العرب في بريطانيا | لا تجعلوا التضامن مع غزة ذكرى

لا تجعلوا التضامن مع غزة ذكرى

لا تجعلوا التضامن مع غزة ذكرى بقلم: ريم العتيبي
ريم العتيبي أكتوبر 16, 2026
شارك
استمع إلى المقال
0:00 / 0:00
تم إنشاء الصوت بالذكاء الاصطناعي بواسطة مكنة

هل نسي البعض ما كانوا عليه في بداية الحرب على غزة؟ أم أن مرور الأيام جعل ما كان يهزّ القلوب بالأمس مشهدًا عاديًا يمرّ اليوم دون أن يترك الأثر نفسه؟

أتذكرون تلك الأيام الأولى حين كانت صور غزة تهزّ الضمائر، وحين كان الناس يتسابقون إلى إعلان تضامنهم، كلٌّ بما يستطيع؟ امتلأت الشوارع بالمظاهرات، وارتفعت الأصوات نصرةً لغزة، وأصبحت المقاطعة حديث البيوت والمدارس والجامعات ومواقع التواصل الاجتماعي.

يومها لم يكن السؤال: «ماذا ستغيّر مقاطعتي لمنتج واحد؟»، بل كان السؤال الذي يتردّد على الألسنة: «كيف أستطيع أن أفعل شيئًا، ولو يسيرًا، من أجل أولئك الذين يعانون؟».
كانت المقاطعة بالنسبة إلى كثيرين أكثر من مجرد الامتناع عن شراء منتج؛ كانت تعبيرًا عن الوعي، ورفضًا للصمت، وإعلانًا بأن الإنسان لا يريد أن يقف بعيدًا عن معاناة إخوانه في الإنسانية. كان الناس يبحثون عن البدائل، ويتحقّقون من أسماء الشركات، ويتناقشون بشأن المنتجات، ويحثّ بعضهم بعضًا على الثبات. وكان من المؤثر أن ترى طفلًا يرفض شراء منتج اعتاده؛ لأنه سمع أن هناك دعوات لمقاطعته تضامنًا مع أطفال غزة.

لكن ماذا حدث اليوم؟

لماذا خفتت بعض تلك الأصوات؟ ولماذا بدأت المنتجات التي كان البعض يرفض شراءها بالأمس تتسلّل من جديد، وبهدوء، إلى سلال مشترياتهم، وكأن شيئًا لم يكن؟ كيف عادت إلى عاداتهم الاستهلاكية بعدما كانوا يبحثون عن بدائل لها، ويتحدّثون بحماس عن أهمية الاستغناء عنها؟

ولماذا أصبحنا نسمع من يقول: «وما الذي ستغيّره المقاطعة؟ أو لقد طال الأمر، ولا فائدة من الاستمرار».

هل تغيّر الواقع الذي دفعهم إلى المقاطعة؟ أم أن الذي تغيّر هو مقدار اهتمامهم به؟ وهل انتهت الأسباب التي جعلتهم يتخذون ذلك الموقف، أم أن الحماس وحده هو الذي انتهى؟
من الطبيعي أن يتعب الإنسان، وأن تخفّ حماسته مع مرور الوقت، وأن تثقل عليه مشاغل الحياة. لكن الخطير أن يتحوّل هذا التعب إلى استهانة، وأن يصبح ما كان موقفًا نابعًا من القناعة مجرد موجة عابرة انتهت بانتهاء الحماس.

فالمقاطعة ليست سباقًا قصيرًا يبدأ بحماسة ثم ينتهي عند أول شعور بالتعب. إنها، بالنسبة إلى من اختارها عن وعي وقناعة، موقف يحتاج إلى صبر واستمرار وثبات. وليس المطلوب المبالغة في تصوير أثرها، أو الادعاء بأن الامتناع عن منتج واحد سيغيّر مصير حرب بأسرها، لكن من الخطأ أيضًا الاستهانة بالأفعال الفردية لمجرد أنها صغيرة. فالمواقف الجماعية تبدأ بأفراد، والوعي العام يتكوّن من قرارات يومية تتكرّر حتى تصبح سلوكًا راسخًا.

وما يثير التساؤل حقًا ليس مجرد عودة بعض المنتجات إلى سلال المشتريات، بل سهولة التراجع عن مواقف كان أصحابها بالأمس يدافعون عنها بكل حماس. كيف يتحوّل ما كان مرفوضًا من حيث المبدأ إلى أمر عادي؟ وكيف يصبح البحث عن البديل، الذي كان دليلًا على الوعي والإصرار، عبئًا لا يرغب البعض في تحمّله؟

وهل كانت تلك المواقف قناعات راسخة، أم أنها ارتبطت بموجة من الحماس الجماعي خفتت مع مرور الأيام؟
ثم أين ذهبت تلك الحشود التي كانت تملأ الشوارع؟ أين ذلك الشعور الذي كان يجمع الناس رغم اختلاف أعمارهم ولغاتهم وبلدانهم؟

كيف استطاعت شعوب بعيدة، لا يجمعها بأهل غزة دمٌ ولا تاريخٌ ولا حضارةٌ ولا دينٌ ولا لغة، أن تخرج إلى الشوارع، وترفع أصواتها، وتعلن تضامنها مع المظلومين؟ وكيف يليق بمن هم الأقرب وجدانًا وقضيةً أن يتراجع بعضهم عن المشاركة في المسيرات السلمية أو المبادرات الإنسانية أو غيرها من صور التضامن التي كانوا يحرصون عليها في البداية؟

أين الأصوات التي كانت ترتفع مطالبة بحماية المدنيين ووقف معاناتهم؟ وأين ذلك الاهتمام الذي جعل قضية غزة حاضرة في الأحاديث اليومية، وفي النقاشات، وفي تفاصيل الحياة؟
هل تراجعت المعاناة حتى يتراجع الاهتمام؟ أم أن كثرة المآسي جعلت بعض القلوب تعتاد ما لم تكن تتخيّل يومًا أنها قد تعتاده؟

ربما لم تختفِ المشاعر بالكامل، ولكن التعب أخذ من حضورها، وتكرار الأخبار جعل البعض يمرّ على صور الألم مرورًا عابرًا. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: أن تتحوّل المعاناة الإنسانية، مع مرور الوقت، إلى مشهد مألوف لا يوقظ في النفس الرغبة نفسها في الاستجابة.

