العرب في بريطانيا | كيف قرأ الإعلام البريطاني تصاعد الاحتجاجات في ف...

كيف قرأ الإعلام البريطاني تصاعد وتيرة الاحتجاجات في فرنسا؟

كيف قرأ الإعلام البريطاني تصاعد وتيرة الاحتجاجات في فرنسا؟

كيف قرأ الإعلام البريطاني تصاعد وتيرة الاحتجاجات في فرنسا؟

محمد سعد أكتوبر 18, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

لم تختلف وسائل الإعلام البريطانية على أن فرنسا شهدت يومًا استثنائيًا من الاحتجاجات، لكنها اختلفت بوضوح في تحديد القصة التي تقف خلف الصور القادمة من باريس وليون ومرسيليا.

فبينما تصدرت الحرائق والنهب والاشتباكات عناوين بعض الصحف، عادت تغطيات أخرى إلى المدارس التي بدأت منها الحركة، وسألت عن نقص المعلمين وتدهور المباني واتساع الفجوة بين الطلاب. وفي زاوية ثالثة، ظهرت الاحتجاجات بوصفها فصلًا من أزمة مالية وضعت فرنسا بين مطالب الشارع وضغوط أسواق الديون.

وشارك ما لا يقل عن 550 ألف شخص، وفق تقديرات وزارة الداخلية الفرنسية، في احتجاجات السبت، في حين رفع المنظمون التقدير إلى نحو 800 ألف. وظلت غالبية المسيرات سلمية، لكن مواجهات وأعمال حرق ونهب اندلعت في عدد من المدن، وانتهى اليوم باعتقال نحو 400 شخص.

بدأت الحركة في سبتمبر/أيلول من مدارس ثانوية تعاني نقص المعلمين وتكدس الفصول وتردي المرافق، قبل أن تنضم إليها نقابات وموظفون ومزارعون وأعضاء سابقون في حركة «السترات الصفراء»، وتتسع مطالبها لتشمل غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الوقود وتراجع الخدمات العامة.

وعكست التغطية البريطانية هذا الاتساع، لكنها كشفت أيضًا اختلافًا جوهريًا في نقطة البداية: هل تبدأ قصة فرنسا من الفصل الدراسي الذي يفتقر إلى المقاعد، أم من السيارة المحترقة في أحد شوارع باريس؟

«الغارديان»: حركة طبقية وجيل يشعر بأن الدولة تخلت عنه

وضعت صحيفة «الغارديان» أزمة التعليم في قلب تفسيرها للاحتجاجات. واختارت لعددها الأسبوعي عنوانًا ذا دلالة هو «تحرك فرنسا الطبقي»، وقدمت الحركة باعتبارها انفجارًا لغضب شباب يشعرون بأن الدولة تركتهم داخل مدارس متداعية ونظام تعليمي يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي.

وقالت الصحيفة إن الاحتجاجات بدأت من إحدى ضواحي باريس بسبب سوء أوضاع المدارس، ثم انتشرت مع حديث الطلاب عن نقص المعلمين والمباني المتهالكة وضعف الاستثمار وعدم المساواة بين المناطق.

الاحتجاجات بدأت من إحدى ضواحي باريس بسبب سوء أوضاع المدارس| صورة توضيحية (AI)

وفي مقال رأي، ركزت الصحيفة على تعامل الشرطة مع الطلاب، معتبرة أن السلطات تعاملت مع أطفال المدارس كما لو كانوا «أعداء يجب سحقهم». واستعرض المقال الإصابات الخطرة الناجمة عن استخدام القنابل الصوتية والرصاص المطاطي، إلى جانب احتجاز آلاف المتظاهرين، ومعظمهم من القاصرين.

ولم تغفل تغطية «الغارديان» العنف الذي رافق بعض التحركات، لكنها لم تتعامل معه بوصفه التفسير الكامل للحركة. فقد ظل السؤال الأبرز لديها متعلقًا بالأسباب التي دفعت طلابًا في الخامسة عشرة والسادسة عشرة إلى الشوارع، وبما إذا كانت الاستجابة الأمنية قد وسعت الاحتجاج بدل احتوائه.

كما نقلت الصحيفة القضية مباشرة إلى بريطانيا عندما كشفت أن الشرطة الفرنسية استخدمت مركبات دفع رباعي موّلتها الحكومة البريطانية لملاحقة طلاب خلال احتجاج في دونكيرك.

