت إليها أحد، لكنها في قلب الأمّ كانت عالمًا كاملًا؛ كوب الماء الذي كان يطلبه، وخصلة الشعر التي كانت تُبعدها عن عينيه، وغطاء النوم الذي كانت تُعيده فوق جسده كلّما انكشف في الليل.
ثمّ يأتي الصباح، ولا يأتي الطفل، وتبقى الأمّ.
يا لثقل هذه الكلمة حين تُقال في غزّة! تبقى الأمّ، كأنّ البقاء نفسه صار امتحانًا، وكأنّ الله أبقاها لتشهد من الوجع ما لا تتّسع له الجبال.
تفتح عينيها على غيابٍ لا يمكن إغلاقه، وتنهض من بين الركام، إن استطاعت النهوض، لتبحث عن بقية أبنائها، أو عن مكانٍ تأوي إليه بمن بقي منهم، أو عن شيءٍ يُشبه الحياة في مدينةٍ يحاول الموت أن يستولي على كلّ شيءٍ فيها.
صبرٌ لا تقيسه الأرقام

وليس الصبر ألّا تبكي الأمّ، كما يظنّ بعضهم، ولا أن تمرّ يدها على وجه طفلها الراحل دون أن ترتجف، ولا أن تقف أمام الفقد ثابتةً كأنّ قلبها لم ينكسر؛ الصبر أن تبكي حتى تجفّ الدموع، ثمّ تجد في أعماقها ما يدفعها إلى احتضان طفلٍ آخر نجا من القصف، وأن ترتجف وهي تُعدّ له لقمةً من طعام، وأن تخفي عنه خوفها ما استطاعت، لا لأنّها لم تعد تخاف، بل لأنّها تعرف أنّه ما زال يحتاج إلى أمّه.
الصبر أن يضيق صدرها من شدّة الوجع، ثمّ ترفع يديها إلى السماء، لأنّها لا تجد ملجأً لقلبها إلا عند الله.
وكم كان مقدار صبر أمّهات غزّة؟
أيُقاس الصبر بعدد الشهداء؟ أم بعدد المرّات التي ودّعت فيها الأمّ أبناءها؟ أم بعدد الليالي التي قضتها وهي تُصغي إلى أصوات القصف، وتضمّ أطفالها إلى صدرها، كأنّ ذراعيها قادرتان على أن تصيرا جدارًا في وجه الصواريخ؟ أم يُقاس بعدد الأسماء التي نطقتها وهي تبحث بين الجثامين، وبعدد المرّات التي اضطرت فيها إلى أن تكون قويّةً، مع أنّها كانت في أمسّ الحاجة إلى مَن يسند رأسها ويقول لها: ابكي، فقد أتعبكِ كلّ هذا العالم؟
لا أظنّ أنّ للصبر في غزّة مقياسًا تعرفه لغات البشر؛ هناك أوجاعٌ أكبر من الأرقام، ودموعٌ لا تستطيع التقارير أن تحصيها، وقلوبٌ تجاوزت حدود الاحتمال، لأنّها خُلقت من لحمٍ ودم، ولأنّ أصحابها بشرٌ لهم الحقّ في الحياة، وفي الأمان، وفي أن يشيّعوا أبناءهم إلى المستقبل، لا إلى القبور.
ومع ذلك، فإنّ في دمعة الأمّ الغزّية شيئًا يعجز العالم عن فهمه؛ إنّها ليست دمعة استسلام، وليست علامةً على أنّ الوجع هزمها؛ إنّها شهادةٌ على أنّ قلبها ما زال ينبض، وأنّ الحبّ الذي حملته لأطفالها أكبر من أن يمحوه الموت. قد يسلب القصف منها بيتها، وقد ينتزع منها فلذة كبدها، وقد يتركها بين جدرانٍ مهدّمة وذكرياتٍ لا تجد مكانًا آمنًا لتنام فيه، لكنّه لا يستطيع أن يجعل طفلها غريبًا عنها، ولا أن يمحو السنوات التي عاشها في حضنها، ولا أن ينتزع منها أمومتها.
إنّها ستظلّ أمّه، حتى لو غاب صوته، وحتى لو صار اسمه خبرًا في نشرة، وصورته شاهدًا على جريمة، وحتى لو عجزت عن أن تجد قبرًا تزوره، أو حجرًا تضع عليه وردةً وتقول له ما لم تستطع قوله في وداعه.
ستظلّ تُحدّثه في سرّها، وتستعيد ضحكته في وحدتها، وربّما تلتفت أحيانًا حين تسمع صوتًا يشبه صوته، ثمّ تتذكّر، فيعود الوجع طازجًا كأنّ الفقد وقع للتوّ؛ فبعض الغياب لا تعتاد عليه الروح، وبعض الأسماء لا تصبح من الماضي مهما مرّت السنوات.