ليس المطلوب من الإنسان أن يعيش حزينًا في كل لحظة، ولا أن يتخلّى عن حياته أو فرحه أو مسؤولياته، ولكن المطلوب ألّا يسمح لمرور الأيام بأن يمحو من ذاكرته معاناة الآخرين، أو أن يجعل اهتمامه بقضية إنسانية مرهونًا بمدى انتشارها على مواقع التواصل الاجتماعي.

فأهل غزة الذين تضامن معهم الملايين في الأيام الأولى لم تكن حاجتهم إلى التضامن محصورة في تلك الأيام وحدها. والقيم الإنسانية التي دفعت الناس إلى رفع أصواتهم لا ينبغي أن تفقد معناها لمجرد أن الأضواء خفتت، أو أن الأخبار لم تعد تتصدّر المشهد كما كانت من قبل.

وإذا كانت المظاهرات قد قلّت في بعض الأماكن، فهذا لا يعني أن التضامن يجب أن ينتهي. فالتعبير عن المواقف لا يقتصر على الخروج إلى الشوارع، بل يمتد إلى نشر المعلومات الموثوقة، ودعم العمل الإغاثي، والمشاركة في المبادرات الإنسانية، والتعبير السلمي المسؤول، واتخاذ خيارات استهلاكية واعية تقوم على التحقّق والمعرفة.

ولعلّ ما يحتاج إليه البعض اليوم ليس موجة جديدة من الحماس، بل مراجعة صادقة للمواقف.

فمن كان بالأمس يبحث عن البدائل، لماذا لم يعد يبحث عنها اليوم؟ ومن كان يرفض شراء منتج تضامنًا مع أطفال غزة، ما الذي جعله يعود إليه؟ ومن كان يرى في المقاطعة تعبيرًا عن موقف أخلاقي، لماذا أصبح يتساءل اليوم عن جدواها وكأن الأسباب التي دفعته إليها قد اختفت؟

ليست هذه الأسئلة دعوة إلى محاسبة الناس على تفاصيل حياتهم، ولا إلى التشكيك في صدق مشاعرهم، وإنما دعوة إلى التأمّل في المسافة بين القناعة والسلوك، وبين ما يعلنه الإنسان من مبادئ وما يستطيع الاستمرار عليه حين يهدأ الحماس.

فليس الجميع قادرين على تقديم القدر نفسه من الدعم، وليست كل أشكال التضامن متساوية في أثرها، كما أن المقاطعة الواعية تحتاج إلى معلومات دقيقة حتى لا تتحوّل إلى أحكام عشوائية على الشركات والمنتجات. لكن اختلاف الوسائل والقدرات لا ينبغي أن يصبح مبررًا للاستهانة بكل جهد، أو للسخرية من الذين ما زالوا متمسّكين بمواقفهم.
وإلى كل من كان يومًا متحمسًا ثم أصابه الفتور، أقول: تذكّر لماذا بدأت.

تذكّر ذلك الشعور الذي دفعك إلى البحث عن البديل، وإلى مشاركة منشور، وإلى رفع صوتك تضامنًا مع المظلومين. تذكّر تلك اللحظة التي شعرت فيها بأن موقفك، مهما بدا صغيرًا، كان تعبيرًا عن شيء أكبر من مجرد قرار استهلاكي.
فإذا كانت القناعة صادقة بالأمس، فما الذي جعلها أقل حضورًا اليوم؟

لا تجعل التعب سببًا للسخرية من الجهود الصغيرة التي كنت تؤمن بها، ولا تجعل طول الطريق سببًا للتخلّي عن القيم التي دفعتك إلى السير فيه. فالاستمرار لا يحتاج دائمًا إلى الحماس نفسه الذي يرافق البدايات، بل يحتاج أحيانًا إلى وعي أعمق وإرادة أكثر هدوءًا وثباتًا.

لا تجعلوا غزة مجرد ذكرى لحماس عاشه الناس في بداية الحرب. ولا تجعلوا الصور التي أبكت الملايين يومًا تمرّ اليوم أمام الأعين دون تفكير. ولا تسمحوا لكثرة المآسي بأن تجعل الألم الإنساني أمرًا معتادًا، أو بأن تتحوّل مشاعر التضامن إلى ذكرى مرتبطة بمرحلة مضت.

قد تخفت الأصوات، وقد تقلّ الحشود، وقد تتغيّر وسائل التعبير، لكن القيم التي دفعت الناس إلى التضامن لا ينبغي أن تكون مؤقتة.

فليس من المنطقي أن تكون كذلك.

اترك تعليقا

التعليقات

  1. إن شالله بنضل على مبادئناا إلى يوم النصر
    فأهل غzزة اهلنا. و المقاطعه مستمرة
    زادك الله علما.

إعلان

↑