القرار الخاطئ أم القرار المتأخر؟
القرار الخاطئ أم القرار المتأخر؟
منذ أيام، وأثناء نقاش مع أحد رجال الأعمال المخضرمين، استوقفتني مقولة أوردها في حديثه:
«أخذ القرار الخطأ أهم من تأخير القرار الصحيح».
تأملت هذه المقولة، ووجدت أنها تحمل جانبًا من الحكمة، لكنها ليست صحيحة على إطلاقها؛ فليس المطلوب أن نخطئ، وإنما ألّا يتحول خوفنا من الخطأ إلى سبب يمنعنا من الحركة والمبادرة.
فحين نتخذ قرارًا ونبدأ العمل، ننتقل من عالم الأفكار والتوقعات إلى أرض الواقع، حيث نتعلم من التجربة، ونكتشف ما لم نكن نراه، ونصحح مسارنا كلما احتجنا إلى ذلك.
أما إذا انتظرنا حتى تتضح لنا كل التفاصيل، وتزول كل المخاطر، ونضمن النجاح، فقد نظل نفكر طويلًا من دون أن نخطو خطوة واحدة.
القرار بداية التفكير
وأنا أؤمن أن النجاح لا يأتي مضمونًا مع أي قرار؛ فقد ننجح من المحاولة الأولى، وقد نتعثر ثم ننجح بعد تصحيح المسار. لكن عدم المبادرة يحرمنا من فرصة التعلم والتقدم التي لا تمنحنا إياها إلا التجربة.
وهنا تكمن نقطة مهمة: القرار ليس نهاية التفكير، بل بداية مرحلة جديدة منه؛ فبعد أن نقرر ونعمل، تصبح لدينا حقائق وتجارب تساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل.
وهذا لا يعني أن نتخذ قراراتنا بلا دراسة، أو أن نستهين بعواقب الخطأ، بل أن نُحسن التمييز بين قرار يحتاج إلى مزيد من التروي، وآخر يمكن أن نبدأ به ثم نطوره ونصححه بالتجربة.
القرار في مراحل التحول
والحقيقة أن هذه المقولة ذكّرتني بنقاش حضرته مع أحد المسؤولين الكبار في سوريا الجديدة، حين وجّه إليه أحد الحاضرين رسالة مفادها أن البلاد في سباق مع الزمن، وأن انتظار استكمال جميع آليات الحوكمة قبل البدء بالعمل قد يطيل طريق الإنجاز.
فالمرحلة تحتاج إلى قيادة حاسمة وعادلة، تمتلك شجاعة اتخاذ القرار، وتقبل احتمال الخطأ، وتتحمل مسؤوليته، وتصححه عند الحاجة، بدلًا من أن يبقى العمل معلقًا انتظارًا للكمال.
وفي مراحل التحول وإعادة البناء، لا يكفي أن تكون لدينا خطط جيدة، بل نحتاج أيضًا إلى قرارات تتحول إلى عمل، وإلى مؤسسات تتعلم من التجربة وتصحح مسارها باستمرار.
حين يصبح الكمال عائقًا
ولعل هذا ما يجعلني أتذكر مقولة سبق أن كتبت عنها:
«كم أماتت رغبة الكمال إنجاز كثير من جليل الأعمال، كما أمات التراخي والتسويف كثيرًا من فريد التآليف».
فالحكمة ليست في أن نتحرك بلا تفكير، ولا في أن نفكر بلا حركة؛ وإنما في أن ندرس بما يكفي، ثم نمتلك شجاعة البداية، ومرونة التصحيح، وصبر الاستمرار.
فليس شرطًا أن يكون قرارك الأول هو الأفضل، ولكن من الضروري أن تمنح فكرتك فرصة أن تتحول إلى واقع.
فالحياة لا تحتاج منا إلى قرارات لا تخطئ، بقدر ما تحتاج إلى أناس يبادرون، ويتعلمون من تجاربهم، ويملكون شجاعة التصحيح بقدر ما يملكون شجاعة البداية.
الرابط المختصر هنا ⬇