وكانت المركبات قد مُولت ضمن اتفاق لمكافحة عبور قوارب الهجرة في القنال الإنجليزي، لكن إحداها ظهرت وهي تندفع وسط الطلاب، ما أدى إلى إصابة فتاة تبلغ أربعة عشر عامًا وفتح تحقيق فرنسي في الواقعة.

وبذلك ربطت «الغارديان» بين عسكرة مراقبة الحدود واتساع استخدام أدواتها في ضبط الاحتجاجات الداخلية، وجعلت الدور البريطاني جزءًا من القصة بدل إبقاء الأزمة على الجانب الآخر من القنال.

«فايننشال تايمز»: فرنسا بين سوق السندات والمتاريس

قدمت صحيفة «فايننشال تايمز» قراءة اقتصادية مختلفة تحت عنوان «فرنسا بين سوق السندات والمتاريس».

فالمحتجون يطالبون بزيادة الإنفاق على المدارس والخدمات والأجور، في حين يضغط المستثمرون في الاتجاه المعاكس، مع اقتراب الدين العام الفرنسي من 120 في المئة من الناتج المحلي وارتفاع تكلفة الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ نحو ربع قرن.

وفي هذه القراءة، لا تواجه الحكومة احتجاجًا اجتماعيًا منفصلًا عن الاقتصاد، بل مأزقًا لا يتيح لها شراء الهدوء بمزيد من الإنفاق كما فعلت في أزمات سابقة. فأي تنازل واسع قد يفاقم العجز ويثير أسواق السندات، أما رفض المطالب فيهدد بتوسيع الحركة في الشارع.

وتتبعت الصحيفة كذلك جذور احتجاجات الطلاب، مشيرة إلى انخفاض الإنفاق الحقيقي على الطالب، وتآكل الزيادات الاسمية في ميزانية التعليم بفعل التضخم، واستحواذ الرواتب التقاعدية للمعلمين على حصة كبيرة من الإنفاق.

لكن لغة «فايننشال تايمز» ظلت أقرب إلى قاموس المخاطر المالية والسياسية. فالأزمة تضغط على حكومة إيمانويل ماكرون قبل انتخابات الرئاسة، وتزيد صعوبة تمرير ميزانية تتضمن خفضًا للإنفاق، وقد تتحول إلى مصدر اضطراب لمنطقة اليورو كلها.

وفي تغطيتها لأحداث السبت، حرصت الصحيفة على التمييز بين مئات الآلاف الذين شاركوا في مسيرات سلمية، والمجموعات الملثمة التي أحرقت سيارات وهاجمت متاجر ومباني رسمية. ومع ذلك، أبرزت أن أعمال العنف حجبت المطالب الاجتماعية عن واجهة المشهد.

«تايمز»: الحرائق أولًا.. ثم تحذير لبريطانيا

اختارت صحيفة «تايمز» لأحداث السبت عنوانًا يبدأ بإحراق مكتب السياحة في ليون، ثم سردت وقائع إشعال السيارات وإقامة المتاريس والاقتراب من قصر الإليزيه والاشتباكات مع شرطة مكافحة الشغب.

يعكس هذا الاختيار تقديم الاضطراب الأمني بوصفه التطور الأبرز، حتى مع إقرار الصحيفة بأن الجزء الأكبر من المظاهرات كان سلميًا، وأن أعداد المشاركين تجاوزت توقعات السلطات.

لكن تغطية «تايمز» لم تقتصر على صور الشغب. فقد عادت في تقرير من المدرسة التي انطلقت منها الحركة إلى نقص المعلمين وغياب الممرضة وتسرب المياه وعدم توفر عدد كافٍ من المقاعد، ونقلت عن المعلمين والأهالي اعتزازهم بالاحتجاج السلمي الذي دفع السلطات إلى شغل بعض الوظائف الشاغرة.

أما افتتاحية الصحيفة، فحملت عنوان «احتجاجات طلاب فرنسا ينبغي أن تكون تحذيرًا لبريطانيا»، لكنها لم تقدم التحذير من زاوية نقص الاستثمار في المدارس وحده.

ورأت الافتتاحية أن المشكلة الكبرى تكمن في تراكم الديون والعجز عن تلبية المطالب الاجتماعية بعد سنوات من تجنب القرارات الصعبة. واعتبرت أن ماكرون تمكن سابقًا من تهدئة احتجاجات «السترات الصفراء» بالتراجع عن زيادة ضريبة الوقود ورفع مداخيل أصحاب الأجور المنخفضة، لكنه لا يملك المساحة المالية نفسها هذه المرة.