مَن يطالب القاتل بالتوقّف؟
لكنّ السؤال الذي ينبغي أن يؤرّق ضمير العالم: كيف استطاع العالم أن يشاهد كلّ هذا الفقد، ثمّ يتابع يومه كأنّ شيئًا لم يحدث؟ كيف صارت دموع الأمهات مشهدًا مألوفًا، وصارت أكفان الأطفال صورًا تتكرّر حتى كاد بعض الناس يفقدون قدرتهم على الارتجاف أمامها؟ متى أصبح على الأمّ أن تثبت للعالم أنّ طفلها يستحقّ الحياة، وأنّ قلبها يستحقّ ألّا يُمزّق، وأنّ بيتها ليس هدفًا مشروعًا لآلة الموت؟
أيُّ عالمٍ هذا الذي يطالب الأمّ بالصبر، ولا يطالب القاتل بالتوقّف؟ وأيُّ ضميرٍ هذا الذي يُعجب بثبات النساء في وجه الفاجعة، ثمّ ينسى أنّ البطولة الحقيقية كانت ستكون في ألّا يُدفَعْنَ إلى هذا الامتحان أصلًا؟
ليس من العدل أن نمدح صبر أمّهات غزّة ثمّ نغفل عن حقّهنّ في ألّا يُجبَرن على الصبر، وليس من الإنصاف أن نحوّل دموعهنّ إلى حكاياتٍ مؤثّرة، بينما يظلّ السؤال عن المسؤولية والمحاسبة معلّقًا في الهواء.
فالأمّ لا تحتاج إلى كلماتٍ جميلةٍ فحسب؛ تحتاج إلى أن يبقى أطفالها أحياء، وأن تنام دون أن تخشى أن تستيقظ فلا تجدهم، وأن تودّعهم عند أبواب المدارس، لا عند أبواب المستشفيات.
غزّة لا تحتاج إلى مَن يُحصي دموعها فقط، وإنما إلى مَن يرى في كلّ دمعةٍ منها حقًّا مسلوبًا، وفي كلّ طفلٍ فقدته مستقبلًا كان ينبغي أن يُصان، وفي كلّ أمٍّ مكلومةٍ إنسانًا لا يجوز أن يُترك وحيدًا في مواجهة هذا القدر من الألم.
وإذا كانت دمعة الأمّ تحمل شيئًا من الصبر، فإنّها تحمل أيضًا شيئًا من العتاب، وشيئًا من الدعاء، وشيئًا من الأسئلة التي لا تنام؛ تحمل عتابًا لعالمٍ تأخّر كثيرًا، ودعاءً لا ينقطع بأن يحفظ الله مَن بقي من أطفالها، وألّا يمسّها ضررٌ بهم.
صبرها ليس إذنًا باستمرار المأساة
فكم نزفت غزّة أطفالها؟
نزفتهم حتى صار لكلّ بيتٍ حكاية، ولكلّ أمٍّ اسمٌ تناديه في غيابه، ولكلّ وسادةٍ فارغةٍ وجعٌ لا يراه أحد. نزفتهم حتى غدا حضن الأمّ أحيانًا آخر ما يملكه الطفل من العالم، وغدت قبلة الوداع أثقل من أن تحتملها الشفاه.
وكم كان مقدار صبرها؟
كان صبرًا لا يُقاس، ووجعًا لا يُختصر، وإيمانًا يحاول أن يجد في الركام نافذةً إلى السماء. لكنّ صبرها، مهما عظم، ليس إذنًا باستمرار المأساة، ودمعتها، مهما بدت هادئة، ليست دليلًا على أنّ قلبها لم يعد يتألّم.
إنّها أمّ، والأمّ لا تُصبح أقلّ أمومةً لأنّها فقدت أبناءها، ولا أقلّ وجعًا لأنّها تماسكت، ولا أقلّ حاجةً إلى الرحمة لأنّها رفعت رأسها بعد كلّ انكسار.
وفي غزّة، حيث تختلط رائحة التراب برائحة البارود، وحيث تبحث الأمهات عن أبنائهنّ في الوجوه والأسماء والذكريات، ستظلّ هناك حقيقةٌ واحدةٌ لا ينبغي أن ننساها: خلف كلّ طفلٍ شهيدٍ أمٌّ كان لها معه عمرٌ كامل، وخلف كلّ أمٍّ دامعةٍ حكايةٌ لا تكفيها المقالات، ولا تختصرها الصور، ولا تُنصفها الدموع.
سلامٌ على أمّهات غزّة، على مَن دفنّ أبناءهنّ بأيديهنّ، وعلى مَن ما زلن ينتظرن عودتهم، وعلى مَن يخفين وجعهنّ كي لا يخاف الأطفال الذين بقوا.
سلامٌ على قلوبهنّ التي لم تطلب من الدنيا سوى أن يكبر صغارها بأمان.
ولعلّ أكثر ما يوجع في دمعة الأمّ أنّها، مهما حاولت أن تتماسك، تظلّ تحمل في أعماقها سؤالًا صغيرًا بحجم طفلها، كبيرًا بحجم الكون:
يا ربّ، لماذا سبقني إليك صغيري، وكان كلّ ما أريده أن أراه يكبر أمام عيني؟
الرابط المختصر هنا ⬇