ثم نقلت الصحيفة التحذير إلى لندن، قائلة إن مشكلات الميزانية البريطانية، وإن كانت أقل حدة، تنتمي إلى الفئة نفسها، وإن بريطانيا أكثر عرضة للخطر إذا فقدت الأسواق الثقة بقدرتها على إدارة ديونها.

وهكذا قرأت «تايمز» الشارع الفرنسي من نافذة بريطانية: الاحتجاج ليس دليلًا على قصور الخدمات فحسب، بل على ما قد يحدث عندما تتراكم الديون وتضيق قدرة الدولة على الاستجابة.

«سكاي نيوز»: طلاب يطلبون معلمين فتستقبلهم الشرطة

جمعت «سكاي نيوز» بين التغطية المباشرة للاشتباكات ومحاولة تفسير جذور الحركة. فقد تصدرت صور الغاز المسيل للدموع والحرائق والبنايات المتضررة تغطيتها الحية لأحداث السبت، إلى جانب أعداد المعتقلين وتحذيرات السلطات من مجموعات «اليسار المتطرف».

لكن الشبكة قدمت قبل ذلك تقريرًا تحليليًا بدأ بدعوة القارئ إلى تخيل تعرضه للغاز والقنابل الصوتية لمجرد الشكوى من الجداول الدراسية وغياب المعلمين وانهيار الفصول.

ووصف التقرير استجابة الشرطة والحكومة بأنها شديدة القسوة، وأفسح المجال لشهادة طالبة في السابعة عشرة تحدثت عن تجربة الاحتجاج والمواجهة الأمنية.

ولذلك بدت تغطية «سكاي نيوز» منقسمة بين منطق الخبر العاجل، الذي تتقدم فيه النار والاشتباكات، ومنطق التقرير التفسيري، الذي يعيد الطلاب ومطالبهم إلى مركز القصة.

«الإندبندنت»: من أزمة المدارس إلى عدوى أوروبية محتملة

قدمت صحيفة «الإندبندنت» واحدة من أكثر التغطيات البريطانية اتساعًا، فنشرت أخبارًا مباشرة وتقارير تفسيرية ومعارض للصور ومقالات رأي عن الاحتجاجات.

وتتبعت الصحيفة انتقال الحركة من مدارس الضواحي الفقيرة شمالي باريس إلى احتجاج وطني على عدم المساواة وضعف الإنفاق العام وغلاء المعيشة. كما نشرت تقريرًا بعنوان «ما الذي أشعل احتجاجات فرنسا وكيف يمكن أن تنتشر عبر أوروبا؟»، ربط بين الحركة الفرنسية وتحركات طلابية أصغر في إيطاليا وبلجيكا.

وفي المقابل، اختارت مواد أخرى في الصحيفة عناوين وصورًا تتمحور حول «الاحتجاجات العنيفة» والسيارات المحترقة ونهب المتاجر، ما يوضح كيف يمكن للمنبر نفسه أن ينتقل بين سرديتين بحسَب نوع المادة: التغطية العاجلة تبحث عن الصورة الأشد، في حين يحاول التقرير التفسيري استعادة الأسباب التي سبقتها.

«بي بي سي»: مطالب مشروعة وعنف يهدد بابتلاعها

ركزت «بي بي سي» في تغطيتها المبكرة للحركة على الأرقام والشهادات المباشرة. فقد تحدثت عن اعتقال 440 شخصًا، معظمهم من القاصرين، وإصابة عشرات الطلاب والعاملين في المدارس خلال الأيام الأولى للاحتجاجات.

ونقلت عن طالبة قولها إن المحتجين لا يخرجون «لتحطيم كل شيء بلا سبب»، وإنما للاحتجاج على الفصول المكتظة وإرهاق المعلمين وانهيار النظام التعليمي.

وفي الوقت نفسه، عرضت موقف وزير التعليم الذي أقر بمشروعية بعض المطالب، لكنه حذر من العنف، إلى جانب دفاع وزير الداخلية عن تناسب استخدام الشرطة للقوة.

وبذلك تبنت الهيئة صيغة موازنة تقليدية بين مطالب الطلاب ورواية السلطات، من دون تحويل الحركة بالكامل إلى مؤامرة سياسية أو تجاهل الأضرار التي صاحبت بعض الاحتجاجات.

«سبيكتيتور»: بين «مسرحية فرنسية متكررة» والاعتراف بمشروعية الغضب

حتى داخل الصحافة المحافظة، لم تكن القراءة واحدة. فقد قدم مقال نشرته مجلة «سبيكتيتور» الاحتجاجات بوصفها سيناريو فرنسيًا يتكرر في خمسة فصول: تبدأ بمطالب طلابية مشروعة، ثم يستثمرها اليسار المتطرف، وتنضم النقابات، وتتسلل المجموعات العنيفة، قبل أن تقدم الحكومة تنازلات لتهدئة الشارع.

ورأى الكاتب أن جان لوك ميلونشون وحزب «فرنسا الأبية» يسعيان إلى تحويل غضب الطلاب إلى أداة لإضعاف الحكومة قبل الانتخابات، وهي قراءة تتقاطع بدرجة كبيرة مع اتهامات الحكومة الفرنسية.

لكن المجلة نفسها نشرت بعد أيام مقالًا يسأل: «هل لدى الطلاب الفرنسيين المحتجين قضية عادلة؟».

ونقل الكاتب عن معلمين أن خفض النفقات جعل العمل داخل المدارس لا يُحتمل، مع زيادة أعداد الطلاب ونقص المعلمين واحتراق العاملين نفسيًا. كما أشار إلى استطلاع أظهر تأييد 62 في المئة من الفرنسيين للاحتجاجات، وقال إنه لم ير خلال مظاهرة حضرها دعمًا معلنًا لميلونشون، بل التقى طلابًا يريدون تجنب استغلال حركتهم سياسيًا.

ويمنع هذا التباين اختزال التغطية البريطانية في معادلة بسيطة تقول إن الصحف المحافظة أدانت المحتجين، وأيدتهم الصحف الأخرى. فالاختلاف ظهر داخل المنبر الواحد، وبين الخبر العاجل والتحليل والافتتاحية ومقال الرأي.

القصة نفسها.. لكن نقطة البداية تغير معناها

تكشف مقارنة التغطيات أن معظم وسائل الإعلام البريطانية اتفقت على أربع حقائق: بدأت الحركة بمطالب تعليمية حقيقية، وانضمت إليها فئات اجتماعية أخرى، وكانت غالبية المشاركين سلمية، ووقعت في الوقت نفسه أعمال عنف وتخريب واسعة لا يمكن تجاهلها.

لكن الخلاف ظهر في ترتيب هذه الحقائق وتحديد العلاقة بينها.

بدأت «الغارديان» من المدارس المتداعية وعنف الشرطة، وجعلت التفاوت والإهمال أصل الأزمة. وبدأت «فايننشال تايمز» من التناقض بين الحاجة إلى الإنفاق وعجز الدولة عن تحمله. أما «تايمز» فدفعت الحرائق والفوضى إلى الواجهة، ثم قرأت الاحتجاجات باعتبارها تحذيرًا من تبعات الديون. وقدمت «سبيكتيتور» تفسيرًا سياسيًا عن استثمار اليسار للغضب، من دون أن تخلو صفحاتها من الاعتراف بمشروعية مطالب الطلاب.

ولا يتعلق الاختلاف بإنكار العنف أو إثباته؛ فقد وقع العنف ووثقته جميع التغطيات تقريبًا. وإنما يتعلق بالسؤال الذي يسبق الصورة: هل النار هي القصة، أم نتيجة لقصة بدأت قبلها داخل مدارس بلا معلمين ومجتمع تراجعت ثقته بقدرة الدولة على توفير التعليم والحماية الاجتماعية؟

وبالنسبة إلى الصحافة البريطانية، لم تكن فرنسا مجرد بلد مجاور يشهد اضطرابات. فقد أصبحت مرآة تعكس أسئلة بريطانية عن المدارس والديون وغلاء المعيشة والاحتجاج واستخدام الشرطة للقوة.

لهذا لم تقرأ الصحف البريطانية الشارع الفرنسي قراءة واحدة. كل صحيفة رأت فيه الخطر الأقرب إلى تصورها للعالم: انهيار الخدمات، أو انفلات الشارع، أو إفلاس الدولة، أو قسوة الشرطة. أما الاحتجاج نفسه، فبقي أوسع من أي عنوان منفرد.

اترك تعليقا

↑